make-money-468x60

إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
الكاتب الموضوع
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #1
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
البداية مقتطفات شعرية لها:
حياتي استولى عليها رجل شيطاني
إنه يريد أن يملك جسدي
كلما شاء
وفي قصيدة أخرى تقول:إذا طاردك كلب
حذار
هذا الكلب مصاب بالسعار
وإذا طاردك رجل
حذار
حذار
فهذا الرجل مصاب بالزهري

إحدى أقوالها التي أثارت ضدها المتعصبين :
"القران والفيدا والإنجيل وكل هذه النصوص التي أصبحت الدينية التي أصبحت خارج الزمان و المكان تحتاج إلى مراجعة شاملة"

ملاحظة: عنوان الرواية هو"لاجا" وهي كلمة بنغالية تعني " العار أو الخجل أو الذنب "
مقدمة المؤلفة:
أنا أكره الأصوليين والأصولية . كان هذا سبب كتابتي لرواية لاجا فور هدم مسجد " بابري " في أيودها بالهند في 6 ديسسمبر 1992.هذا الكتاب الذي استغرقت كتابته سبعة أيام يعالج اضطهاد الهندوس, وهم أقلية دينية في بنغلادش , على أيدي المسلمين , الذين
يشكلون الأغلبية إنه أمر مخزي أن يتعرض الهندوس في بلدي للملاحقة على أيدي المسلمين بعد هدم مسجد بابري.

نحن الذين نحب بنغلادش لا بد أن ينتابنا الخجل من حدوث مثل هذا الشيء البغيض في بلدنا الجميل .

أحداث عنف 1992 في بنغلادش هي مسؤوليتنا جميعا وعلينا يقع اللوم نشرت لاجا في فبراير1993 في بنغلادش , وبيع منها أكثر من 60 ألف نسخة قبل أن تصادرها الحكومة بعد خمسة أشهر , وكانت حجتهم أنها تعكر صفو السلام الطائفي . وفي سبتمبر من نفس العام صدرت ضدي فتوى من إحدى المنظمات الأصولية أباحت دمي , وأعلنت عن مكافأة لمن يقتلني . وشهدت شوارع داكا –عاصمة بنغلادش-مسيرات طالب فيها المتعصبون بقتلي . ولكن شيئا من هذا لم يهز إصراري على مواصلة المعركة ضد الاضطهاد والطائفية الدينية, بنجلادش هو وطني , لقد حصلنا على استقلالنا عن باكستان مقابل حياة ثلاثة ملايين شخص إننا نخون هذه القضية إذا سمحنا لأنفسنا بأن يحكمنا التطرف الديني.

" آيات الله " سوف يقتلون كل شيء متقدم في بنغلادش إذا سمحنا لهم بالانتصار, واجبي هو أن أحاول حماية بلدي الجميل منهم وأن أدعو كل الذين يشاركوني قيمي إلى مساعدتي في الدفاع عن حقوقي.

مرض الأصولية الدينية لا يقتصر على بنغلادش وحدها, ولكن لابد من محاربته في كل مكان . بالنسبة لي , لست خائفة من أي تحدي أو تهديد لحياتي . سوف أواصل الكتابة والاعتراض على الاضطهاد والتعصب . وأنا مقتنعة بأن الوسيلة الوحيدة لإيقاف قوى الأصولية هو أن نتضامن جميعا , نحن العلمانيين والإنسانيين ونحارب تأثيرهم المميت . أنا عن نفسي لن أسكت .

دكا – مارس 1994
تسليمة نصرين











اليوم الأول
كان سورجان راقدا في فراشه ..أتت أخته نيلانجانا , التي يطلقون عليها اسم مايا , ودخلت الغرفة مرة أخرى و قالت : دادا ألا تنوي أن تستيقظ وتفعل شيئا قبل فوات الأوان ؟
عرف سورنجان أن مايا تريد منه البحث عن مكان يختبئون فيه مؤقتا من الخطر الذي يتهددهم . لكن مزاجه كان معاندا . لماذا ينبغي له الهروب من بيته لمجرد أن اسمه سورنجان دوتا ؟
هل من الضروري لأسرته – أبوه سودهاموي وأمه كيرونموي وأخته نيلانجانا – أن يهربوا مثل المطاريد بسبب أسمائهم ؟ هل يجب أن يبحثوا عن ملجأ في بيت كمال أو بلال أو حيدر كما فعلوا منذ عامين ؟

تذكر هذا اليوم 30 أكتوبر 1990 , بوضوح .. كمال , الذي يعيش في أسكاتون , خاف غليهم من التعرض لأي مكروه فقطع الطريق الطويل إلى بيتهم وحثهم على مغادرته والذهاب معه .. لم يكن هناك أي تقصير في كرم ضيافة بيت كمال . كانوا يفطرون البيض والتوست , ويتناولون السمك والأرز في الغداء , ويقضون أمسيات جميلة كسولة على العشب الأخضر. وكانوا ينامون في سلام و راحة على المراتب السميكة وستمتعون جميعا بوقت رائع !

ولكن مهما كان طعم السعادة التي تذوقوها في منزل صديقهم , فإن هذا لا يجيب عن السؤال الأساسي : لماذا يتحتم عليهم أن يختبئوا في منزل كمال ؟ .. صحيح أن كمال صديق قديم لسورنجان , والأصدقاء يتبادلون الزيارات , ولكن ليس في ظروف من هذا النوع . لم يتحتم عليه أن يهرب من بيته ؟ كمال لم يكن لديه سبب يدفعه إلى الهروب أبدا . أليس هذا الوطن وطنه كما هو وطن كمال ؟ ثم لماذا يحرم من حقوقه , ولماذا يدير له بلده ظهره ؟ لماذا لا يستطيع أن يقول له : أنا ابن هذا التراب , أرجوك لا تسبب لي أي أذى ؟!

كان سورنجان راقدا في فراشه , مستغرقا في مثل هذه الأفكار , ومتجاهلا أخته التي دخلت و خرجت , ثم بدأت تتمشى بلا هدف في أنحاء البيت , وتفكر في أن أحدا منهم لا يدرك أنه يجب فعل شيء قبل أن يحدث لهم شيء بشع . في التلفزيون عرضت قناة
CNNتفاصيل تدمير مسجد بابري في السادس من ديسمبر 1992 .. وكان التلفزيون لا يزال يعرض بعض مشاهد الحادث . جلس سودهاموي و كيرونموي أمام التلفزيون يراقبان عملية التدمير , ويأملان أن يصحبهما سورنجان إلى بيت أحد أصدقائه المسلمين . ولكن سورنجان كان قد قرر أنه لن يفعل شيئا من هذا , وأنه حتى لو جاء كمال أو أي صديق مسلم آخر لاصطحابهم فسوف يقول له :
لن أغادر بيتي مهما كانت الظروف.

هذه المشاهد في بيت آل دوتا كانت تجري في السابع من ديسمبر . في المساء السابق , خيم ظلام كثيف على ضفاف نهر ساريو بمدينة أيودها الهندية .. في ذلك اليوم المصيري , عصابة من أتباع من يطلق عليهم " كارسيفاكس " هدوا مسجدا يزيد عمره على 400 أو 500 سنة , وفقا لأبرشية هندوس فيسوا فإن المسجد كان محل ميلاد " راما " –نبي الهندوس – وبهذا اعتبروه ملكية دينية لهم .

المتطوعون المتعصبون انضموا إلى مشروع لتطهير المنطقة في المسجد و حوله . وقبل حوالي خمس وعشرون دقيقة من بداية العمل بدأت الكارثة عندما بدأ عمال التطهير في هدم المسجد بلا هوادة .

حدثت هذه الدراما بأكملها في حضور ضباط أصحاب رتب عالية ورجال دين أبرشية هندوس فيسوا , وحزب بهارتيا جاناتا وغيرهم.
ضباط وجنود قوة الشرطة الاحتياطية المسلحة , وشرطة وردية المنطقة المسلحة وشرطة أتار بارديش وقفوا يتفرجون دون يطرف لهم جفن بينما كان هدم المسجد مستمرا في الثانية وخمس و أربعون دقيقة بعد الظهر سقطت واحدة من القباب , في الرابعة انهارت الثانية وفي الخامسة وأربعين دقيقة انكسرت القبة الثالثة إلى نصفين على يد المتعصبين . أثناء عملية هدم المبنى الهائل دفن أربعة منهم تحت الأنقاض , وتتعرض مئات من الناس لإصابات خطيرة .

كل هذا وغيره ذكرته تقارير تفصيلية في الصحيفة التي كان يتصفحها سورنجان تحت عنوان ضخم يصرخ : "تدمير مسجد بابري " لم يذهب سورنجان إلى " أيودها " أبا , ولم ير مسجد بابري , وكيف يمكنه ذلك وهو لم يغادر بنغلادش أبدا ؟ سواء كان المبنى الذي تم تدميره محل ميلاد راما أو جامعا مقدسا , فهو لم يكن يهم سورنجان كثيرا , الواضح بالنسبة له هو أن تدمير أثر يعود للقرن السادس يمثل ضربة وحشية لمشاعر المسلمين في الهند و خارجها كما أنه يضر بالوحدة الوطنية بين الهنود أيضا لأنه اعتداء همجي على " الوئام الدولي و الضمير الجمعي للناس " على حد كلمات الصحيفة , التي واصلت على هذا المنوال في تقريرها :
" لا يحتاج الأمر إلى القول بأنه في بنغلادش أيضا سوف يتسبب رد الفعل على هذا الحادث في خلق موجات مسعورة من الهستريا الدينية . وسوف تهدم المعابد وتسوى بالأرض , وتحرق منازل الهندوس ومحلاتهم وتنهب "

بتشجيع من حزب بهارتيا جاناتا قام المتعصبون بهدم مسجد بابري ليزيدوا من قوة رجال الدين الإسلامي في بنغلادش . هل مر بخاطر حزب بهارتيا جاناتا و أبرشية هندوس فيسوا وشركاهم أن ردود الفعل على عملهم المجنون في أيودها لن تقتصر على الحدود الجغرافية للهند ؟
في الهند أسفرت المحنة عن مولد أحداث عنف جماعية راح ضحيتها حتى الآن خمسمائة أو ستمائة أو ربما ألف شخص , وعدد الموتى في ازدياد كل ساعة . هل أدرك الهندوس المتدينون , المفترض منهم أن يرعوا مصالح دينهم ووحدتهم أن هناك حوالي 25 مليون هندوسي يعيشون في بنغلادش أيضا ؟,,

أغلق سورنجان عينيه . ثم فتحهما من جديد على مايا تهزه قائلة :
-ألن تفعل شيئا ؟ أرجو أ، تدرك أن أبوينا يعتمدون عليك في حفظ سلامتنا تثاءب سورنجان وتمطى بكسل وقال :
-اذهبوا أنتم إذا شئتم أنا لن أتحرك خطوة واحدة من هذا البيت
- وماذا عن أبوينا ؟
- لا أعرف
- ماذا لو حدث لهما شيء ؟
- ما الذي يمكن أن يحدث ؟
- أن يهاجموا منزلنا ويحرقوه !
- فليفعلوا
- هل تعني أنك ستجلس وتنتظر حدوث ذلك ؟
لا , لن أجلس , سوف أنام


أشعل سورنجان سيجارة على معدته الخاوية واشتاق إلى كوب من الشاي عادة ما كانت كيرونموي تحضر إليه الشاي في الصباح ولكنها لم تفعل ذلك اليوم
لم يكن مجدبا أن يطلب من مايا , فسوف تهدم البيت بصراخها إذا طلب منها كوبا من الشاي كان يمكنه أن ينهض ويعد الشاي لنفسه ولكنه شعر بكسل شديد في الغرفة المجاورة كان التلفزيون يطن . لم يكن يرغب حتى في الجلوس والتحديق في تغطية الCNN للحادث فجأة سمع مايا تصرخ مرة أخرى في الغرفة المجاورة ك
دادا يستلقي في الغرفة ويقرأ الصحف ولا يبدوا أنه يبال بأي شيء في العالم

لم تكن المسألة أن سورنجان لا يفهم خطورة الموقف . ففي أي لحظة يمكن أن يقتحم البيت مجموعة من الناس ينهبون و يسرقون أو ربما يحرقون البيت عن اخره في هذه الظروف لم يكن ليرفض كمال أو حيدر أن يأويهم . ولكنه كان يخجل أن يهرب إلى أيهما . بدأت مايا في الاعتراض بصوت مرتفع :
لو لم يكن لدى أحدكم النية في الخروج من هنا فسوف أذهب وحدي . سأذهب إلى بيت بارول وأبقى هناك إلى أن يتحسن الموقف . لا أعتقد أن دادا ينوي اصطحابنا إلى أي مكان . ربما لا يرغب في الحياة , ولكني أريد أن أحيا

هذا الإنفجار اليائس بين أن مايا قد أدركت أخيرا أن أخاها لن يفعل شيئا في سبيل توفير مأوى لهم , وأن علها أن تفعل ذلك بنفسها إذا أرادت . من جانبه ظل سورنجان راقدا في فراشه يفكر . حتى لو انتقلوا إلى مكان آخر هل سيكونون بمأمن لقد كانوا محظوظين في أكتوبر 1990 بنجاتهم من الرعب والدمار .
واستدعى في رأسه أحداث ذلك الشهر . عشرات المعابد ودور العبادة قد دمرت و أحرقت ونهبت . استدعى سورنجان الأماكن التي خربت في مذبحة 1990 واحدا وراء الآخر هذه الأحداث التي وصفت بأنها اضطرابات ؟
هل كلمة اضطراب –أو شغب – تعني قيام طائفة ما بالاعتداء الوحشي على طائفة أخرى لا ترد الاعتداء ؟ لا مثل هذه الظاهرة لا يمكن أن توصف بأنها اضطرابات الذي حدث فعليا أن أفراد طائفة ما قاموا بانتهاك مقدسات وخصوصيات طائفة أخرى ببرود ودون ندم . وهذا ليس أقل من طغيان و قهر.
تسلل ضوء النهار عبر النافذة إلى جبهة سورنجان , ولكنها شمس الشتاء الناعمة ولذلك لم يشعر بالضيق , وواصل الرقاد حالما بكوب من الشاي .

في الغرفة الأخرى كان سودهاموي يفكر أيضا في الماضي . عندما كان شابا بدأ كل أعمامه وعماته في مغادرة بنغلادش أسرة وراء الأخرى . كان قطار البخار يشق طريقه من ميمنسنج إلى فولبلاريا , وكانت صفارته مصحوبة دائما بنحيب القلوب المحطمة للذين يغادرون البلد الوحيد الذي عرفوه
عندما رحل جيرانهم نادوا على والد سودهاموي قائلين :
-يا سوكومار , تعال لنرحل بعيدا هذا وطن المسلمين . الحياة غير آمنة في هذا البلد .
لكن سوكومار دوتا أصر على عدم خيانة القيم التي امن بها دوما , وقال :
-إذا لم يكن هناك أمان في هذا البلد , فأي مكان آخر في العالم يمكننا أن نذهب إليه ؟ لا يمكنني أن أهرب من وطني . اذهبوا أنتم إن أردتم , لكنني لن أترك ميراث آبائي , مزارع جوز الهند و الفلفل ومساحات حقول الأرز الهائلة و البيت الكبير .. لا يمكن أن أترك كل هذا لأصبح لاجئا في مبنى محطة سيلداه .
في هذا الوقت كان عمر سودهاموي تسعة عشر عاما تقريبا , وقد رحل معظم أصدقاء دراسته إلى الهند بعد أن حذروه :
- أبوك سوف يندم على القرار عاجلا أم آجلا
- لكن سودهاموي كان مثل أبيه يقول :
- لماذا ينبغي أن أغادر وطني إلى مكان آخر ؟ إذا عشت فسوف أعيش على هذا التراب وإذا مت فسوف أبقى في نفس المكان

لكن الهجرة استمرت بدون هوادة واستمر عدد طلبة الكلية يتضاءل .. الذين لم يرحلوا عام 1947 كانوا يستعدون للرحيل الآن . وهكذا واصل سودهاموي الدراسة مع عدد قليل من الصبية المسلمين و بعض الهندوس الفقراء في كلية ليتون التي حصل منها على شهادته في الطب .. وفي عام 1952 كان سودهاموي شابا ممتلئا بالطاقة , عمره أربعة وعشرون عاما . في شوارع دكا كانت الثورة تملأ الشوارع بسبب مطالبة البنغال باعتماد اللغة البنغالية كلغة قومية . لكن محمد علي جناح رئيس دولة باكستان رفض الطلب و أعلن أن اللغة الأردية هي اللغة القومية لباكستان .
شباب البنغال الواعون سياسيا في غرب باكستان ثاروا معترضين على قرار جناح وامتلأت شوارع المدينة بدمائهم ولكن أحدا لم يتراجع , وأصروا على أن تصبح اللغة البنغالية اللغة القومية , شارك سودهاموي في المظاهرات وفي الغالب كان يقودها , وحضر اليوم الذي أطلق فيه البوليس نيرانه على رفيقه سلام بركات وكان معرضا طوال المظاهرات للموت أيضا .

وشارك سودهاموي في الحركة القومية سنة 1969 وكانت قوات شرطة أيوب خان الباكستاني قد تلقت الأوامر بإطلاق النار على المظاهرات , لكن البنغاليين رفضوا الخنوع للتهديد وواصلوا حملتهم مطالبين بميثاق المطالب المكون من إحدى عشر نقطة ومات علم جير منصور على أيدي رجال الشرطة وحمل سودهاموي جثته عبر شوارع ميمنسنج , ووراءه مئات الباكستانيين الناطقين بالبنغالية حزانى صامتين يعدون أنفسهم للمواجهة الحتمية للأحكام العرفية

حركة اللغة 1952 انتخابات الجبهة المتحدة 1954 حركة التعليم 1962 حركة الاعتراض ضد قضية مؤامرة الانتخابات العامة 1970 وحركة التحرير 1971.....كلها كانت تؤكد نقاط التقاء لشباب البلد الواعين سياسيا وكل ثورة جديدة كانت تؤكد على حقيقة أن تقسيم البلاد بناء على نظرية الأمتين كان أمرا غير صحيح وقد قال مولانا أبو الكلام أزاد :
" من أكبر أنواع الخداع على الشعب أن نقول بأن الصلة الدينية يمكن أن توحد المناطق المختلفة ثقافيا و لغويا واقتصاديا وجغرافيا . صحيح أن الإسلام سعى إلى تأسيس مجتمع يتسامى عن الحدود اللغوية والعرقية والاقتصادية ولكن التاريخ أثبت أنه بعد العقود القليلة الأولى أو على الأكثر بعد القرن الأول فإن الإسلام لم يستطع لأن يوحد البلاد المسلمة بناء على قاعدة الإسلام وحده " .

جناح كان يدرك أيضا حقيقة أن تطبيق نظرية الأمتين كان تمرينا فعليا في عدم الجدوى وعندما كان ماونتباتن يخطط لتقسيم البنغال قال هو نفسه :
" المرء بنجابي أو بنغالي قبل أن يكون هندوسيا أو مسلما .. لأنهم يشتركون في التاريخ واللغة والثقافة والاقتصاد .. وسوف تتسببون في حمامات دماء وقلاقل لا تنتهي " .
بداية من عام 1974 وحتى 1971 شهد البنغاليون موجة تلو الأخرى من حمامات الدماء والقلائل , وصلت كلها إلى الذروة بحركة الحرية 1971 عندما حصلوا على الاستقلال مقابل حياة ثلاثة ملايين بنغالي شهيد , مما أثبت أن الدين وحده لا يمكن أن يكون أساسا لهوية قومية , وأن اللغة والثقافة والتاريخ على الجانب الآخر يمكنهم أن يشكلوا الأساس الذي يبنى الإحساس بالقومية . باكستان كانت قادرة مبدئيا على صياغة رابط مشترك بين المسلمين في البنجاب والمسلمين في البنغال ولكن كلا من الهندوس والمسلمين البنغال سرعان ما أثبتا خطأ شعار الأمتين عندما بدا في رفض تنازلات كبيرة للمسلمين في باكستان .

في 1971 كان سودهاموي طبيبا في مستشفى س.ك في ميميسنج وكان رجلا مشغولا سواء في البيت أو في العمل . في المساء كان يمارس عمله في عيادته وكانت كيرونموي حاملا في طفلها الثاني في الشهر السادس وعمر سورنجان اثنا عشر عاما مما اضطر سودهاموي إلى تحمل الكثير من المسؤولية سواء لرعاية أسرته الشابة أو لإدارة المستشفى وحده فعليا . من وقت لآخر عندما يتوفر لديه بعض الوقت كان يذهب إلى بيت شريف للقاء أصدقائه في الثامن أو التاسع من مارس ذهب أصدقاؤه شريف و فيصل وبابلو للاستماع للشيخ مجيب لرحمن. عند منتصف الليل مروا بمنزل سودهاموي أثناء عودتهم لإبلاغه بما قاله الشيخ نجيب :
-إذا أطلقت رصاصة واحدة أخرى وإذا مات واحد آخر من رجالي فإنني أطلب منكم أن تتركوا بيوتكم لتقيموا المتاريس وإن تجمعوا كل شيء ممكن لمواجهة العدو كيفما احتاج الأمر هذه المرة الصراع من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال
وبرعشة الإثارة قال له الأصدقاء :
-سودها-دا , هذه المرة فعلنا شيئا !

كان سودهاموي يعرف أنه لا يمكن أن يتحقق شيء بالجلوس وانتظار مسار الأحداث ولكن أسرته وعمله يحتاجان إليه ولذلك لم يفعل شيئا ثم حدث في 25 مارس عندما اجتاح الجنود الباكستانيون البنغال بال مبالاة أن عاد إليه أصدقاؤه وهمسوا في أذنه :
-يجب أن نحارب .. ليس هناك حل آخر
وجد سودهاموي نفسه في موقف صعب . أسرته هي همه الأساسي الآن وعمره كبر على الاشتراك في حرب...ولكن كلام أصدقائه ظل يؤرقه ولم يستطع التركيز في عمله بالمستشفى وأخيرا تحدث إلى كيرونموي وسألها إذا كانت تستطيع أن تتدبر أمرها وحدها إذا اضطر إلى الذهاب ؟
كيرونموي المرعوبة قالت له:
-دعنا نذهب إلى الهند كل جيراننا تركونا الواحد تلو الآخر
كانت هذه حقيقة وسودهاموي رآهم بنفسه خروج 1947 كان يتكرر وسودهاموي كان ثائرا لعنهم جميعا ووصفهم بالجبن بعد أيام قال له نيماي :
-سودها-دا الجيش في الشارع . إنهم يصطادون الهندوس ويقتلونهم لنهرب بجلدنا
في 1947 كان أبوه حازما في قراره بعدم الرحيل .. سودهاموي اتخذ نفس الموقف وقال لينماي :
-اذهب أنت إذا أردت ولكن لن أهرب من وطني سوف نقتل هؤلاء الكلاب الباكستانيون ونحصل على حريتنا عد إذا استطعت بعد ذلك

و بالفعل اتخذ قراره بأن تبقى كيرونموي وطفلها في قرية فاجولا بينما يصطحب هو شريف و بابلو وفيصل إلى ناليترابي ولكن قبل أن ينفذ القرار قبض عليه الجيش فقد ذهب لشراء قفل رغم علمه بخطورة الموقف فالجيش في الشارع وليس هناك بنغالي واحد امن على نفسه تسلل بتوتر وإثارة في شوارع المدينة المقفرة لم يكن هناك سوى عدد قليل من المحلات المفتوحة .. فجأة ظهرأمامه ثلاثة رجال صاحوا فيه بالتوقف .. واحد منهم أمسكه من قفاه وسأله باللغة الأردية :
-ما اسمك ؟
لم يعرف سودهاموي أي اسم يستخدم تذكر أن صديقات كيرونموي نبهوها إلى أن ضرورة تغيير اسمها إلى شيء مثل " فاطمة أختار " وأدرك سودهاموي أن اسمه الهندوسي لن يجلب له خيرا مع معتقليه و أجبر نفسه على نسيان اسمه واسم أبيه وشعر بصدمة وهو يسمع صوته ينطق باسم " سراج الدين حسين " واحد من الرجال قال له " افتح صدرك "وقبل أن يستطيع فعل شيء
انتزعوا " صدريته بأنفسهم في هذه اللحظة عرف رأى بوضوح سبب هرب نيماي وسودهانو و رانجان

من الوقت الذي قسمت فيه الهند إلى باكستان والهند ترك الكثير من الهندوس ديارهم في شرق باكستان ورحلوا إلى الهند .. وتوفر لهم ذلك لأن تقسيم شبه القارة على خطوط طائفية ترك الحدود مفتوحة أمام الهندوس ليرحلوا إلى الهند أبناء الطبقة الثرية والمتعلمة هاجروا في أسراب , سرب تلو الآخر
انتاب سودهاموي ألم أيسر في صدره . كان ألما قديما معاودا آلمه رأسه أيضا ربما ازداد ضغط دمه في التلفزيون كانت محطة CNN تواصل تغطيتها الإخبارية لكارثة 6 ديسمبر ولكن مسجد بابري لم يعد يظهر في كل مرة يذكر فيها اسمه فيها . استنتج سودهاموي أن ذلك تم بناء على طلب الحكومة التي تحاول بوضوح حماية الهندوس من غضب طائفة الأغلبية لكن الذين اعتادوا على ردود الفعل العنيفة لم يكونوا بحاجة لمشاهدة الC NN . شعر بوخزة حادة في صدره , دلكه بيده ليخفف الألم واستلقى في الفراش , لا تزال مايا في الشرفة تتنقل في قلق عرف سودهاموي أن ابنته تريد الهرب إلى مكان آخر أي مكان . ولكن كيف لها ذلك سورنجان يرفض أن ينهض؟ حدق سودهاموي بلا إرادة منه في الشرفة المغمورة بضوء الشمس حيث يستطيل ظل مايا جلست كيرونموي ساكنة تمتلىء عيناها بتضرع حزين كما لو كانتا تقولان : " دعنا نعيش دعنا نرحل " أين يمكن أن يذهب سودهاموي إذا قرر مغادرة البيت في مثل هذا العمر هل يستطيع الجري هنا وهناك كما كان يفعل من قبل ؟ في الماضي لم يدخر نفسه أبدا وكان دائما في قلب الأحداث وطالما ترأس مجموعات المعارضة الإقليمية ضد حكام باكستان . روابط البيت والأسرة لم تكن بقادرة على منعه من المشاركة في هذه الأعمال ولكن من يأتي بهذه القوة اليوم ؟ كان يأمل أنه في دولة بنغلادش المستقلة العلمانية سوف يتمتع الهندوس بنفس الحقوق السياسية والاقتصادية و الثقافية و الدينية التي يتمتع بها المسلمون ولكن لسوء الحظ فقد تعثر مبدأ المساواة الدينية وفقد مكانته تدريجيا مع مسار الأحداث اليوم الإسلام هو الدين القومي لبنغلادش .. والأصوليون الذين عارضوا ذات يوم النضال من أجل الحرية 1971 وساءت شعبيتهم بعد ذلك يحكمون الآن من خلال الجماعات وينظمون المواكب والمسيرات , إنهم نفس المجموعة التي كانت وراء الاعتداء على الهندوس 1990 والتي حطمت معابد الهندوس وأحرقت محلاتهم و بيوتهم .

أغلق سودهاموي عينيه لا يعرف ما الذي يمكن أن يحدث هذه المرة الشيء الوحيد المؤكد هو أن تدمير مسجد بابري على يد الهنود المتعصبين سعاني منه الهندوس في بنجلادش . إنهم لم يسلموا من الأذى على يد الأصوليين الإسلاميين في 1990 فلماذا يسلمون منه عام 1992 ؟ ولهذا يتعين عليهم أن يهربوا مثل الجرذان ! لمجرد أنهم هندوس ؟ ... ولأن الهندوس في الهند هدموا مسجد بابري ؟ لماذا ينبغي أن يتحمل مسؤولية ذلك ؟ تلفت مرة أخرى لينظر إلى ظل مايا في الشرفة . وجهه الأسمر ممتلىء بالقلق و مبلل بالعرق . قالت مايا بصوت مرتفع :
-يمكنكم أن تبقوا حتى تتعفنوا هنا , ولكني سأذهب
سألتها كيرونموي بحزم :
-أين تعتقدين أنك ذاهبة ؟
تجاهلت مايا نبرة التهديد في صوت أمها وانشغلت بتمشيط شعرها بضربات سريعة وقالت سأذهب إلى منزل بارول ..لا يمكنني مساعدتكم طالما لا تريدون النجاة لا أعتقد أن دادا أيضا لديه نية بترك هذا المكان
سألها سودهاموي وهو يتذكر المرة التي انتحل فيها اسم سراج الدين ك
-وماذا ستفعلين باسمك ؟ نيلانجا اسم مميت
" لا إله إلا الله محمد رسول الله " هو كل ما تحتاجه لتصبح مسلما .. هذا ماسوف أفعله وسوف أغير اسمي إلى فيروزا بيجوم .
صاحت كيرونموي بغضب :
- مايا !
حملقت مايا في أمها كما لو أنها تقول أنها لم تخطيء في تصورها المفترض لمسار الأحداث .. تنهد سودهاموي في عجز وأخذ يقلب النظربين مايا وكيرونموي . كان يمكنه أن يفهم سبب جزع مايا إن عمرها 21 عاما لم تر تقسيم البلاد في 1974 ولا أحاث 1950 أو 1964 ولا حصول البلد على الحرية 1971
كل ما تعلمه من أيام طفولتها الأولى أن الإسلام هو الدين القومي للبلد وأنها وأسرتها ينتمون إلى الأقلية الهندوسية التي ينبغي أن تقدم التنازلات لمسايرة الوضع السائد كل ما شاهدته فعليا كان كابوس حوادث عنف 1990 وكان هذا كافيا حتى تتخذ قرارا بأنها لا تريد أن تفقد حياتها .. اتسعت عينا سودهاموي بينما زادت آلام صدره وطرد كل أفكاره عن مايا


لم يرتو عطش سورنجان لكوب من الشاي بعد . نهض وذهب إلى الحمام كان يحب أن يشرب كوبه الأول قبل غسل أسنانه .. لا صوت ولا أثر لمايا هل رحلت البنت فعلا ؟ استغرق سورنجان وقته في غسل أسنانه توتر مشئوم يلف البيت كما لو أن أحدا على وشك أن يموت كما لو أن هناك صاعقة ستنقض في أي لحظة لتجسد الموت الذي ينتظره كل منهم . ظمأنا إلى الشاي لا يزال توجه إلى حجرة سودهاموي , جلس مسترخيا على السرير و سأله :
- أين مايا ؟
لكن أحدا لم يجب عن سؤاله نهضت كيرونموي التي كانت جالسة بجوار النافذة وذهبت إلى المطبخ . أغلق سودهاموي عينيه واستدار في فراشه . يبدو أن أحدا لا يريد أن يمنحه أدنى اهتمام .. وبدأ يتبين له أنه ربما فشل في تحمل مسئوليته نحو والديه وأخته
لقد توقعوا منه أن يعثر لهم على مأوى ولم يستطع , بل الأدهى أنه قرر ألا يفعل ذلك كان سورنجان يعلم أن مايا واقعة في حب شاب يدعى جاهنجير ومتأكد أنها سترحل معه لو سنحت لها الفرصة . والآن بعد أن تركت المنزل من سيمكنه منعها ؟ المسلمون الأكثر ليبرالية اعتادوا على زيارة الهندوس و السؤال عنهم عندما تنشب أحداث العنف ولا بد أن جاهنجير سيأتي للاطمئنان على مايا في هذه الحالة ستعتبر مايا نفسها سعيدة الحظ جدا وقد تقرر أن تتزوجه بدافع من العرفان بالجميل ! الفتى أكبر منها بعامين ولدى سورنجان اقتناع بأنه لن يتزوجها في النهاية

كان بحكم خبرته الشخصية يعرف أن هذه الزيجات المختلطة الديانات شبه مستحيلة في بنغلادش . لقد كان ينوي الزواج من بارفين ولم يتم الزواج عندما رفض الاستجابة لطلب بارفين باعتناق الإسلام . قال أنه ليس ضروريا أن يبدل أحدهما دينه . بالإضافة إلى هذه العقبة رفضت أسرتها زواجها من هندوسي وزوجوها في النهاية من رجل أعمال مسلم بكت بارفين من قلبها اعتراضا ولكنها استجابت إلى رغبة أسرتها . تطلع سورنجان بندم خارج الشرفة الصغيرة .. منزلهم مستأجر لا ملعب فيه ولا مكان للتمشية جاءت كيرونموي بكوب من الشاي وبينما كان يتناوله قال عرضا :
- إنه ديسمبر ولكن الجو ليس باردا .. أتذكرين كيف كنت أحب شراب البلح في صباحات الشتاء ؟
تنهدت كيرونموي و قالت :
- هذا منزل مستأجر أين يمكن أن تحصل على عصير فاكهة طازج هنا ؟ البيت الذي كنا نزرع فيه جميع الأشجار بملاليم

صب سورنجان الشاي وفكر في العصير الطازج الذي كان يأتي به البستاني من بلح النخيل وهو يقف مع مايا بين الأشجار يراقبانه بفضول ويرتعشان من البرد
ويخرج البخار الأبيض من فميهما كلما تحدثا كل الحقول الخضراء المزدهرة التي اعتادا أن يهربا فيها وأنواع الفواكه المختلفة , ذهب كل هذا , ومرات لا حصر لها كان يقول فيها سادهومي لهما :
- هذا بيت أجدادكما لا تتركا هذا المكان وترحلا أبدا

ولكنه اضطر إلى بيعه ذات يوم كان عمر مايا ست سنوات عندما تاهت أثناء عودتها من المدرسة ولم يعثروا عليها في المدينة كلها لا عند الأقارب ولا الأصدقاء والمعارف . وساد القلق والانزعاج الهائل البيت خوفا من أن يكون أحد المتسكعين قد خطفها.. وبعد يومين عادت مايا إلى البيت وحدها لم تستطع أن تقدم أي تفسير لمكان اختفائها أو الذين اختطفوها .. ولمدة شهرين بعد الحادث كان سلوكها غريبا تنام نوما مضطربا وتستيقظ منزعجة في وسط الليل , وتخشى لقاء الناس وكان بيتهم يلقى بالحجارة خلال الليل , ويتلقون خطابات من مجهولين تهدد بخطف مايا مرة أخرى إذا لم يدفعوا فدية وذهب سودهاموي إلى قسم الشرطة وسجل الضابط بلاغا روتينيا ولم يتخذوا أي إجراء أبعد من ذلك وتفاقمت المسألة فكان صبية الحي يتسللون إلى حديقتهم ويسرقون الفاكهة من فوق الأشجار ويقلعون الأزهار ولم يكن من الممكن منعهم لأنه لم يكن من المجدي شكواهم إلى المسئولين . اشتكى سودهاموي لجيرانه فجاء الرد المعتاد :
- ماذا نفعل ؟ هكذا كان الحال دائما ولن يتحسن
حاول سورنجان جمع بعض الأصدقاء لمواجهة الصبية المشاكسين .. ولكن سودهاموي لم يوافق , وبدلا من ذلك قرر ترك ميمنسنج بأسرها وبيع المنزل . كان هناك في الواقع سبب آخر لبيعه فلوقت طويل جدا كانت هناك دعوى تنظرها المحكمة بشأن المنزل جاره شوكت علي زور بعض الوثائق واحتل جزءا كبيرا من الأرض وحاول سودهاموي مقاضاته . لم يوافق سورنجان على قرار أبيه ببيع البيت ولم ير ضرورة لذلك . كان طالبا في الكلية ذكيا وممتلئا بالطموح وتم انتخابه كعضو في اتحاد الطلبة ضمن مجلس إدارة الكلية , وكان يمكنه –إذا شاء – أن يعاقب المشاغبين الذين يضايقونهم . لكن سودهاموي منع ابنه وأصر على بيع العقار والانتقال إلى داكا . وشرح لأسرته أن عمله كطبيب بدأ يتأثر لأن المرضى لم يعودوا يأتون إلى عيادته بكثرة والقلائل الذين يأتون كانوا من الهندوس والفقراء جدا لدرجة أنه يخجل من طلب الأجرة منهم وأمام ذلك لم يصر سورنجان على الرفض لكنه لا يزال يذكر البيت الشاسع الذي كبر فيه والأرض المحيطة به واليوم الذي بيع فيه إلى " رئيس الدين صاحب " مائتي ألف تاكا رغم أن قيمته مليون تاكا في يوم رحيلهم عندما قال سودهاموي لكيرونموي " هيا نلملم أشيائنا لنرحل "
سقطت زوجته على الأرض وهي تبكي بشدة .. ووجد سورنجان صعوبة في أن يصدق أنهم راحلون فعلا عن بيتهم القديم الذي ورثوه عن أجدادهم مسقط رأسه وملعب طفولته . حيث يجري نهر براهما بوترا وحيث يسكن أصدقاؤه لم يكن يرغب في ترك كل هذا والرحيل حتى مايا , التي كانت أقوى الأسباب وراء قرار الأب هزت رأسها بقوة رافضة أن ترحل وقالت :
- لا أريد أن أتلاك صوفيا ..
صوفيا كانت صديقة وزميلة دراستها وتسكن بجوارهم . وكانت الاثنتان تلعبان معا لساعات كل مساء وماذا عن سودهاموي نفسه ؟ بالرغم أنه لم يتردد في قراره ألا أن الأسى غمره لأنه يكن عواطف عميقة تجاه المكان . ولكنه قال :
- هذه الحياة قصيرة . أريد أن أعيش في سلام مع أطفالي بقية حياتي .
ولكن هل من الممكن أن يكون هناك سلام في أي مكان ؟ ربما لا , كما كان يفكر سورنجان
أطلق سودهاموي تنهيدة ارتياح عندما وصلوا إلى داكا بالرغم من أنه في داكا المستقلة اضطر أن يتخلى عن ملابسه الهندية " الدهوتي " وارتداء " الباجاما " بعد فترة بدأ سورنجان ف6ي فهم أزمة أبيه . لقد دفعته الظروف إلى اتخاذ موقفه ولم تكن هناك وسيلة تمكنه هو أو ابنه من اختراق الحاجز الذي لا يقهر والذي يحول بينهم وبين الحياة الآمنة استغرق سورنجان في أفكاره وتمدد على فراشه محدقا في الشمس التي ملأت الشرفة . فجأة قطع تأمله ضوضاء مسيرة سريعة تتقدم انتبه سودهاموي و كيرونموي أيضا في توتر في محاولة لتمييز الصيحات الغاضبة ولاحظ سورنجان أن كيرونموي نهضت و أغلقت النوافذ مع هذا استطاعوا أثناء مرور المسيرة سماع الأصوات تقول :
- دعونا نمسك بهندوسي أو اثنين . لنأكلهم في الصباح وفي المساء أيضا .
رأى سورنجان أباه يرتجف ووقفت أمه ظهرها للنافذة التي أغلقتها تذكر سورنجان أنهم اعتادوا على سماع نفس الهتافات عام 1990 ومن كان هؤلاء ؟ المثير للسخرية أنهم كانوا أولاد الجيران ! جبار ورامجان وعلمجير وكبير وعابدين ! كلهم أصدقاء يعيشون في نفس المنطقة يلتقون باستمرار ويناقشون الأمور العامة بدون ضغائن من أجل اتخاذ قرارات جماعية في القضايا الهامة . كان هؤلاء أنفسهم يريدون تحويل سورنجان إلى طعام !

عندما وصل سودهاموي إلى داكا لأول مرة أجر له اسيت رانجان منزلا في تا نتبازار وقال له :
- سودهاموي أنت ابن رجل ثري هل تستطع الإقامة في بيت مؤجر ؟
وأجابه :
- لم لا ؟ ألا يعيش الآخرون بنفس الطريقة ؟
- - نعم يعيشون . ولكنك لم تشعر أبدا بالحاجة و الخوف . ما الذي يجعلك تبيع منزلك ؟ مايا في النهاية طفلة صغيرة ولا يبدو أنها تواجه الأخطار التي تهدد فتياتنا . لقد اضطررنا إلى إرسال ابنتنا إلى أوتبالا إلى كالكتا لأنها تتعرض للتعبيرات والتهديدات في الكلية , الصبية كانوا دائما يتحرشون بها ويقولون بأنهم سوف يغتصبونها . الآن هي هناك مع خالها . أنت تعرف يا دادا أته عبء كبير أن يكون لديك ابنة ناضجة .

كان سودهاموي يعلم أنه هناك قدرا كبيرا من المنطق فيما قاله اسيت رانجان . حتى وهو يستمع إلى صديقه حادث قيام عصابة من الصبية بتعرية طالبة صغيرة من الساري الذي ترتديه في منتصف الشارع . كانت مسلمة وكذلك الصبية الذين أهانوها . ولذلك عزى نفسه بأنه فيما يتعلق بالنساء الصغيرات لا علاقة للأمر بهندوسي ومسلم . ولكن علاقة الضعيف بالقوي الذي يتحرش به دائما النساء هن الجنس الأضعف ولذلك يقهرهن الرجال وهم الجنس الأقوى , ولم يخاطر اسيت رانجان و أرسل ابنته إلى كالكتا . كان يكسب الكثير من المال من محل مجوهراته في إسلامبور ولديه منزل قديم من طابقين لم يقم بتجديده لأنه يبدو أنه يريد شراء منزل جديد وذات يوم قال لسودهاموي:
- دادا لل تنفق كل مالك ادخره . وإذا استطعت فأرسل المال الذي حصلت عليه مقابل بيتك إلى أقاربي هناك ليشتروا لك قطعة أرض
سأله سودهاموي :
- أين تعني بهناك ؟
أجاب رانجان بصوت خفيض :
- أعني في كالكتا , لقد اشتريت أيضا
انتاب الغضب سودهاموي و قال :
- هل تعني أنك تريد كسب المال هنا وإنفاقه في الهند ؟ هل تعلم أنه يجب إدانتك بتهمة الخيانة ؟

فوجىء رانجان بهذه الثورة فهو لم يسمع هندوسيا يتكلم بهذه الطريقة أبدا . كل شخص تقريبا حريص على استغلال مدخراته في شراء أرض في الهند بما أن مستقبلهم في بنغلادش غير مضمون فأن تستقر في هذا البلد أمر فيه خطورة فسوف يلأتي يوم " جميل " يقتلع وجودك نفسه من الجذور وتترك ميتا فلماذا تخاطر ؟

حتى الآن كان يتساءل سودهاموي لماذا ترك ميمنسنج ؟ لماذا لم يمنعه حبه لبيت أجداده من اتخاذ هذه الخطوة العنيفة ؟ كان هناك مشاكل بخصوص رعاية مايا بالطبع ولكن هذه المشاكل موجودة دائما أينما كان المكان الذي يعيشون فيه . وفي كل الأحوال فإنه فيما يتعلق في حوادث الخطف ليس هناك أي فرق بين الهندوس والمسلمين . عذاب الضحايا وأسرهن لا يختلف بغض النظر عن ديانتهم . وهكذا يؤدي كل شيء إلى نفس إلى نفس السؤال القديم : هل كان خائفا لأنه هندوسي ألا ينعم بالأمن والاطمئنان في وطنه ؟ كان يخشى سودهاموي أن يوجه أن يوجه هذا السؤال إلى نفسه بصوت مرتفع جالسا في هذا المنزل الصغير المتقلص في تانتيبازار كان يتساءل مرة ومرات عن أسباب تركه لمنزل أجداده ليأتني إلى هذا المكان الغريب , هل كان يهرب من نفسه ؟ لماذا شعر بالعجز لخوفه من خسارة الدعوى ضد شوكت علي الذي سلح نفسه بوثائق مزورة . كم هو مرير أن يخسر المرء قضية تتعلق ببيته ! ولكن عندما ينظر إلى الأمر كله بإيجابية يجد أنه من الحكمة الواضحة أنه ترك المكان باحترامه قبل أن يطرد منه بعد خسارة الدعوى , أحد أبناء عمه خسر الدعوى برغم جهوده الباسلة لإنقاذه كان يعيش في تانجيا وأدعى جار مسلم اسمه جامير مونش ملكيته للأرض ووصلت المشكلة إلى المحكمة وبعد خمس سنوات جاء الحكم لصالح الجار, عم سودهاموي اضطر إلى ترك بنغلادش والهجرة إلى الهند هل كان الخوف من التعرض لنفي مصير عمه هو ما دفعه لبيع بيت أجداده ؟ ربما كان هذا صحيحا فقد اتضح له أن أهميته في المنطقة تتضاءل وبجانب هذا كان قد فقد كثيرا من الأصدقاء بالهجرة أو الموت . هؤلاء الذين استمروا في البقاء بدوا فاقدين لأي أمل .. كما لو أنهم شعروا بأن الحياة لا تستحق أن يحيوها . وعندما يتحدث معهم كان ينتابه الإحساس بأنهم يخشون قدوم وحش يقوم بالتهامهم في منتصف الليل الهند كانت حلم الجميع ومعظمهم خططوا سرا لعبور الحدود مع أول فرصة تسنح لهم وكان يقول لهم دائما :
- عندما نشبت الحرب في هذا البلد هربتم مثل الجبناء وبعد أن فزنا باستقلالنا عدتم لإظهار بطولتكم والآن أمام أصغر استفزاز تخططون للعودة للهند بصراحة أنتم جبناء كثيرا

أمام ثورة غضبه بدأ بعض الأصدقاء الابتعاد عنه وعندما كانوا يلتقون به مصادفة كانوا يشعرون بالتوتر في حضوره وبالتدريج أصبح سودهاموي غريبا في بلدته وللسخرية بدأ أصدقاؤه المسلمون أيضا في الابتعاد عنه رغم أن أسبابهم كانت مختلفة وعندما كان يذهب إلى بيت صديق مسلم كان يواجه أقوالا مثل :
- سودهاموي أرجوك اجلس في الغرفة الأخرى حتى أنتي مع فلان
أو :
- أوه لقد جئت اليوم ! ولكن عندنا عيد ميلاد في البيت

وبينما كان أصدقاؤه اليساريين يتقدمون في السن كان يزداد تحولهم نحو الدين , أما سودهاموي الذي لم يكن لديه وقت أبدا لمثل هذه الأشياء فقد وجد نفسه بلا أصدقاء الاختفاء التدريجي للمنطق والعقل والإنسانية من بلدته المحبوبة ترك جرحا شديدا في نفسه وفي النهاية أراد أن يهرب لا من بنغلادش ولكن مما أصبحت عليه بلته ميمنسج أراد أن يهرب قبل فوات الأوان وقبل أن يبتلع الموت أحلامه في النهاية في الحقيقة وجد سورنجان صعوبة شديدة في التأقلم مع البيت الضيق الذي انتقلوا إليه واعترض بشدة .. لكنه تعود بالتدريج على أسلوب حياته الجديد .. التحق بالجماعة وكون أصدقاء جددا وتعلم أن يحب الأشياء المحيطة به
وبعد فترة انخرط في السياسة ودعي لحضور الاجتماعات والمشاركة في المسيرات السياسية .. كيرونموي أيضا وجدت صعوبة في التأقلم مع محيطها الجديد وكانت تستيقظ باكية في الليل عندما تتذكر بيتهم الحبيب وتتساءل عما إذا كانت السقالة الصغيرة التي حفرتها وسط نبات الفاصوليا لا تزال هناك وتتذكر كيف كانت جوافا حديقتهم هي الأفضل في كل البلدة وتتمنى أن تكون أشجار جوز الهند الخضراء تحت الرعاية ... ولم يكون سودهاموي أقل منها انزعاجا .

وفي داكا تقدم سودهاموي إلى وظيفة حكومية كبيرة كانت تعتبر بمثلبة ترقية عن وظيفته الرسمية في ميمنسنج ولكن في كل مرة ذهب فيهلب إلى الوزارة لمعرفة مصير طلبه كانوا يجعلونه ينتظر في غرفة صغيرة بين العملاء , وأحيانا يسمح له بالجلوس والانتظار في غرفة السكرتير الخاص المساعد وكان يسأل :
- من فضلك هل يمكنك أن تخبرني عما إذا كانوا قد نظروا إلى ملفي !
ولكنه لم يحصل على رد مرض أبدا . كانوا يردون على أي سؤال باقتضاب وبعضهم يسأله :
- يا دكتور ابنتي لديها اضطراب في المعدة وتشكو أيضا من ألم في صدرها لماذا لا تصف لها بعض الدواء؟
وكان سودهاموي يفتح حقيبته ويكتب لها " روشيتة " علاج ويسأل بعدها :
-سأحصل على الوظيفة أليس كذلك يا فريد-بابو ؟
فيجيبه فريد –بابو بابتسامة واسعة :
بالفعل في العمل كأساتذة مساعدين أما أقصى ما نجح به هو إبلاء نعلي حذائه , وفي كل مرة يذهب فيها إلى الوزارة يتلقى نفس الإجابات :
- ربما غدا .. ليس اليوم ملفك أرسل إلى السكرتارية
أو :
- ليس اليوم تعال بعد غد السكرتارية مشغولة في اجتماعات
أو :
- الوزير ذهب إلى الريف عد بعد شهر

كان سودهاموي يستمع بصبر إلى هذه التبريرات حتى أنه أدرك لا فائدة من الانتظار بعد حوالي عامين من الجهاد للحصول على الترقية أدرك أن هؤلاء الذين حصلوا عليها هم الذين نجحوا في عبور الخط الشرعي حتى لو كانوا لا يستحقونها .
ولكنه كان يقترب من سن التقاعد والمفروض أن يصبح أستاذا مساعدا على الأقل وفي النهاية تقاعد كأستاذ مساعد واحد من زملائه اسمه مارهاف شاندرابال , وضع إكليل الزهور على رقبته في يوم تقاعده وهمس في أذنه :
ليس من الصواب أن نتوقع أكثر من اللازم في بلد مسلم ما نحصل عليه أكثر من كاف بالنسبة لنا
قال هذا وهو يضحك دون بهجة مارهاف كان أيضا أستاذا مساعدا وتجاوزته الترقية مرتين وكانت هناك تهم عديدة موجهة ضده منها أنه سافر إلى الاتحاد السوفييتي .

وفي وقت ما أدرك سودهاموي أن مارهاف كان على حق . فعلى الرغم من أن البد لا يمارس تعصبا ظاهرا ضد الهندوس من تولي الوظائف الحكومية والترقية فيها أو في قوات الشرطة والجيش فإن الحقيقة هي أنه لا يوجد هندوسي واحد يحتل موقع وزير أو وزير بلا حقيبة في الحكومة كان هناك ثلاثة وزراء مشتركين وعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من نواب الوزراء وكان متأكدا أن لا أحدا من هؤلاء يتوقع ترقية أخرى , وفيما كان يتعلق بالقضاء كان هناك ستة هندوس فقط في منصب قاض وقاض واحد في المحكمة العليا . وكان هناك بعض ضباط الشرطة في الرتب الصغيرة ولكن من المستحيل أن تعثر على هندوسي واحد في رتبة عالية . بالرغم من الأمر استغرق وقتا طويلا لقبوله أدرك سودهاموي أنه لم يحصل على درجة أستاذ مساعد لأنه ببساطة هندوسي واسمه سودهاموي دوتا. ولو كان اسمه محمد علي أو سليم الله شودهري لما وجد أي عقبة في طريقه هذا النوع من التمييز لم يكن موجودا فقط في الوظائف الحكومية وحدها فحتى في مجال البزنس والتجارة لم يكن يستطيع أي هندوسي أن يأمل في تحقيق شيء بمفرده , ومن الضروري أن يكون له شريك مسلم . لأنه ليس هناك مؤسسة لها اسم هندوسي صرف يمكن أن تحصل على ترخيص عمل . والأصعب أنه لا يوجد بنك أهلي أو صناعي على استعداد لمساعدة مشروع صاحبه هندوسي رغم هذه الاحباطات نجح سودهاموي في الاستقرار في تانتيباز . وبعد فترة نجح جعل بيته الجديد مقبولا ورغم أنه ترك بيته إلا أنه لم يستطع ترك وطنه , وكما اعتاد أن يقول :
- ميمنسنج ليست وحدها وطني إنما بنغلادش كلها
بقية أفراد الأسرة لم يكونوا يشاركونه مشاعره كيرونموي كانت تتنهد وتقول :
- المفروض أن أربي الأسماك في البركة و أزرع خضروات جديدة والمفروض أن يأكل الأطفال الفواكه الطازجة من الأشجار.. والآن كل أموالنا تذهب في دفع إيجار هذا البيت .و أحيانا كانت توقظ سودهاموي ليلا وتقول :
- - المال الذي حصلنا عليه من بيع البيت ومن معاشك مبلغ كبير .. دعنا نرحل .. كثير من أقاربنا هناك الآن !
وكان لديه جوابا جاهزا :
- هل تفترضين أن أقاربك سوف يطعمونك ولو ليوم واحد ؟ ربما تفكرين في الإقامة معهم ,لكنهم قد بأنك زائر عابر وسرعان ما سوف يقولون :
- أين تقيمون : هل تريدون كوبا من الشاي ؟
وكانت هي تلح :
- إذا كان لدينا مالنا الخاص , فلماذا نضطر إلى الشحاذة من الآخرين
عند هذه النقطة كان يتصلب عناده :
- لن أذهب .. اذهب أنتي إذا أردت نعم تركت بيتنا القديم ولكن هذا لا يعني أننا سنترك بلدنا أيضا

عاشوا لبعض الوقت في تانتيبازار ثم انتقلوا إلى ارما نيتولا وعاشوا هناك ست سنوات وأخيرا انتقلوا إلى تيكاتولي حيث قضوا السنوات السبع الأخيرة . في نفس الوقت اكتشف سودهاموي أن قلبه مريض , وبعد اعتزاله أدار عيادة مسائية صغيرة لكنه لم يستطع الانتظام في إدارتها كان المرضى يأتون لاستشارته في البيت بدلا من العيادة , حيث قام بوضع منضدة في غرفة الاستقبال لفحص المرضى عليها وبعض المقاعد والأرائك . خزانة الكتب كانت تمتلىء بكل الأنواع : الصحف الطبية , الأدب , كتب في علم الاجتماع أو السياسة .. وكان سودهاموي يقضي معظم وقته في هذه الغرفة . وفي الأمسيات كان يزوره أصدقؤه مثل نيمشيت – بابو أختارو جامان و شهيد الإسلام وهاريبادا ليتناقشوا في السياسة بينما تعد لهم كيرونموي الشاي وكان معظمهم يشربه بدون سكر بسبب أمراض الشيخوخة

قفز سودهاموي مع صوت مسيرة أخرى تقترب حتى ملأ الغرفة كز سورنجان بدوره على أسنانه واحتقن وجهه بالغضب و وبدت كيرونموي ×خائفة لكن سودهاموي بدا رابط الجأش بشكل ملفت بعد عصبيته الأولى . لماذا لا يقوم برد فعل ؟ ألا ينبغي أن يظهر هو أيضا بعض علامات الخوف أو الترقب أو الغضب .

يتبع.....


جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 01:45 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #2
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليوم الثاني
معظم أصدقاء سورنجان من المسلمين لا أحد منهم كان متدينا بشكل زائد وكانوا يقبلونه كصديق قريب بالرغم من أنه هندوسي وفي العام الماضي مثلا دعا كمال الأسرة كلها إلى بيته . لدى سورنجان أصدقاء هندوس مثل كاجا واشيم وجاديب , ولكنه كان أقرب إلى كمال وبولوك وحيدر وبلال و رابيل وفي الحقيقة عندما يمر بمتاعب كان حيدر وكمال وبلال هم الذين يساعدونه أكثر من أصدقائه الهندوس , ذات مرق سقط سودهاموي مريضا وجاء الطبيب د. هاريبادا وشخص الحالة بأنها انسداد في عضلة القلب وكان عليهم أن ينقلوه فورا إلى مستشفى السهرودي في الساعة الواحدة والنصف صباحا . عندما أبلغ سورنجان كاجال تثاءب وقال :
- كيف نستطيع نقله في هذا الوقت المتأخر ؟ فلننتظر حتى الصباح ونتصرف.
ولكن فور علم بلال بالأمر أسرع قادما بسيارته وقام بكل الإجراءات ونقل سودهاموي إلى المستشفى وظل هناك تحت الإشارة لتقديم أي مساعدة وكان يؤكد لفسودهاموي كل فترة :
- لا تقلق يا عمي كل شيء سيكون على ما يرام أنا مثل ابنك
تأثر سورنجان بقلق صديقه على أبيه وطوال فترة إقامة سودهاموي بالمستشفى واظب بلال على زيارته ولم يتوقف لحظة عن التفكير في صحة سودهاموي ونقل الزائرين إليه وتوصية الأطباء ليعتنوا به عناية زائدة , كم عدد الذين يهتمون بأصدقائهم هكذا ؟ كاجال كان لديه المال أيضا ولكن هل لديه قلب كبير مثل هذا ؟ معظم نفقات علاج سودهاموي دفعها رابيل فجأة ظهر في بيتهم في تيكاتولي وقال :
- سمعت أن أباك في المستشفى ؟
وقبل أن يجيب وضع رابيل مظروفا مغلقا على المنضدة وقال :
- أصدقاؤك ليسوا غرباء
ثم رحل بنعومة كما جاء . فتح سورنجان المظروف فوجد فيه خمسة آلاف تاكا . لكن سبب قرب سورنجان من أصدقائه المسلمين لم يكن وقوفهم المادي والمالي معه , ولكن لأنه وجد نفسه قريبا منهم عن أصدقائه الهندوس في التفكير و الوجدان
وبشكل عام كانت صداقته مع حيدر وكمال ورابيل أعمق من صداقته بكاجال واشيم وجاديب . وفيما يتعلق بالقلب كان يحب بارفين شقيقة حيدر عقليا و عاطفيا أكثر من ارشانا أو ديبتي أو جيتا أو سوناندا .

لم يكن سورنجان يعرف التفرقة بين أصدقاءه بناء على دينهم . في طفولته عرف أنه هندوسي ولكن لم يكن يعرف ما الذي يعني هذا بالضبط . أثناء دراسته في مدرسة القرية في ميمنسنج كان يدخل في مشادات كلامية مع صبي اسمه خالد وعندما وصلت المشادات إلى ذروتها قام الصبيان بشتيمة كل منهما للآخر بأفحش الكلمات . وعندئذ وصفه خالد بأنه هندوسي . وعرف سورنجان أن كلمة هندوسي كانت نوعا من الحط من شأنه مثل كلمة كلب أو خنزير. ولكن بعد أن نضج بعض الشيء عرف أن كلمة هندوسي تعني الطائفة الدينية التي ينتمي إليها وعندما كبر واستطاع أن يتخذ قرارا في هذه المسألة أعلن سورنجان أنه قبل كل شيء وبعده – إنسان بنغالي العرق .وأن هذا العرق لم تصنعه ديانة معينة وأنه لا يجب أن يضع الناس حدودا طائفية بين بعضهم البعض .

وكان يقول لأصدقائه و أسرته أن البنغاليين كعرق لا يجب أن يصنفوا أنفسهم بفروق طائفي أيا كانت من أجل أن يبقى مصطلح بنغالي غير مقسم . ولسوء الحظ فإن نظرة سورنجان المثالية لم تجد قبولا كبيرا في بنغلادش لأنهم كانوا يبحثون عن الوحدة لا بين أبناء الأمة الواحدة بل بين أبناء الدين الواحد حتى لو كانوا يعيشون في بلاد أخرى مختلفة ونتيجة ذلك ببساطة أن يعامل أفراد مجموعة معينة من ديانة مختلفة على أنهم دخلاء بل و منبوذون في وطنهم .
هذه النظرة التي لاقت قبولا في كل الدولة هي التي أسفرت عن التقسيم بين الهندوس والمسلمون.

اليوم هو الثامن من ديسمبر الأمة كلها في حالة إضراب دعا اله الأصوليون بناء على دعوة أحد الأحزاب القوية وهو حزب " الجماعة الإسلامية " اعتراضا على هدم مسجد بابري
قضى سورنجان يومين من الكسل في فراشه قبل أن يقرر أن يستنهض نفسه ليرى مالذي يحدث في داكا مدينته المحببة . في الغرفة المجاورة كانت أمه تستلقي مرعوبة مما يمكن أن يحدث لهم . لم يكن سورنجان متأكدا من مشاعر سودهاموي الشيء الوحيد الواضح بالنسبة له هو أنه لن يلجأ إلى الاختباء هذه المرة وإذا كانت نتيجة ذلك هي موته فليكن , إذا أتى المسلمون وقطعوهم إربا فليفعلوا

لم يكن سورنجان واثقا من مدى حكمة موقف أبيه ولكنه كان بمثل تصميمه على البقاء في البيت . مايا رحلت بمفردها ولا يمكنه أن يفعل لها شيئا ذهبت للعيش في بيت مسلم عند صديقتها بارول رفعت , مايا المسكينة تمنى أن تكون في أمان وبينما كان يستعد للخروج نهضت كيرونموي وسألته :
- إلى أين تذهب ؟
- سألقي نظرة على المدينة لأعرف مالذي يحدث بها
- لا تذهب يا سورو لا أحد يدري ما الذي يحدث في الخارج
أجاب سورنجان باستياء وهو يصفف شعره :
- فليحدث ما يحدث . يوما ما ينبغي أن نموت كلانا لا ترتاعي هكذا يزعجني أن أري الناس مرعوبين
جرت كيرونموي وهي ترتجف من الخوف نحو ه وخطفت المشط من يده قائلة :
- اسمعني يا سورنجان الموقف خطير في الخارج بالرغم من الإضراب فهم يهاجمون المحلات والمعابد ابق في المنزل فليس هناك من داع للخروج
- لكن سورنجان كان دائما ابنا غير مطيع . فلماذا يطيع أمه الآن ؟ لم يبال بكلامها وغادر البيت . اندهش سودهاموي الذي كان جالسا وحده من رؤية ابنه يخرج لكنه لم يبد أي محاولة لمنعه .

هواء المساء منعش ولكنه مشحون بصمت متجهم مخيف , سورنجان لم يكن خائفا في بيته ولكنه الآن بعد أن غادر ملجأه انتابه بعض الخوف وبما أنه قرر التجول في المدينة فقد صمم أن يفعل ذلك . في الطريق ازداد شعوره بعدم الراحة عندما أدرك أن
أحدا من أصدقائه المقربين لم يسال عنهم أو يعرض عليهم اللجوء إلى بيته , لا بلال ولا كمال .. لا أحد حتى إذا جاؤوا لن يذهب معهم على أية حال ولماذا يفعل ذلك ؟ هل عليهم أن يحزموا حقائبهم و يهربوا في كل مرة تنشب فيها حوادث العنف ؟ إنه شيء مخجل وعار حقيقي . في الواقع , كما فكر سورنجان لقد كان أحمق عندما قبل ضيافة كمال آخر مرة إذا جاءوا للسؤال عنه هذه المرو فسوف يقول لهم :
- كيف يمكن أن تقتلونا وتشفقوا علينا بنفس الوقت ؟ الأفضل أن تجمعوا كل الهندوس في البلد وتضعوهم أمام صاروخ منطلق , ساعتها ستنتهي كل مشاكلهم , بدلا من أن تقتلونهم متفرقين أو تستعرضوا بأنكم تنقذوهم سرا .
بمجرد دخول سورنجان شارعا أكبر , صاح مجموعة من الصبية :
- أمسكوه , إنه هندوسي
هؤلاء الصبية جيرانه على مدار السنوات السبع الماضية كان يلتقي بهم مرة على الأقل كل يوم . وكان يعرف اثنان منهم شخصيا واحد منهم اسمه علام كثيرا ما كان يأتي إلى بيتهم ليطلب مساهمة مالية لنادي الحي . وكان سورنجان يشارك في بعض الأنشطة الثقافية التي ينظمها النادي وفكر حتى بأن يقوم بتعليم الأولاد أشعار د.ل.روي و هيمانجا بيسواسكانوا يأتون إلى بيته دائما يطلبون كل أنواع المساعدة ولأنهم جيران كان سودهاموي يعالجهم بالمجان غالبا . إنهم نفس الذين يهددون بضربه اليوم لأنه هندوسي
.
أسرع سورنجان في الاتجاه المضاد لا بدافع الخوف بل بدافع الخجل , كان خجلا ومغتما من فكرة أن هؤلاء الأولاد يضربونه هذا الإحساس بالعار والحزن لم يكن موجها نحو نفسه بل نحو هؤلاء الذين يمارسون العدوان وليس المعتدى عليهم .

اتجه إلى ميدان شابلا , صمت متوتر في المنطقة مجموعات صغيرة قليلة من الناس يقفون .. قطع من الأحجار ملقاة عبر الشارع مع أخشاب مشتعلة وزجاج مكسور من الواضح أن حادث عنف قد اندلع في المكان منذ قليل بعض الشبان كانوا يعدون لعمل بعض المهام , وفي الاتجاه الآخر تعدو بعض الكلاب الضالة بدون هدف مرت بعض عربات الريشكا " وسائقوها يدقون أجراسهم لم يفهم سورنجان ماذا يحث بالضبط . فقط الكلاب التي لا تعاني من الخوف بدت أنها تجري مبتهجة , لعلها كانت سعيدة أن بإمكانها الجري في الشوارع الخالية وتمنى سورنجان لو انه يستطيع الجري مثلها .

منطقة موتجيل التجارية المزدحمة بالعادة كانت الآن عارية وصامتة وأغرت سورنجان باستعادة طفولته ... أن يلعب الكرة ويتناول الفواكه أو يركب الأخشاب ويلعب الكريكيت .. نظر إلى يساره فشاهد مبنى يحترق وأدرك أنه مكتب شركة الطيران الهندية لم يبق شيء من لافتته ولأبوابه ونوافذه .

بعض الناس وقف حول الحطام يثرثرون و يضحكون . فجأة تولاه شعور بأنه مراقب , أسرع بالابتعاد عن المكتب المحترق لماذا يهتم ببعض المباني المحترقة ؟ أثناء سيره شاهد عددا آخر من المباني المحترقة هل هون يستمتع برائحة الخشب و الطين المحترق كما يستمتع عادة برائحة الزيت المحترق . ربما ؟
لاحظ وجود تجمع خارج مبنى الحزب الشيوعي البنغالي ورأى الأحجار ملقاة على الطريق . وبالجوار كانت هناك مكتبة يشتري منها الكتب عادة لم تسلم من الاعتداء هي الأخرى ! كتاب نصف محترق كان راقدا أمام قدميه رواية " الأم " لمكسيم غوركي . فكر للحظة في أنه بطل الرواية بايلولاسوف ثم تخيل أنه يشعل النار في أمه ثم يسحقها تحت قدميه . ارتجف بلا إرادة من الفكرة بينما الكتاب يتفحم عند قدميه . تجمع المزيد من الناس , يتحدثون بهمس مرتفع بينما المكان كله ملفوف بالتوتر والإثارة ماذا حدث ؟ ماذا سيحدث ؟ لا أحد يعرف بالرغم من الشائعات التي تملأ الهواء . الشيء الوحيد الواضح أن مكتب الحزب الشيوعي قد احترق .

ولكن لماذا ؟ البعض أجاب بأن الشيوعيون غيروا استراتيجيتهم بالفعل ولنهم لا يستطيعون الهرب من غضب المتعصبين . الفيق " فرهد " مات على ما يبدو هناك جنازة ضخمة تم تنظيمها والدعوة إلى حفل تأبين يحضره الجميع وبالرغم من هذا لم يتخيل أن الطائفية أحرقت مركز الحزب الشيوعي !

حق سورنجان في أطلال المكتب المحترق . وفجأة شاهد قيصر يقترب منه . ذقنه غير حليق وشعره غير مهذب وعيناه بلون الدم , وقلق غريب يتبدى في صوته وهو يقوي بلجة آمرة
- لماذا خرجت؟
أجاب سورنجان :
- ألا يمكنني أن أخرج :
لا ليس ذلك ولكنك تعلم هذه الحقارة .. كل هذا الكلام عن الدين , قل لي هل يؤمنون بالدين فعلا ؟ الإرهابيون شباب جماعة شيبر فعلوا هذا , احرقوا مكتب الحزب والمكتبة ومكتب خطوط الطيران الهندية , هؤلاء الذين كانوا ضد الاستقلال ينتظرون الآن أي فرصة لإثارة المتاعب كما لو أن الجميع بانتظار سماعهم يصرخون .
خرجا من موقع الدمار معا سأله سورنجان عن الأماكن الأخرى التي تم إحراقها , ذكر له قيصر أسماء أكثر من عشرة معابد ودور عبادة هندوسية تم هدمها وإحراقها وأضاف :
- المثير للسخرية أنه في أثناء ذلك كانت المسيرات تنادي بالوئام الطائفي
تنهد سورنجان بعمق , أزاح قيصر شعره إلى الوراء وقال :
- ليس المعابد فحسب لقد أشعلوا النار في معسكر الصيادين في ماجهيرجهات وعلى الأقل خمسون منزلا تم تدميرها عن اخرها
استطرد قيصر في ذكر عشرات المعابد ودور العبادة ومئات المنازل ومحلات وممتلكات الهندوس التي أحرقت أو هدمت ونهبت والذين ماتوا و النساء اللواتي تعرضن للضرب والحرق . وفي نهاية هذه القائمة الطويلة من الدمار كان كل ما قاله سورنجان هو :
- أوه
ولم يرغب في قول شيء آخر كل مارغب فيه هو ركل الأحجار في طريقه كما اعتاد أن يفعل في طفولته . واصل قيصر إخباره بالمزيد من الحالات ولكن سورنجان توقف عن الاستماع لم يكن حتى مهتما . توقف كلاهما أمام نادي الصحافة . كان هناك عدد من الصحافيين يقفون خارج المبنى مستغرقين في مناقشة حامية . حدق سورنجان فيهم وباهتمام غائم حاول سماع كلامهم , البعض قال أنه في الهند قتل مائتا شخص على الأقل في حوادث عنف وإطلاق النار من قبل البوليس ووصل عدد الجرحى إلى عدة آلاف . الجماعات الأصولية تم حظرها وزعيم المعارضة استقال من منصبه . والبعض كان يحكي عن شخص في تولسيدهام أمسك به أفراد الجماعة وكادوا أن يشعلوا النار فيه لولا أن تعرف عليه بعض الناس و قالوا لهم إنه مسلم

الذين يعرفون سورنجان اندهشوا من رؤيته هناك سألوه عن سبب خروجه كمن منزله ونصحوه بالعودة إلى البيت فورا لأنهم يتوقعون المزيد من العنف .. لم يقل سورنجان شيئا كان مرتبكا و مشوشا . هل يجب أن يبقى في البيت لمجرد أن اسمه سورنجان دوتا بينما يستطيع قيصر ولطيف و بلال لا الخروج من البيت فحسب ولكن مناقشة الأحداث والانضمام إلى المسيرات المعارضة للطائفية . بالتأكيد هذا ليس عدلا , أليس سورنجان مستقل التفكير ومنطقي وحي الضمير مثلهم ؟ استند على حائط بجواره وبدت نظرته خالية من المعنى وهو يشعل سيجارة " بانجلا فايف " اشتراها من محل قريب . شعر بالضياع والعزلة الشديدة الكثير من حوله من معارفه وكان بالطبع مقربا من بعضهم , ولكنه يشعر بالوحدة !

شعر بإحباط من كونه لا يستطيع الانضمام إليهم في مناقشة تدمير مسجد بابري والمعابد . حتى إذا أراد الاندماج و الاختلاط معهم فلن يستطيع , لأنه كان هناك خط لا يمكنه تجاوزه فهم لماذا يحاول الناس تجنبه و إخراجه من مجموعاتهم ولماذا يشفقون عليه ولكن لم يكن من السهل عليه قبول هذا . استغرق في تدخين سيجارته ونفخ عددا من حلقات الدخان وعندئذ وسط النشاط المحموم حوله ترك جسده ينفصل ويسقط على الحائط ..القريب

عدد الذين يلقون بنظراتهم الجانبية إلى سورنجان كان يتزايد , معظمهم يندهشون من رؤيته , لأنه لم يكن هناك هندوسي واحد خارج بيته ولذلك لم يكن مستغربا أن يندهشوا من وجوده . انضم قيصر إلى مجموعة من الناس يعدون للخروج في مسيرة . وتجمع الصحافيون بحقائبهم وكاميراتهم عند المشهد , من بينهم لوتفور لم يناده سورنجان وبعد قليل جاء لوتفور بنفسه مذهولا من رؤيته وقال :
- لماذا أنت هنا يا دادا ؟
- لماذا لا أكون هنا ؟
كان لوتفور قلقا ومشغولا بشدة وهو يقول :
- آمل ألا تكون هناك متاعب في البيت

شعر سورنجان باستغراب من حمية صوت لوتفور وسلوكه و في العادة كان الفتى خجولا و صامتا ولم يكن ينظر في عين أحد مباشرة , كان شابا مهذبا وسورنجان هو الذي تحدث إلى رئيس تحرير مجلة " أكاتا " ونجح في أن يحصل له على هذا العمل . أشعل لوتفور سيجارة " بنسون " وواصل استجواب سورنجان :
- هل أنت متأكد أنه لا توجد مشكلة ؟
ضحك سورنجان وقال :
- أية مشكلة ؟
شعر لوتفور بالحرج و قال :
- أنت تعلم يا دادا , أعني حالة البلد
ألقى سورنجان بعقب سيجارته وداسه بقدمه , كان مندهشا بعض الشيء لأن لوتفور لم يرفع صوته عليه أبدا كما يفعل الآن ولم يستطع سورنجان منع نفسه من الشعور بأن لوتفور كان وقحا بعض الشيء نفث لوتفور دخان سيجارته وقال بعبوس :
- دادا , أعتقد أنه يجب أن تذهب إلى مكان آخر اليوم . ليس من الأمان أن تبقوا في منزلكم , ألا تفكر في الذهاب إلى بيت جار مسلم لليلتين على الأقل ؟
نظر سورنجان بشحوب في جزء من حبل محترق أمام محا السجائر وأجاب لا مبالاة مقصودة :
- لا
- لا!!
انزعج لوتفور من موقف سورنجان واستطاع الأخير أن يستشعر القلق في صوته , لكن ما كان يقوله الشاب الصغير ليس جديدا , وكل واحد لديه الجرأة قبله , نصحه بنفس الشيء تقريبا :
- ليس من الصواب أن تبقى في بيتك الأفضل أن تختبئ لا تكشف عن هويتك اخرج عندما يخف توتر الموقف .
أراد سورنجان أن يشعل سيجارة أخرى ولكن سلوك لوتفور وتحذيراته المستمرة أثنته عن إشعالها وضع ذراعيه حول صدره وتطلع حوله الأشجار ترتدي الأوراق الخضراء ملابسها الشتوية . ‘نه يحب هذا الموسم والأشياء التي تص2حبه : كعك الصباح والدخول تحت اللحاف الذي دفأته الشمس عندما يأتي الليل وقصص " العفاريت " التي تحكيها أمه ..

عاد إلى الزمن الحاضر عندما رأى رجلا ملتحيا يحمل حقيبة تتدلى على كتفه , وقف بجوار لوتفور و أخذ يحصي بصوت مرتفع الأعمال الوحشية التي ارتكبت لعدد من المعابد ودور العبادة الهندوسية ومنازل و محلات الهندوس . تساءل سورنجان هل يجب أم يغادر الآن , لأنه لم يعد يرغب بصحبة أحد في نفس الوقت لم يعرف ماذا يفعل أو إلى أين يذهب بالضبط هل يظل واقفا هنا وينضم إلى المسيرة أم يرحل إلى مكان بعيد ؟ ربما يجب أن يذهب إلى مكان مقفر لا أصدقاء فيه ولا أقارب .. الرجل ذو اللحية والحقيبة المدلاة على كتفه , انضم إلى مجموعة إلى مجموعة أخرى ليعيد ما لديه من أخبار , وبدأ لوتفور يستعد للرحيل لأن لا مبالاة سورنجان بدأت تزعجه .

لا يزال هناك الكثير من التوتر في الهواء مال مزاج سورنجان من جديد إلى مشاركتهم فيما يحدث , أن ينضم إلى الجمع ويقوم بإحصاء المعابد التي دمرت وأحرقت ويسأل عن البيوت والمحلات التي نهبت وسرقت , ولأن يعترض على مل يحدث لابد من جلد هؤلاء المتعصبين . هؤلاء المتدينون الزائفون هم دجالون بالسم الدين . لكن رغبته في أن يصبح جزءا من كل ما يحدث حوله كانت تخبو بنظرات الشفقة التي يوجهها إليه المحيطين به بلا صوت بدا وكأنهم يخبرونه بأنه لا يستطيع المشاركة معهم . لقد كان حتى اليوم خبيرا بإلقاء الخطب في عدد كبير من الموضوعات وفي تولي القيادة في مختلف النشاطات , اليوم كما لو أن قوة غريبة تنزع منه صوته , ولا أحد حوله يريد تشجيعه على قول شيء أو عمل شيء , على أنم يقف و يقاتل . انشق قيصر عن الزحام وأتى إليه و همس :
- إنهم يخططون لعقد اجتماع في " بيت المكرم " لمناقشة قضية مسجد بابري . إنهم يتجمعون وسيكون من الآمن لك أن تعود إلى البيت .
سأله سورنجان :
- أوه لا و أفضل أن أحضر الاجتماع الذي يدعو إلى الوئام الطائفي ز
خلف قيصر كان هناك شابان صغيران اسميهما ليتون وماهاتابا قال أيضا :
- هذا لمصلحتك حتى جالخبار أحرقوه .. إنهم يفعلون ذلك حولنا , هل تتخيل ما سيفعلونه إذا عرفوا هويتك ؟ انهم يجرون علانية حاملين السكاكين والمخارط والسواطير .
نادى قيصر على عربة ريكشا ليرسل فيها سورنجان إلى البيت .
ظهر لوتفور وأمسك بيد سورنجان و قال بلهجة آمرة:
- تعال يادادا اذهب مباشرة إلى البيت أنا فعلا لا افهم ماذا أخرجك من البيت اليوم !
كلهم بدأوا في الإلحاح عليه بالذهاب إلى البيت . بعض الذين لا يعرفونه جاءوا مسرعين ليعرفوا ماذا يحدث . شرح لهم أصدقاؤه أنه هندوسي وليس من الأمان أن يظل هناك , و أطرق الآخرون مؤيدين :
- نعم لابد أن يعود إلى البيت
لكن سورنجان لم يترك بيته لمجرد أن يجبروه على العودة إليه , دفعه الأصدقاء برفق نحو الريكشا بينما أمسك لوتفور بيده , فجأة انتاب سورنجان العناد وانتزع يده بقوة .

سعر سودهاموي بالتعب كل ما أراده هو الاستلقاء في الفراش والراحة لكنه وجد نفسه ينهشه الأرق , ففوق كل ما حدث غادر سورنجان البيت وفور رحيله سمع سودهاموي طرقا على الباب قفز من فراشه آملا أن يكون سورنجان قد عاد , ولكن الطارق كان أختارو جامان . الأستاذ المتقاعد في الجوار الذي يبلغ الستين من عمره , دخل البيت ورد الباب الأمامي وسأل سودهاموي بصوت قلق :
- هل هناك أية متاعب ؟
نظر سودخاموي إلى أكوام الكتب على المائدة وسأل بفتور : لا , ما الذي يمكن أن يحدث ؟
سحب اختاروجامان مقعدا وجلس عليه كان يعني من متاعب في عظامه ولذلك يحافظ على رأسه مستقيما دائما بشكل غير طبيعي و قال:
- أنا متأكد أنك سمعت ما حدث لمسجد بابري لم يبق منه شيء ياله من عار !
غمغم سودهاموي ولم يعلق
- أليس لديك شيء تقوله ؟ هل تؤيدهم ؟
- ولكن لماذا أؤيدهم ؟
- إذن لماذا لا تقول شيئا ؟
- الأشرار يفعلون أشياء شريرة . كل مل يمكنني عمله هو الشعور بالأسف
لا أكاد أصدق أن تحدث مثل هذه الأشياء في دولة علمانية ! يا للعار ! المؤسسة القومية بأكملها , هذه البيانات السياسية ومحكمتهم العليا والبرلمان و الأحزاب السياسية والتقاليد الديمقراطية , كل شيء يفعلونه ليس أكثر من بعض الضوضاء و الهواء الساخن . مهما قلت يا سودها-بابو ليس في بلدنا أية حوادث عنف مقارنة بالهند .

تزايد الألم في صدر سودهاموي . استلقى باسترخاء في الفراش ربما يعيد إليه كوبا من الشاي الساخن بعض الحيوية , ولكن من يعد له الشاي ؟كيرونموي مكتئبة جدا بسبب ما فعله سورنجان ولا ينتظر منها أن تعد الشاي , لماذا خرج سورو بمفرده ؟ وإذا كان يجب أن يخرج لماذا لم يأخذ حيدر معه ؟ ولكنه مندفع دائما ومن المستحيل إبقاؤه طالما يريد الخروج يفهم سودهاموي ذلك ولكن الحزن و القلق طبيعة إنسانية لا تفهم بالمنطق أخفى سودهاموي قلقه وحول اهتمامه إلى ضيفه من جديد , وقال :
- الغريب أن كل الأديان هدفها واحد – وهو السلام .. والآن باسم الدين تحدث كل هذه القلاقل ويفتقد السلام , دماء كثيرة تراق وبشر كثيرون يتعذبون . أمر يدعو للشفقة أنه على مشارف القرن العشرين نشهد مثل هذه الأعمال الهمجية ترتكب باسم الدين
- إن رفع لواء الدين كان دائما أسهل طريق لسحق البشر والروح الإنسانية .
كان دور اختارو جامان في الكلام عندما دخلت كيرونموي إلى الحجرة تحمل كوبين من الشاي , وسألت زوجها :
- هل زاد ألم صدرك ؟ لماذا لا تتناول أقراصك ؟
وضعت الكوبين على المائدة وجلست على الفراش قال لها اختاروجامان :
- يا بودي أنت لا ترتدين ملابس الهندوس السانخا والساندور , أليس كذلك ؟
نظرت كيرونموي لأسفل وقالت ك
- ليس منذ 1975
- حمدا ل الله ! على الأقل يمكن أن تضمني سلامتك .. الأفضل أن يكون الإنسان آمنا عن أن يكون آسفا
ابتسمت كيرونموي ابتسامة شاحبة ومثلها ابتسم سودهاموي . شرب الضيف شليه بجرعات سريعة , ألم صدر سوردهاموي لم يتراجع و لكنه قال :
لقد كففت أنا أيضا عن ارتداء الدهوتي من أجل عيون حياتي العزيزة يا صديقي
وضع اختارو جامان كوبه وقال :
- سأذهب الآن أعتقد أنني سأمر على بينود –بابو لأطمئن عليه أثناء عودتي

بعد ذهاب البروفسور العجوز رقد سودهاموي العجوز في فراشه , برد شايه دون أن يمسه , أغلقت كيرونموي الباب وجلست وظهرها إلى الضوء ووجهها في الظل في وقت ما كانت كيرونموي تغني بصوت جميل , إنها ابنة محامي شهير في بداهمانباريا تزوجت في سن السادسة عشرة , بعد زواجها شجعها سودهاموي على تعلم الغناء والموسيقى وتلقت بعض الدروس على يد ميتهان دي . وسرعان ما أصبحت مغنية جيدة لدرجة أنهم كثيرا ما كانوا يطلبون منها أن تغني للجمهور في ميمنسنج لأن عدد المطربين في المدينة كان محدودا .

تذكر سودهاموي حادثة جرت عندما كان عمر سورنجان ثلاث أو أربع سنوات . توترت أعصاب سودهاموي ونزل عرقه بغزارة عندما جاء دور كيرونموي بالغناء بعد مطرب شهير اسمه سمير شاندرا دي . غنت أغنية " أماندا لوك .. مانجالا لوك .. بيراجو ساتيا سوندارو " ( في هذا العالم من السلام و السعادة , دعونا نعيش معا , حتى نستوعب جماله ) أخذ الجمهور يصفق ويصيح طالبا الإعادة و أجبروها على غناء ثلاث أغاني على الأقل . غنتها جميعا بجمال وإحساس لدرجة أن شخصا ملحدا مثل سودهاموي تأثر بعمق لدرجة البكاء , بعد الاستقلال توقفت كيرونموي عن الغناء للجمهور . وذات يوم طلب منها سورنجان أن تشاركه الغناء في حفل محلي لكنها ضحكت و قالت :
- أنا لم أعد أتمرن و صوتي ليس في حالته .
فقال لها سودهاموي:
- كفي عن التواضع , أنت تغنين ببراعة وكل الناس يعرفونك . وذات مرة صفقوا لك طلبا للمزيد .
- نعم أعرف ذلك ولكن هؤلاء الذين هتفوا و صفقوا لي قالوا أيضا : " لأن الهندوسيات لا يخجلن من تعلم الغناء لذلك يجلسن أمام رجال غرباء ويغنين للجميع "
سألها سودهاموي :
- هل تعنين أن المسلمات لا يغنين ؟
- نعم يغنين الآن ولكن قبل ذلك عندما كانت المطربات لا يحظين بالشهرة الواسعة كان علينا أن نتلقى كل التعليقات المسيئة
ميناتي دي كانت مطربة ممتازة ولكنها أحبطت ذات يوم عندما هاجمها بعض الصبية واتهموها بأنها تحاول تعليم المسلمات الغناء .
قال سودهاموي :
- ولكنه شيء جميل أن نتعلم الغناء ؟
- ليس هذا ما يعتقده الجميع , كثير من الرجال يقولون أنه لا يجب على النساء تعلم الغناء . يعتقدون أن هذا يفسد أخلاقهن

بمرور الوقت فقدت كيرونموي كل اهتمامها بالغناء حاول أستاذها ميتهان دي لكنها تنهدت بحزن و قالت له :
- لا يا دادا , لم أعد أحب الغناء , مالفائدة إذا كان الناس يقولون أن الغناء و الرقص قلة أدب ؟

احترم سودهاموي رغبتها بالتوقف عن الغناء للجمهور ولكنه شكا أكثر من مرة رفضها أن تغني حتى في البيت . ولكن أين المناخ الملائم للغناء في البيت ؟! كثيرا ماكان يحدث في منصف الليل , عندما يجافيهم النوم أن يستيقظوا ويصعدوا إلى سطح البيت .. وهناك وهم يتطلعون إلى النجوم البعيدة في صمت وتتطلع قلوبهم إلى بيوتهم على ضفاف نهر براهما بوترا العظيم , في مثل هذه المناسبات كانت تغني كيرونموي بأغنية للشاعر طاغور تتكلم عن ذكريات حلوة لا يمكن نسيانها وكان قلب سودهاموي الصلد يصبح ناعما و يمتلىء بالحنين إلى الأشياء الجميلة القديمة . ويشتاق إلى الحقول التي كان يجوبها في طفولته وشبابه , وملعب المدرسة والنهر المتدفق وضفافه التي تؤدي إلى الغابات الكثيفة , سودهاموي القوي الصلب تحول في سنواته الأخيرة إلى رجل تتكسر روحه من الأحزان التي أصابته . كان يستيقظ باكيا في منصف الليل, عنها كان يضم زوجته إلى حضنه ليسكن من حزنه.

1971 كان عاما سيئا عليه , لأنه العام الذي اغتيل فيه أصدقاؤه جاجو نومي جوشال و برانولا ساركار ونيتاي سن أمام عينيه .
أخذوهم إلى معسكر الاعتقال وأطلقوا عليهم الرصاص . وبعد ذلك أخذوا أجسادهم في شاحنة وألقوا بها في فضاء موحش . حيثما كان يعثر الباكستانيون على الهندوس كانوا يمسكون بهم ويركلوهم بالأحذية , يطعنونهم بالحراب و يفقأون عيونهم ويكسرون ظهورهم . وإذا خرجوا من هذا كله أحياء كانوا يقتلونهم . رأى سودهاموي كثيرا من المسلمين يضربون لكن كان يتم الإبقاء على حياتهم , وهذا لم يكن يحدث أبدا مع الهندوس , خلال حرب الاستقلال تكومت جثث الهندوس و المسلمين الذين قاتلوا في سبيل وطنهم في مدفن معتقل قريب .
في هذه اللحظة المثيرة التي ابتهج فيها الوطن باستقلاله الوليد جاء أقارب معارفه ماجد و رحيم وادريس وبكوا فوق رفات الهندوس والمسلمين التي حشرت في مقبرة ماتهورباتي . وكانت دموعهم تتزايد عندما يدركون أنه لا يمكن التمييز بين عظامهم
. خرج سودهاموي من الأسر و التهذيب بقدم وثلاث عظام مكسورة في قفص صدره , شفيت كسوره وكذلك الإصابات الشديدة التي تعرض لها قضيبه المشوه ولكن ندوب قلبه بقيت للأبد , لم يشفى سودهاموي من آثار اعتقاله خلال حرب الاستقلال , عاد حيا من المعسكر ولكن هذ1ا كان كل شيء ومن وقتها لم يشعر أنه حي فعلا حياة التخفي والخوف التي كان عاشها منذ ذلك الوقت لم تساعد على تحسن حالته العقلية , فطوال سبع سنوات عاش في كوخ صغير من البوص تحت اسم مستعار هو عبد السلام .. تسمى سورنجان باسم صابر وكيرونموي باسم فاطيمة . وهو يتذكر هذه الفترة كانت آلام ضلوعه المكسورة وقلبه الذي يتمزق من الخجل لأن زوجته الحبيبة كانت تتخفى تحت اسم مستعار . في ديسمبر عندما أتى المقاتلون في سبيل الحرية إلى فالبورانتفضت كل القرية بشعار الاسستقلال " جوي بانجلا " واستطاع أخيرا أن يناديها بالاسم الذي يعبده .. كيرون.. كيرون..كيرونموي.

وتلاشى الألم الذي أحرق قلبه بعد أن استعاد حريته بأن ينادي كيرونموي باسمها الحقيقي وسط الناس . هذه كانت فكرة سودهاموي الشخصية عن الحصول على الاستقلال .

ذكريات سودهاموي قطعها فجأة طرق عنيف على الباب كان الدكتور هاريبادا باتشاريا . قرص الدواء الذي وضعه سودهاموي تحت لسانه خفف ألم صدره إلى حد سمح له بتحية صديقه . ولكن هاريبادا سأله :
- هل أنت مريض ؟ وجهك شاحب جدا
نعم يا هاريبادا منذ مدة أشعر أنني لست على ما يرام . كما أنني لم أفحص ضغط دمي .
لو كنت أعرف لأحضرت معي معدات قياس ضغط الدم
سورنجان خرج من البيت وسط كل ما يحدث , هل تتخيل مدى قلقنا عليه ؟ ولكن كيف تمكنت من الوصول إلى هنا ؟
سلكت طريقا مختصرا بعيدا عن الطريق الرئيسي
لفترة طويلة لم يتحدث أيهما , ثم خلع هاريبادا عباءته و قال :
- اليوم في داكا عقدت مسيرة للاعتراض على هدم مسجد بابري , في نفس الوقت سوف تعقد مسيرات سلام , الأحزاب السياسية وعدد من المنظمات الأخرى يطالبون الجميع بالحفاظ على الوئام الطائفي والبرلمان وجه نداء للشعب بضبط النفس والشيخة حسينة بعثت رسالة قالت فيها:يجب الحفاظ على الوئام الطائفي مهما حدث . 236 شخصا قتلوا في أحداث العنف في الهند وفرض حظر التجول في 40 مدينة وتم حظر الأحزاب الدينية كما وعد رئيس الوزراء بإعادة بناء مسجد بابري .
كان هاريبادا جالسا الآن ناظرا أمامه في حزن و سأل :
- هل قررت ماذا ستفعل ؟ هل ستبقى في هذا المكان ؟ لا أعتقد أن من الصواب أن تستمر في البقاء .. كنت أفكر في الذهاب إلى بيت أهل زوجتي في مانيكجوني . ولكن زوج أختي جاء هذا المساء وأخبرني أنه في مدينة مانيكجوني تم نهب و إحراق أكثر من مائة منزل و25 معبدا , في قرية بوكجهوري أحرقت كل منازل الهندوس , كما تسللوا إلى منزل ديبني شور في منصف الليل واختطفوا ابنته سارا سواتي و اغتصبوها .
قال سودهاموي بصوت مرتفع يملؤه العجب و الصدمة والخوف :
ماذا تعني ؟ هل ما تقوله صحيح ؟
أين ابنتك ؟
مايا ذهبت إلى منزل إحدى صديقاتها
أتمنى أن يكون منزلا مسلما
نعم
تنهد هاريبادا وهو يقول ك
في هذه الحالة فالأمر على ما يرام
كيرونموي التي أصابها الانزعاج مثل زوجها من الأخبار التي يحملها هاريبادا شعرت بالاطمئنان مجددا عندما سمعت رأي صديقهما فيما فعلته مايا , أزاح سودهاموي نظارته ومسحها و أعاد وضعها على عينيه و قال :
في الحقيقة هذه المنطقة مليئة بالعنف , لم نرى الكثير من حوادث العنف في ميمنسنج . بالمناسبة يا هاريبادا هل سمعت عن أية أحداث في ميمنسنج ؟
نعم , سمعت أنه في قرية باشوادي في نالبور , تم هدم معبدين وحجرة صلاة صغيرة في تريشال , ومعبد لكالي
ولكن في المدينة ؟ بالتأكيد لم يحدث شيء في المدينة في الحقيقة حوادث العنف نادرة في شمال البلاد . ما رأيك يا كيرونموي هل سمعت أبدا أنهم أحرقوا معبدا في ميمنسج ؟
قبل أن تجيب كيرونموي كان هاريبادا يقول :
مكتب بوجا في طريق نورث بروك هول , تمثال كالي في زاميندار والمعبد المجاور أحرقت كلها عن اخرها , اليوم في شانتفاجار نهب محلان للحلويات ثم أحرقا , في كوشيتا هاجمت جماعة شيبر ستة معابد في منتصف الليل فوق هذا , لقد شعرت بالخوف عندما سمعت عما حدث في باقي المدن
سأله سودهاموي:
الخوف من ماذا ؟
من الخروج الجماعي
لا ..لا..لا أعتقد أن حوادث العنف ستتسع في البلاد لا أعتقد أنه ستكون هناك هجرة جماعية
دادا , هل نسيت ماذا حدث في 1990 ؟ أم أنك غير قابل للتأثر على الإطلاق ؟
أوه هذا كله من تدبير حكومة أرشاد
تعال يا دادا لم لا تلقي نظرة على سجلات مكتب إحصاء حكومة بنغلادش ؟خروج هذا العام سيكون هائلا . الناس لا يرحلون بسبب أزمة مصطنعة . في النهاية طين الوطن ليس مثل طين أصيص الزهور الذي يمكن ريه بالماء كل يوم وتغييره بانتظام , لا يادادا أنا أشعر بالخوف و التوتر تماما , أحد أبنائي يدرس في كالكتا , ولكن بناتي البالغات هنا وأنا أقضي الليل مؤرقا من قلقي عليهن , أعتقد أنني سأرحل ..
خلع سودهاموي نظارته فجأة بعنف و صاح في صديقه :
هل جننت يا هاريبادا ! لا تقل هذا الكلام مرة أخرى أبدا
أعلم ما ستقوله ستقول لي أنني على ما يرام في هذا البلد وأنني أكسب مالا وفيرا ولدي بيتي الخاص .. أليس كذلك ؟
لا يا هاريبادا ليس هذا هو السبب لا علاقة للأمر بقدر المال أو الفرص المتاحة حتى لو لم تكن تكسب الكثير فليس من الصواب أن ترحل . أليس هذا بلدك ؟ انظر إلي أنا على المعاش ولم أعد أكسب الكثير . وابني لا يكسب أيضا ولكنني نجحت في مواصلة الحياة بالقليل الذي أجنيه من علاج المرضى , وهم قلائل جدا هذه الأيام ولكن هل يعني ذلك أن أترك البلد و أرحل ؟ الذين يتركون بلادهم ليس لديهم إنسانية , مهما كانت أحوال البلد الحالية , فإن البنغاليين كجنس ليسوا همجا أو غير متحضرين . نعم هناك بعض العنف الآن , ولكن الأكيد أن هذا أمر طارىء . عندما تتجاور بلدان وتندلع النار في إحداها فلا بد أن يطير بعض الشرر إلى الجيران .. ومارأيك يا هاريبادا لقي أن أحداث عنف 1964 لم يبدأها المسلمون البنغال , بل البيهاريس
لف هاريبادا نفسه بعباءته و قال :
هل تعلم لماذا أختفي تحت هذه العباءة يا دادا ؟ ليس لخوفي من البيهاريس , إنهم إخوانك المسلمون الذين أخشاهم

بعد هذا الكلام انسل هاريبادا بهدوء و غادر البيت ودخل في الظلام , تركت كيرونموي الباب مواربا قليلا لترى ما إذا كان هناك أي أثر لسورنجان و تزايد توترها مع كل دقيقة تمر ولكن لا أثر لابنهما كل فترة كانت تمر مسيرة و ترتفع شعارات باسم الله . طلب واحد كان يتكرر و يتكرر هو أنه ينبغي على حكومة الهند أن تعيد بناء مسجد بابري
عاد سورنجان أخيرا كان مرهقا وغير ثابت على قدميه , و أخبر أمه أنه لن يتناول العشاء

أطفأ سورنجان مصابيح غرفته واستلقى دون أن يأتيه النوم . وبينما كان يتقلب في فراشه عاد عقله إلى الماضي , منذ سنوات كان يعمل في مجلة " أكاتا " كمحرر وقد ثبت فيه عمله الصحفي القدرة على تنظيم أفكاره بشكل جيد , كما وفر له الإطلاع على كثير من المعلومات بشأن ما يحدث في البلد..

تأسست دولة بنغلادش على قاعدة من أربع مبادىء رئيسية : القومية , العلمانية , الديمقراطية , والاشتراكية . جاهد البلد طويلا وكثيرا من أجل الاستقلال , بدءا بالحركة من أجل اللغة 1952 وفي النهاية تحقق الاستقلال .

أثناء ذلك انهزم أشرار الطائفية والتعصب الديني , ولكن بعد الاستقلال حصل الرجعيون الذين وقفوا ضد الاستقلال على السلطة وغيروا الدستور وأعادوا شرور الطائفية و الأصولية التي نبذت خلال حرب الاستقلال الدين استخدم كسلاح سياسي وعدد كبير من الناس تم إجبارهم على اتباع تعاليم دين الإسلام وهكذا , بشكل غير قانوني وغير دستوري أصبح الإسلام الدين القومي لبنغلادش , ونتيجة لذلك انفجرت الطائفية و التعصب الديني من عام 1979 إلى التسعينات جرت المئات من حوادث التحرش و الطرد و الاستيلاء على الممتلكات و الاعتداء والاغتصاب و القتل للهندوس في مختلف أنحاء البلد , ولم يتعرض مرتكبوها لأي عقاب من أي نوع . هذه القوائم من الكوارث التي لا حصر لها دارت في عقل سورنجان و حرمته من النوم , تذكر عمله الصحافي على مدار عامي 88-1989 كمراسل لصحيفة " أكاتا " وتذكر كيف كانت تقاريره تمتلىء دائما بمثل هذه القصص من المعاناة و الألم . بعضها نشر في المجلة و البعض الآخر لم ينشر , كان رئيس تحريره يقول :
هل تفهم يا سورنجان, كل هذه الحوادث هي نوع من قمع القوي للضعيف و الغني للفقير . إذا كنت غنيا فلن يهم كثيرا أن تكون هندوسيا أو مسلما , هذه للأسف قاعدة النظام الرأسمالي , إذا ذهبت ونظرت ستجد أن المسلمين الفقراء يتعرضون أيضا للظلم , هذا لأن الأغنياء يستغلون دائما الفقراء , إنهم لا يهتمون إذا ماكان ضحاياهم هندوسا أم مسلمين.

يتبع..

جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 01:56 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #3
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليوم الثالث
قشعريرة الشتاء لم تكن شديدة كعادتها هذا الموسم , أزاح سورنجان لحافه , لم يشعر برغبة في الخروج من الفراش وخاصة أنه لم ينم طوال الليل ولهذا استرخى يفكر في أحداث الليلة السابقة لقد سار في كل أنحاء المدينة بالرغم من أنه لم يشعر برغبة في زيارة أي شخص أو التحدث مع أي أحد وبالرغم من أنه لم يطع والديه وترك البيت إلا أنه كان قلقا بشدة عليهما , مع أن قلقله لم يكن شديدا لدرجة تجعله يعود إلى البيت .

المشكلة أن خوف أمه كان يصل إليه وفتور همة أبيه لم يكن له علاج على الإطلاق . وأخته!.. لقد شعر برغبة في شرب الكحول حتى ينسى الخوف الذي رآه في عيني مايا وهي ترجوه أن يساعد الأسرة .. فكر بحب في أخته , شعر كما لو أنها بالأمس فقط كانت فتاة صغيرة تتعلق بأصابعه وهما يتمشيان بجوار النهر , تذكر نوبات غضبها الصغيرة مع كل عيد " بوجاس " من أجل الحصول على ملابس العيد الجديدة , كان يقول لها:
انس البوجاس ! سوف يرقصون هذه الرقصات غير المهذبة أمام تماثيل الصلصال , وأنت ترتدين ملابس جديدة في هذه المناسبة ؟ بصراحة أتمنى أن تكبري.
عندئذ كانت مايا السمراء الجميلة حتى في طفولتها , ترجوه بنعومة :
دادا خذني لمشاهدة البوجاس ..أرجوك
وكان سورنجان يصدها :
لماذا لا يمكنك أن تكوني مجرد إنسانة ؟ وتكفي عن التصرف كهندوسية .
وكانت مايا تقهقه ضاحكة وتسأله:
لماذا ؟ أليس الهندوس بشرا ؟

في 1971 اضطرت مايا إلى استعارة اسم " فريدة " وكثيرا ما كان سورنجان يخطأ ويذكر اسمها المستعار حتى بعد سنة من انتهاء الحاجة إلى هذا الاسم , و كانت مايا تعترض وتنظر له بغضب فيصالحها بشراء الشوكولاتة . عندئذ تنسى مايا غضبها ويشع وجهها بالبهجة ! ذكريات جميلة عديدة يحملها لها, كل عام خلال أعياد المسلمين ترى صديقاتها يلعبن بالبالونات الملونة بفرح فتطلب مثلها لنفسها وتطلب أيضا مفرقعات وألعاب نارية وفي أحيانا أخرى كانت تشد ساري أمها وتطلب منها طعاما من الذي تأكله صديقاتها المسلمات و تقول :
إنهم يطبخون الفتة واللحم في بيت نظيرة , أريد فتة أيضا ...

وكانت كيرونموي تعد لها ما تطلبه . مايا تركت المنزل الآن رحلت منذ أمس الأول ولم تصلهم أخبار عنها حنى الآن, أبواه لم يكونا شديدي القلق عليها , ربما لأنها تختبئ في بيت مسلم . بجانب هذا كانت مايا تحمل مسؤولية الأسرة , ورغم صغر سنها فهي تكسب بعض المال من إعطاء دروس لتلميذتين .. كانت طالبة في كلية " إيدن " و نادرا –إن لم يكن مطلقا – ما طلبت أي دعم مالي من أجل دراستها

سورنجان هو الذي كان يحتاج إلى المال دائما , لم يكن يعمل , ولا يستفيد من درجة " الأستاذ " التي حصل عليها في الفيزياء . لقد حرص فور تخرجه من الجامعة على العثور على عمل و تقدم لعدد من الوظائف بالفعل , لقد كان واحدا من أمهر طلاب الجامعة , ولكن المضحك أن الطلاب الذين كان يساعدهم في دراستهم حصلوا على درجات أعلى من درجاته في الامتحان النهائي , والطلبة الذين حصلوا على علامات أقل منه , حصلوا على وظائف جيدة كمدرسين . ليس السبب أن أداءه لم يكن على المستوى اللائق في اللقاءات الشخصية –الانترفيو- بل الأكثر إثارة للعجب أن الذين كانوا يطرقعون بألسنتهم إحباطا بسبب أدائهم السيئ كانوا أول من يحصلون على خطابات القبول .. وفي نفس الوقت لم يحصل سورنجان على أي خطاب , أحيانا قيل أن السبب هو افتقاده للسلوك الجيد و الاحترام الكافي لممتحنيه . ولم يكن هذا صحيحا بالرغم من أنه كان أول من يعترف بأنه لم يضع تصب عينيه أن يقول لهم " السلام عليكم " أو غيرها من كلمات التحية . بالنسبة له لم تكن هذه الوسيلة الوحيدة لإبداء الاحترام , والحقيقة أن الذين كانوا يرددون " السلام عليكم " باستمرار ويبدون الكثير من الاحترام لممتحنيهم هم أول من يشتمونهم بمجرد خروجهم من الامتحان . ولكن كان هؤلاء هم الذين ينجحون , أما هو الذي لا يتصنع الاحترام فكان يتهم بقلة الصبر والاحترام . ربما هذه هي الأسباب ! أو ربما لأنه هندوسي ! المهم أنه لم يحظ بأي وظيفة حكومية , حصل على عل في شركة خاصة ولم يعجبه فاستقال بعد ثلاثة أشهر . مايا , على أية حال , عرفت كيف تتنازل فتحيا . نجحت جدا في دراستها وبدا أنها قادرة الحصول على عمل في المؤسسات غير الحكومية , وإن كان الشك قد راود سورنجان بأن حياتها أسهل نسبيا بسبب صداقتها لجاهنجيرهل سينتهي الأمر بمايا إلى الزواج منه عرفنا بالجميل ؟ شعر بالقلق الشديد منه هذا المر . في تلك اللحظة دخلت كيرونموي بكوبا من الشاي , عيناها منتفختان , أدرك سورنجان أنها قضت ليلة أرقة لم يرغب في أن يزيد من همومها بالاعتراف أنه لم ينم طوال الليل , ولذلك تثاءب وقال:
لم أدرك أن الوقت متأخر هكذا
لم تبد كيرونموي أية إشارة تدل على أنها سمعته , في الحقيقة لم تبد أنها مدركة لأي شيء محيط بها , وقفت هناك فقط تحمل كوب الشاي , كما لو تنتظر من ابنها أن ينهض ويأخذ الكوب من يدها , كم اتسعت الهوة بينهما حنى تقف كيرونموي دون أن تنطق بكلمة طوال الوقت , أخيرا تكلم سورنجان:
ألم تعد مايا ؟
لا
كأنها في انتظار السؤال , جلست على السرير بالقرب من ابنها . استنتج أنها جلست بقربه لأنها لا تشعر بالأمان , حول وجهه عن عينيها المؤرقتين وشعرها غير المصفف وساريها غير المرتب,جلس وأخذ رشفة من الشاي و قال :
لماذا لم تعد ؟ هل المسلمون يحافظون عليها ؟ أليس لديها ثقة فينا ؟ إنها حتى غير قلقة علينا , هل يكفيها أن تنقذ نفسها فحسب ؟

لم ترد كيرونموي , أشعل سورنجان سيجارة , لم يكن قد دخن أمام أبويه أبدا من قبل ولكن هذا ليس يوما عاديا . عندما سحب الدخان و نفخه لم يدهشه أنه لا يدخن بطبيعية في حضور أمه , بشكل ما في هذه اللحظة , اندمجت الهوة بينهما وانهار الحائط الذي يفصل بينهما , لقد مضى وقت طويل لم يتواصل فيه مع أمه بتعاطف , أراد فجأة أن يضع رأسه على حجرها مثل طفل بريء ويتحدث معها عن الطائرات الورقية التي كان يلعب بها في طفولته والتي كان يأتيه بها عمه نوبن من سيلهيت . نظر إلى حجر أمه باشتياق ثم نفخ حلقة أخرى من الدخان و قال :
ألم يأت كمال أو بلال أو أي أحد بالأمس ؟
قالت بدون حماس :
لا ..

كمال لم يكلف نفسه أن يسأل عنهم ؟ هذا غريب فعلا .. هل يعتقد أصدقاؤه انه مات ؟ أم أنهم لم يعودوا يهتمون بإنقاذ حياته ؟

سألته كيرونموي بصوت مخنوق :
أين كنت ليلة أمس ؟ كنا وحدنا في البيت , ألا تبالي بما يمكن أن يحدث لنا ؟ وماذا لو حدث لك شيء ؟ جوتام ذهب أمس لشراء بعض البيض فضربه أولاد الجيران المسلمون و كسروا له سنتين وأعتقد أنهم كسروا إحدى ساقيه .
أوه
ألا تذكر منذ عامين عندما كانت تأتينا أم جبتا للعمل لدينا ؟ لم يكن لديها مسكن لنهم أحرقوا منزلها .. ولذلك اضطرت للعمل في بيوت الناس حتى تجمع بعض المال لبناء بيتها . لقد كانت هنا في الصباح مع أطفالها لتخبرني بأنهم أحرقوا بيتها الجديد أيضا , وسألتني من أين يمكن أن تشتري بعض السم , أعتقد أنها أصيبت بالجنون . إذا عادت مايا سنصبح أكثر قلقا عليها .
هذا لا يعني أن تظل تحت سقف مسلم بقية حياتها !

صوت سورنجان كان صارما صحيح أنه اصطحبهم مرة للاحتماء في بيت مسلم . ولكن اليأس لم يكن يتمكن منهم مثل اليوم . بل شعروا ببساطة أن بعض الأشرار يرتكبون بعض الأفعال الشريرة , التي سرعان ما يتلاشى أثرها بمرور الوقت , وفي النهاية لكل بلد نصيبه من هؤلاء الأشرار . لكن الأمر يبدو مختلفا هذه المرة بشكل يشعرهم بأن هناك مؤامرة عميقة تهدف إلى التضحية بهم . في الواقع راود سورنجان الشك لدرجة صعب عليه معها أن يصدق أن أصدقاء مثل كمال وبلال و قيصر ولوتفور ليسوا طائفيين .

ألم يقم شعب بنغلادش بحركة شعبية عام 1978 من أجل إضافة كلمة " بسم الله " إلى الدستور في عهد حكومة ضياء الرحمن ؟ ومرة أخرى في 1988 ألم يكن هناك مطلب شعبي لإعلان الإسلام دينا قوميا للدولة ؟ كان مفترضا أن تكون العلمانية معتقدا قويا بين المسلمين البنغال , خاصة أثناء حرب الاستقلال عندما تضامن الجميع في سبيل النصر . ماذا حدث لكل هؤلاء بعد الاستقلال ؟ ألم يلحظوا بذور الطائفية وهي تغرس في بنية القومية ؟ ألا يشعرون بالغضب ؟ الغضب هو الذي أدى إلى الحرب المجيدة التي أدت إلى الاستقلال . لكن لماذا لم يشعروا بالحاجة الماسة لقلع جذور الفتنة الطائفية بسرعة ؟ كيف أمكنهم تبني الفكرة المستحيلة بأن الديمقراطية يمكن أن تحيا في بلد تغيب عنه العلمانية ؟ المثير للسخرية أن هؤلاء اللذين اتحدت أياديهم للقتال في سبيل الاستقلال هم أنفسهم الذين يسمحون للطائفية بالاستمرار.

بالأمس دمروا معبد شواريجهات , هل سمعت بذلك ؟ ومعبد شيارمبور أيضا
تمدد سورنجان بينما واصلت أمه الحديث بصوت يخلو من أي أمل وقاطعها قائلا :
هل ذهبت في حياتك لتصلي في معبد حتى تشعري بكل هذا الأسف على تدميرها؟ فليدمروا كل المعابد التي يرغبون في تدميرها . ثم ماذا ؟ فليسووا كل هذه المباني الدينية بالأرض .

إنهم يغضبون عندما يدمر أحد المساجد . ألا يدركون أن الهندوس يغضبون بنفس القدر عندما تدمر معابدهم ؟ ألأن مسجدا واحدا قد دمر ينبغي تدمير مئات و مئات المعابد ؟ ألا ينادي الإسلام بالسلام؟

المسلمون يعرفون جيدا أن هندوس هذا البلد لن يجنوا شيئا إذا أظهروا غضبهم . هذا هو السبب في استمرارهم بتدمير المعابد بدون تردد , هل يمكن لأي هندوسي أن يلمس مسجدا واحدا , معبد نايابازار يرقد أطلالا منذ عامين , هل يملك أي هندوسي الشجاعة أن بوجه لكمتين بيديه إلى حائط أي مسجد ؟

نهضت كيرونموي بصمت و غادرت الحجرة , أدرك سورنجان أنها تشيد حوائط كثيفة حول نفسها بشكل يتزايد خطورة و في وقت ما لم تكن تفرق بين بارفين وارشانا ولكن مشاعرها و أفكارها تتأرجح الآن دون توازن وشغلها سؤال وليد: هل من حق المسلمين وحدهم أن يغضبوا و يثوروا ؟ ليس سرا أن الاعتداء على الهندوس بدأ قبل أحداث 1990 وهدم مسجد بابري بوقت طويل . تذكر سورنجان أنه في عام 1979 صباح 21 ابريل قام شخص اسمه أيوب علي بتحطيم تمثال الآلهة كالي في معبد ساهب بازار التاريخي في مقاطعة راجاهاي , بعد تحطيم المعبد تم تدمير محلات الهندوس أيضا , وخلال هذه السنوات الطويلة تعرض الهندوس لعشرات الاعتداءات من سرقة تماثيلهم وتحطيمها وحرق المعابد وهدمها والاعتداء على ممتلكاتهم وسرقتها وإفساد احتفالاتهم وحوادث أخرى عديدة استدعاها سورنجان في عقله قبل أن يقهقه ضاحكا :
ثم يقولون أن بنغلادش بلد يؤمن بالوحدة الوطنية !


كلن وحيدا في الحجرة عند الباب تجلس القطة التي قفزت مرتاعة من صوت ضحك سورنجان , انصرف تركيزه إلى الحيوان ألم تذهب القطة إلى معبد داكشواري اليوم؟ ترى ما ديانة هذه القطة ؟ هل هي هندوسية ؟ ربما , طالما أنها تعيش في بيت هندوس . لونها أسود في أبيض وكانت تنظر إليه في عذوبة كما لو أنها تشفق عليه ولكن إذا كان بإمكانها أن تشفق فلابد أنها مسلمة ! مسلمة ليبرالية 1 لأنهم عادة ما ينظرون إلى الهندوس بإشفاق . نهضت القطة ورحلت ربما ذهبت إلى مطبخ المسلمين المجاور لأنه لا يوجد طعام في هذا البيت في هذه الحالة ليس للقطة هوية دينية . الحقيقة أن بني الإنسان هم فقط الذين يختلفون فيما بينهم عرقيا وطائفيا . وهم فقط الذين لديهم معابد ومساجد . غمر ضوء الشمس الغرفة وأدرك سورنجان أن النهار يتقدم . اليوم 9 ديسمبر حين تمنى أن يصبح قطا !

لا يذكر أنه صلى في حياته أبدا ولا أنه دخل معبدا لقد نذر نفسه للاشتراكية والخروج إلى الشوارع وإلقاء الخطب و حضور الاجتماعات وتبنى قضية الفلاحين والعمال والسعي لإحداث نهضة اقتصادية اشتراكية في هذا البلد . الحقيقة أنه ضيع وقتا طويلا من اجل مصالح الآخرين بحيث لم يبقى لديه وقت ليرعى مصالح عائلته ومصلحته الشخصية . ومع ذلك فهم يشيرون إليه ويصفونه بالهندوسي ! وهاهم أبناء الجيران يطاردونه و يصيحون " أمسكوه , أمسكوه " لم يضربوه اليوم , ولكن ربما يفعلون غدا , كما ضربوا جوتام عندما خرج لشراء البيض عندما ذهب لشراء السجائر من محل " موتي " على الناصية كان يمكن أن يتلقى ضربة قوية من الخلف , فتقع سيجارته من فمه وعندما يستدير ليرى مهاجميه ربما كان سيتعرف على وجوه قدوس و رحمان وولايات وسبحان , يهددونه بالعصي والسكاكين . أغلق سورنجان عينيه و استغرق في التفكير . هل يعني هذا أنه خائف ؟ ربما بالرغم من أنه ليس جبانا ! نهض منه الفراش وبحث عن القطة . أذهله السكون الذي يلف البيت . كما لو أن أحدا لا يعيش هنا منذ زمن بعيد . في 1971 عندما تركوا القرية وأتوا ليعيشوا في منزل براهما بالي انزعج سورنجان من الهدوء والخواء المحيطين بالمكان .. وافتقد طائراته الورقية ولوح الكرة و البلي الزجاجي وكتبه . غياب الحياة النشطة والناس أصابه بالإكتئاب وملأه بالتوتر مثل التوتر الذي يملأه اليوم . هل سيواصل أبوه الرقاد ؟ إذا ارتفع ضغط دمه فمن سيستطيع أن يذهب لاستدعاء الطبيب ؟ أو الذهاب لإلى السوق و شراء الأدوية واستدعاء عمال الإصلاح وشراء الصحف .. لم يقم سورنجان أبدا بمثل هذه المهام الروتينية , ولم يكن لديه الكثير ليفعله في هذا البيت . كان يعود عادة إلى البيت متأخرا مساء إن لم يكن متأخرا جدا . ليجد الباب الأمامي موصدا فيدخل من الباب الجانبي المؤدي إلى غرفته وعندما يحتاج إلى المال كان يطلبه من أحد والديه بالرغم من خجله من هذا لقد كان في الثالثة والتلاتين من العمر ولا يزال عاطلا عن العمل , وفي كل مرة كان يقول له أبوه :
سوف أعتزل العمل قريبا يل سورنجان وأعتقد أنه يجب أن تفعل شيئا

صحيح أن والده لم يعهد إليه بمسؤوليات الأسرة وواصل دعمه الأسرة بعلاج القليل من المرضى في الغرفة الخارجية , ولكن من الواضح أن هذا مجهود شاق عليه وكل ذلك بينما سورنجان يتنقل ذهابا وإيابا بين مكتب الحزب و نقابة الصحافيين وغيرهما من الأماكن التي يتردد عليها , ثم يعود إلى البيت مجهدا تماما ليجد الطعام جاهزا فيأكل إذا كان راغبا أو يتركه إذا كان شبعانا.

مع الوقت اتسعت الهوة مع أفراد أسرته , ولكن هذا الصباح عندما أتت أمه لرؤيته حاملة كوب الشاي وجلست بجانبه على الفراش , أدرك كم لا يزال والداه يعتمدان على ابنهما الضال غير المبالي و غير المسئول تماما . انتابه الأسى ففي النهاية ما الذي قدمه لهذه الأسرة ؟ كم مضت بهم الحياة ! سودهاموي الذي كان ثريا طوال حياته لا يشكوا الآن ويرضى تماما بوجبة صغيرة من " الدال " و الأرز . وهذا ينطبق على سورنجان أيضا . يمكنه أن يتذكر عندما كانت أمه تجبره على شرب اللبن وأكل الزبد وتنظر إليه بغضب إذا رفض , ولكن هاهو اليوم الذي إذا اشتهى فيه اللبن والزبد والسمك واللحم فهل يستطيع سودهاموي أن يوفرها له ؟ على أية حال الثراء و الرفاهية لم يشغلاه أبدا, وأبوه هو المسئول عن طبع هذا الميل داخله , في الوقت الذي كان يهتم فيه كل أصدقائه بالملابس والموضة كان سودهاموي يشتري لابنه كتبا عن حياة انشتاين ونيوتن وحاليلو , أو عن الثورة الفرنسية وعن الحرب العالمية الثانية , أو روايات غوركي و تولستوي . . لقد أراد لابنه أن يصبح متميزا . ولكن هذا الصباح وهو يبحث عن القط لم يكن نفسه متأكدا من أنه تميز بأي شكل من الأشكال , أو أنجز أي شيء من الأشياء ! لم يكن جشعا أو ماديا و لا أنانيا بالمرة بل يهتم بمصالح الآخرين , ولكن هل هذا إنجاز ؟ دخل سورنجان الغرفة مشوش الذهن . والده الذي كان يقرأا لجريدة نظر إلى ابنه و ناداه :
سورنجان
ماذا ؟
هل سمعت أنه قبض على جوش و أدفاني وثمانية آخرين ؟ ..يقولون أن هناك أكثر من أربعمائة قتيل سوف يحاكم كاليان سينج المسئول عن هدم المسجد . أمريكا و العالم كله أدانوا الاعتداء على مسجد بابري . أعلن حظر التجول في بهولا . الحزب الوطني البنغالي و رابطة عوامي و أحزاب أخرى عديدة تدخلت في محاولة لحماية الوئام الطائفي . هاهنا وصف تفصيلي لتخر التطورات

كانت عينا سودهاموي عذبتين و ممتلئتين بالدهشة مثل عيني القطة وهو يواصل :
هل تعرف الحقيقة , هؤلاء الذين حوادث العنف لا يفعلون ذلك بدافع الحب لأي دين . إن هدفهم الأساسي هو السرقة و النهب . هل تعلم لماذا يسرقون محلات الحلويات ؟ ببساطة لكي يشبعوا نهمهم إلى الحلوى ! وهم يقتحمون محلات المجوهرات كذلك سعيا وراء الذهب . أحاث العنف بوضوح تام من صنع قطاع الطرق . في الحقيقة ليس هناك فارق فعلي بين أعضاء الطائفتين المتقاتلتين . والمعدل الذي تنظم فيه المسيرات السلام يؤكد أن شيئا أو اخر سوف يعمل حالا لإعادة الأمور إلى طبيعتها . في 1990 , لو تذكر , ترتب على أحاث العنف سقوط حكومة أرشاد , بالمناسبة يا سورو , هل عوض أرشاد الهندوس عن خسائرهم كما فعل ؟!
هل جننت يابابا ؟
في الواقع ذاكرتي تخونني هذه الأيام . المتهمون في قضية اغتيال نيدا رباد حكم عليهم بالموت شنقا .. هل تعرف ؟

أدرك سورنجان أن والده يحاول إقناع نفسه بأن هناك عدالة تنجز في هذا البلد لصالح الهندوس. الحادث الذي يشير إليه جرى في براهمانباريا في قرية نيرادباد : لقد اختطفت بيراجابالا و أطفالها الخمسة إلى بحيرة دوباجوري , وقتلوا جميعا وتم تمزيقه إلى قطع صغيرة بواسطة بلطة , ثم حشرت هذه القطع في برميل , أغلق جيدا و ألقي في البحيرة . في اليوم التالي طفا البرميل واكتشفت الجثث الممزقة .. وتبين أن السبب في محاولة قاتليهم التخلص من الشهود لأنهم سبقوا أن قتلوا زوج بيراجيبالا في خلاف لطرده من أرضه . هؤلاء القتلة – تاجول إسلام وشهورا بادشاه – عوقبا بالموت فعلا بحكم صدر من المحكمة العليا بعد حوالي أربعة شهور من المذبحة الجماعية . وكان واضحا أن سودهاموي يشير إلى هذا الحادث لإقناع نفسه بأن الهندوس يعاملون بالمثل في هذا البلد وأنهم ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية .

هل انضممت إلى مسيرة السلام بالأمس ؟ كم عدد الذين شاركوا فبها يا سورنجان ؟
لا أعلم .
لا بد أن الحكومة وفرت حماية البوليس ؟
لا أعلم .
في منطقة شانكاري بازار قيل أن الطرق امتلأت عن اخرها بالسيارات الممتلئة بالشرطة
لا أعلم
الهندوس فتحوا محلاتهم , أليس كذلك ؟
لا أعلم
يقولون أن الموقف سيء جدا في بهولا . هل هذا صحيح , أم أنهم يبالغون ؟
لا أعلم
لا بد أنهم ضربوا جوتام لأسباب شخصية . صحيح أنه مدمن ؟
لا أعلم

خمول سورنجان وجموده جعل حماس سودهاموي ورغبته في المعرفة يخبوان . فرد صحيفته أمام ابنه وقال :
ألا تقرأ الجرائد ؟
ما الفائدة التي سأجنيها من ذلك ؟
تجاهل سودهاموي رد ابنه و قال :
في كل مكان تقريبا يعترضون على أحاث العنف . الكل يحاول منع الموقف من التدهور . ومن ثم , فهل يمكن للجماعات أن تخترق حواجز الشرطة والوصول إلى المعابد ؟

ما الذي يعنيك بشأن المعابد ؟ هل أصبحت متدينا فجأة في نهاية حياتك . ما الذي يضيرك إذا هدمت كل المعابد ؟ فليدمروا كل ما يصادفونه من معابد وسوف أكون سعيد يذلك

شعر سودهاموي بالحرج . أدرك سورنجان أنه يؤذي هذا الأب البسيط الطيب و لكنه لم يتحمل وجهة نظره للموقف . كأفراد في الأقلية الهندوسية كان من الحماقة بالنسبة له أن يحاولوا رؤية أنفسهم على قدم المساواة مع المسلمين الذين هم مواطنين من الدرجة الأولى في هذا البلد . إنهم لم يكونوا أبدا من المحافظين على التقاليد الهندوسية و كانوا يتعاملون مع المسلمين كأخوة و أصدقاء .. ولكن إلى أين أوصلهم ذلك ؟ ما الخير الذي جنوه من ذلك ؟ بالرغم من كل شيء الهوية الوحيدة التي حصلا عليها هي هويتهما الهندوسية . كانا دائما غير متدينين وقضيا حياتهما يناديان بالإنسانية و الخير .. ولكن أي خير جنياه ؟ لا يزال عليهما أن يعيشا خائفين من التعرض للإهانة والأذى البني , ولا يزال عليهما أن ينكمشا من الخوف من الاحتراق بنار الطائفية .

تذكر سورنجان يوم أن كان طالبا في الصف السابع , حين انتحي به صديق اسمه فاروق خلال فرصة الغداء وقال له :
أحضرت معي طعاما لذيذا . لن أخبر أي أحدا عنه , أنا و أنت فقط سوف نأكله بهدوء فوق السطح .
لم يكن سورنجان جوعان إلى هذا الحد ولكنه قبل دعوة فاروق , صعدا إلى السطح حيث فتح فاروق صندوق طعامه و أخرج الكباب و أعطاه لسورنجان . واستغرق كلاهما في الثرثرة أثناء الأكل وفي المقابل فكر سورنجان أن يطلب من أمه إعداد بعض حلوى الجوز اللذيذة لصديقه , و سأل فاروق :
هل تصنع أمك هذا ؟ لا بد أن أدعوك لطعام أمي قريبا

المفاجأة التي أدهشت سورنجان , أنه بمجرد أنه أنهى طعامه , صاح فاروق مبتهجا , وقبل أن يفهم سورنجان ما يحدث , كان فاروق يهبط الدرج عدوا , لينضم إلى بقية الفصل في ضحكهم على " مقلب " قيام فاروق باستدراج سورنجان حتى يأكل لحم البقر . وتجمعوا حوله يسخرون منه و يغيظونه , واحد يقرصه وواحد يضربه على رأسه وآخر يشد قميصه وعدد منهم حاول حتى أن يخلع عنه بنطلونه . بعضهم أخرجوا له ألسنتهم , وآخرون مبتهجون إلى أقصى درجة , ملأوا جيوبه بالصراصير الميتة , ارتعد سورنجان وامتلأت عيناه بالدموع , ليس خجلا من أنه تناول لحم البقر ولكن من المتعة السادية التي يشعر بها رفاق فصله على حسابه . انتابه إحساس عميق بالغربة وعبرت رأسه لأول مرة فكرة انه ينتمي لنوع معين من البشر و أنهم جميعا ينتمون إلى نوع آخر . عاد إلى البيت يومها وانفجر في بكاء جارف وعندما سأله أبوه أجابه :
لقد تآمروا علي لأكل لحم البقر
ضحك أبوه و قال :
هل هذا سبب يدعوا إلى البكاء ظ لحم البقر لذيذ . سوف أذهب إلى السوق غدا وأشتري بعضا منه , وسنأكله معا

وفي اليوم التالي وفى سودهاموي بوعده وطبخت الوالدة لحم البقر بعد أن استغرق الوالد بعض الوقت لإقناعها باستفاضة , بعدم جدوى ولا منطقية مراعاة مثل هذه التقاليد . حتى القديسين و أبطال الملاحم لم يكن لديهم هذه المبالغة كما أخبرها زوجها .. وبجانب هذا بين لها أنهم يحرمون أنفسهم من اللحم البقري المشوي لذي المذاق . و تدريجيا اختفت أحاسيس سورنجان الطفل بالخجل والخوف و الندم عن إزعاجه .

أسرته كانت تتطلع إليه في كل شيء ومن جانبه أحسن سودهاموي تربية أبنائه . في الحقيقة كان سورنجان يرى أن أباه إنسان فوق العادي , ولهذا أسبابه ففي مثل هذه الأيام والظروف الصعبة من النادر أن تجد إنسانا بهذا القدر من الشرف و البساطة ونقاء التفكير و السلوك والحب , وفوق هذا كله إحساس قوي بالعلمانية وكره الطائفية .

غادر سورنجان غرفة أبيه بهدوء . لم يكن راغبا في قراءة الجريدة , لم يكن مهتما بالمرة بوجهات نظر الآخرين في الطائفية ولم يكن راغبا في مشاهدة صور مسيرات السلام . لم يكن يحتاج إلى إحساس الطمأنينة الذي يحظى به أبوم من قراءة مثل هذه الأشياء . كان يفضل أن ينظر إلى القطة التي ليس لها هوية . القطط لا تنتمي إلى أي دين بعينه وتمنى مرة أخرى أن يكون قطا .

عاد سودهاموي من معسكر الاعتقال بعد أيام قليلة , هل كانوا سبعة أيام ؟ ستة ؟ لم يعد يستطيع التذكر بدقة . كل ماكان يعرفه أنه كان ظمأنا للغاية خلال سجنه , ظمأنا لدرجة أنه كان رغم يديه و قدميه المقيدتين وعينيه المعصوبتين , يحاول دحرجة نفسه على أمل أن سقط على إناء ماء . ولكن أين يمكن أن يوجد الماء في معسكر كهذا ؟ نهر براهما بوترا يفيض بالماء ولكن كل آنية المعسكر كانت خاوية , عندما توسل من أجل الماء ضحك حراسه الساديون منه وذات يوم أعطوه بعض الماء خلعوا عصابته و أجبروه على مشاهدتهم يتبولون في إبريق . وعندما وضعوه على فمه أشاح بوجهه مشمئزا ولكن احدهم فتح فمه بالقوة بينما صب الآخر محتويات الإناء فيه . الذين كانوا يتفرجون انفجروا في ضحكات قاسية بينما السائل الملحي الساخن ينزلق إلى عنقه . وتمنى ساعتها لو أنه شرب سما

علقوه على لوح خشبي و جلدوه , مع كل جلدة كانوا يطلبون منه أن يصبح مسلما , يقرأ الشهادة ويشهر إسلامه و لكن سودهاموي ظل عنيدا . قال له جلادوه الغاضبون أخيرا أنهم سيجعلونه مسلما سواء أقبل أم لا . ذات يوم بعد أن أحبط مساعيهم مرة أخرى مددوه وختنوا قضيبه . شاهد سودهاموي الدماء و غرلته المقطوعة وسمع الضحك القاسي قبل أن يفقد الوعي . بعد هذا اليوم فقد الأمل في أن يعود إلى أسرته حيا . كل الهندوس في المعسكر وافقوا على اعتناق الإسلام وتلاوة الشهادتين على أمل النجاة بحياتهم ولكنهم قتلوا بالرغم من هذا . المفاجأة أنهم أبقوا على حياة سودهاموي , ربما لأنه شديد " التدين "... التعذيب لم يتوقف وفي النهاية خرج من المعسكر منسحقا منكسرا و وحتى الآن مازال سودهاموي مذهولا من نجاحه في الوصول إلى بيته بعظامه و ضلوعه المكسورة ونزيف جروحه الخطرة أين وجد القوة والإرادة ؟ربما هي نفس القوة التي تجعله حيا إلى الآن . عندما وصل إلى براهما بالي سقط على قدمي كيرونموي , التي ارتعدت من رؤية هذا الجسد المحطم النازف الملقى أمامها , لكنها وجدت قوة غير عادية على لملمة شتات زوجها و طفليها والحفاظ على سلامتهم , دون أن تنهار أو تسمح لدموعها بالتساقط , وعلى مدار الشهور التالية لم تسمح لنفسها أبدا برفاهية الانهيار . وعندما قال لها الأصدقاء المسلمون :
دعينا نستدعي الشيخ لتقرأوا الشهادة وتعلنوا إسلامكم .. هذه امن وسيلة لسلامتكم . اشرحي الأمر لأبي مايا .

أبدت كيرونموي نفس قوة إرادة زوجها التي أبداها في المعسكر وفي الليل , بعد نوم الجميع , كانت تواصل رعايته . تطبب جراحه وتضمدها بمزق من القماش مزقتها من ساريها , طوال هذه المدة بالرغم من حملها الهائل لم تبك ولا مرة واحدة . ولكن بعد الاستقلال , عندما تجاهلت الجميع من حولها و ألقت بنفسها بين ذراعي سودهاموي وبكت بمرارة , بكت مثل طفل باندفاع و رغبة دون أن تحاول كبح نفسها على الإطلاق .
وهو ينظر إلى كيرونموي الآن شعر أنها تدخر دموعه كما فعلت على مدار تسعة أشهر عام 1971 سوف تنفجر فجأة ذات يوم ويوف ينهار هدوئها غير الطبيعي . لم يكن لديه شك في أن سحبا سوداء من الحزن تجمعت في قلبها وكنه عرف أنها سوف تنتظر حتى لحظة إعلان ال " جون بانجلا " لتعبر عن مشاعرها بحرية . وسوف تنتظر الحرية حتى تزين جبهتها بالسندور وترتدي السانكهاس , ويرتدي سودهاموي الدهوتي , ويصبحوا كلهم أحرارا بلا قيود وتستعيد نفسها الحقيقية من جديد .. متى تنقضي هذه الليالي البائسة كما انقضت ليلي 1971.
حتى تزداد الأمور سوءا أقلع مرضى سودهاموي عن زيارته أيضا في الماضي كان يأتي ستة أو سبعه على الأقل يوميا حتى ولو كان المطر ينهمر . أما الآن فلا أحد يأتي وجد الأمر خانقا أن يجلس عند الباب هكذا طوال الوقت يحدق في كل مرة تمر إحدى المسيرات صائحة " ناريا تكبير : الله أكبر .. أيها الهندوس ارحلوا إذا أردتم الحياة " بالرغم من تفاؤله وثقته برجال وطنه فهو يدرك أن المتعصبين يستطيعون تفجير منزلهم و إشعال النيران فيه في أي وقت . ومن الممكن تماما أن تسرق ممتلكاتهم أو حتى يتم اغتيالهم . تسائل عما إذا كان هناك " خروج جماعي " للهندوس فعلا كان يعرف أن عددا من الهندوس قد غادروا البلد 1990 ولكن لأن إحصائيات التعداد السكاني الجديدة لا تجري تقديرات منفصلة لأعداد الهندوس و المسلمين فلم يكن هنالك وسيلة لمعرفة عدد الهندوس الذين رحلوا . تجمع الغبار على الكتب في رفوفها حاول سودهاموي نفخه وتنظيفها . عندئذ لاحظ نسخة من كتاب إحصاء السكان لعام 1986 الذي يحتوي أيضا على إحصائيات أعوام 1974 , 1981 .

في 1974 كان يشكل الهندوس 13,5%من إجمالي أعداد السكان , في 1981 كانوا يشكلون 12,1% فقط , أين ذهب الباقون ؟ هل مغادرة البلد كانت الحل الوحيد . ألم يكن ينبغي أن يبقوا في وطنهم ويقاتلوا في سبيل حقوقهم ؟ لعن سودهاموي الهندوس المهاجرين كونهم جبناء . شعلا بأنه ليس بخير عندما تناول كتاب التعداد من على الرف شعر بضعف في يده اليمنى والآن عندما حاول إعادته لم يجد لديه القدرة على ذلك .

نادى زوجته ولكن حتى في ذلك شعر بثقل غريب في لسانه . انتابه الرعب , بقسوة و صلابة .. حاول نقل قدميه وأدرك أن قدميه لا تستجيبان له صاح بضعف : كيرون , كيرون
كانت زوجته قد بدأت في طبخ بعض الدال عندما سمعت نداؤه فذهبت إليه . حاول الوصول إليها لكن يده سقطت بجانبه , همس :
كيرون أرجوك أرقديني على الفراش
فوجئت كيرونموي بالتغيير الذي أصاب زوجها . لماذا يرتعش هكذا ؟ ولماذا يتلعثم ؟ ساعدته على الرقود في السرير و سألته :
ماذا يؤلمك ؟
أين سورنجان ؟
لقد خرج للتو طلبت منه البقاء ولكنه لم يستجب لي
لست على ما يرام يا كيرون أرجوك أفعلي شيئا
لماذا ثقل كلامك ؟ما الذي يحدث ؟
لا أشعر بيدي اليمنى . وقدمي اليمنى لا تستجيب أيضا هل أصبت بالشلل يا كيرون ؟
شعرت بالخزف وأمسكت بذراعيه قائلة :
لا قدر الله ! لا و لا بد أنك تشعر ببعض الإرهاق . أنت لم تنم ولم تأكل جيدا
تقلب سودهاموي بلا راحة في فراشه و قال لها :
كيرون , أخبريني , هل أحتضر ؟ هل يبدو أنني أموت ؟
من أستدعي ؟ هل أستدعي هاريبادا –بابو ؟.
قبض سودهاموي على يدها بكل ما يوجد من قوة في يده اليسرى و صاح يائسا :
لا يا كيرون لا تتحركي من هنا لبق بجواري أين مايا ؟
تعلم أنها ذهبت إلى منزل بارول ولم تعد حتى الآن
أين ولدي يا كيرون ؟
كف عن الهذيان بهذه الطريقة
كيرون افتحي كل النوافذ و الأبواب أحتاج إلى بعض الضوء بعض الهواء النقي
دعني أستدعي هاريبادا –يابو . استرخ بهدوء
كل الهندوس تركوا ديارهم و رحلوا . لن تجديهم استدعي مايا
كيف أرسل إليها قل لي ؟ لا يوجد أحد هنا
لا لا تتحركي خطوة واحدة يا كيرون , استدعي سورنجان
بعد ذلك أصبح صعبا كبح سودهاموي أو فهم كلماته المتلعثمة أصاب الانزعاج الشديد كيرونموي ماذا تفعل ؟ هل تصرخ لجذب انتباه الجيران ؟ سوف يساعدونها فهي تعرفهم منذ سنوات ولكن وهي تفكر في هذا أدركت أنه لن يجدي . أي جار سوف يساعدها ؟ حيدر أم جوتام أم واحد من أسرة شفيق صاحب ؟
شعرت كيرونموي بالعجز التام . ورائحة الطعام المحترق ملئت الغرفة

كما حدث في جولته السابقة لم يكن يعرف سورنجان إلى أين يتجه اليوم ز فكر في الذهاب إلى بلال ولكن بمجرد عبور كاكاريل ارتعب من رؤية الأشياء المحطمة , تطلع إلى المشهد وتشاؤم , وقرر أن يغير خط سيره فجأة والذهاب إلى بولوك في شاميباغ , ونادى على عربة ريكشا

لقد مضى وقت طويل لم يرى فيه بولوك , يسكن بجوار منزل بلال حيث يقضي سورنجان وقته يضحك و يثرثر مع أصدقائه . دون أن يجد وقتا للمرور على بولوك
لم يجب أحد على صوت جرس الباب لكن سورنجان لم يرفع يده عن الجرس , وأخيرا سال شخص من داخل المنزل بصوت بالكاد يمكن سماعه :
من الطارق ؟
أنا – سورنجان
سورنجان من ؟
سورنجان دوتا
تمكن سورنجان من سماع صوت القفل . بولوك الذي فتح الباب بنفسه قال بصوت خفيض :
ادخل
ما هذا ؟ لماذا تقوم بكل هذه الإجراءات الأمنية ؟ ألا يمكنك ببساطة أن تعتمد على " العين السحرية " ؟
لم يجب بولوك أغلق الباب وأعاد فحص القفل . اندهش سورنجان قال بولوك بنفس الصوت الخفيض :
كيف خرجت من منزلك ؟
رغبت في ذلك
ماذا تعني ؟ ألا تخاف مطلقا ؟ ماذا لو كلفتك هذه الحماقة حياتك ؟ أم تسعدك المغامرة فحسب ؟
جلس سورنجان وقال :
كيفما ترى ؟
لاحظ أن بولوك خائف حقا , فقد جلس على مقعد آخر يتنفس بصعوبة ة قال :
هل لديك معرفة بكل ما حدث ؟
لا
الموقف بالغ السوء في بهولا عشرات المناطق و القرى تعرضت لخسائر فادحة حوالي 50 ألف هندوسي من حوالي 10 آلاف عائلة انتهوا تماما العصابات أشعلت النيران في بيوتهم بعد نهبها . سرقت مملوكات بما لا يقل عن 500 مليون تاكا , قتل اثنان و أصيب اثنان بجراح
واصل بولوك سرد حوادث العنف الأخرى ضد معابد
وبيوت الهندوس , وعندما انتهى سأله سورنجان :
أين نيلا ظ
إنها خائفة للغاية 1 ماذا عنك ؟
يمكنني فحسب أن أقول أني حي

أغلق سورنجان عينيه و استرخى . سأل نفسه لماذا لم يذهب إلى منزل بلال بدلا من المجيء إلى هنا ؟ هل أصبح طائفيا , أم أن الموقف دفعه لذلك . فتح عينيه عندمل سمع بكاء الوك ابن بولوك , البالغ من العمر ست سنوات قال بولوك :
هل تعرف سبب بكائه ؟ أطفال الجيران الذين اعتادوا على اللعب معه يوميا رفضوا أن يشاركهم اللعب اليوم . يبدو أن حجور طلب منهم عدم الاختلاط بأطفال الهندوس
من حجور ؟
إنه الشيخ الذي يأتي إلى منزلهم ليعلمهم العربية
لكن جارك هو أنيس أحمد إنه عضو في الحزب الشيوعي على ما أذكر , هل تقول أنه يعلم أطفاله اللغة العربية ؟
نعم
مرة أخرى أغلق سورنجان عينيه حاول أن يضع نفسه مكان الوك . يرتعش الطفل الصغير ويبكي على أشياء بالكاد يفهمه لقد حرم من أصدقائه الذين يلعب معهم يوميا في لحظة . تذكر سورنجان كيف أتت مايا من المدرسة ذات يوم لتقول باكية :
طردني المدرس من الصف
لقد تقرر على كل المدارس تخصيص دروس إجبارية في الدين , وطلب المدرس من مايا مغادرة الصف في درس الدين كانت الهندوسية الوحيدة ولم يكن لديهما كتاب دين لهل كما لم يكن هناك مدرس هندوسي في المدرسة ليعطيها الدرس , ولذلك وقفت خارج الصف تشعر بالضياع و الوحدة الشديدة سألها أبوها :
لماذا خرجت من الصف ؟
لأنني هندوسية كما ترى
قرب سودهاموي ابنته منه , كان مصدوما ومجروحا ومهانا بدرجة أعجزته عن الكلام وذهب في نفس اليوم إلى مدرس الديانة وقال له :
أرجو ألا تخرج ابنتي من الصف في المستقبل , وألا تشعرها بأنها مختلفة
بعد ذلك أصبحت مايا أسعد حالا عندما سمح لها بحضور درس الدين و وذات يوم سمعتها أمها تردد أثناء لعبها بمفردها " الحمد لله رب العالمين , الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين " شعرت بالخوف و سألت زوجها :
ماهذا ؟ هل من الإجباري أن يتخلى الإنسان عن عرقه و دينه ليحصل على نصيب عادل من التعليم ؟

التطور الجديد أقلقه هو أيضا . من الصواب أن يحافظ على سلامة ابنته العقلية بالسماح لهل بتعلم مبادىء الإيلام ولكن هناك مشكلة جديدة : ماذا لو انشغلت مايا بالاسلام ؟ ولهذا أرسل شكوى كتابية إلى مدير المدرسة يقول فيها أن الدين شيء شخصي جدا ولا ينبغي أن يكون جزا إجباريا من المنهاج الدراسي و أنه كأب لا يرغب لأطفاله أن يتلقوا معلومات عن أي دين على الإطلاق , فكيف إذا تجبرهم سلطات المدرسة على اتباع تعاليم دين بعينه ؟ و اقترح أنه بدلا من دروس الدين أن يتم تدريس مادة جديدة عن سير العظماء و أفكارهم و تعاليمهم لأن من شأن هذا أن يفيد أبناء كل الطوائف بالمثل ولا يتسبب بإصابة الأقليات بعقدة الدونية . عللا اي حال فقد تجاهلت سلطات المدرسة رسالته ولم يتغير شيء . دخلت نيلا الغرفة كانت فتاة نحيلة جميلة , وكانت عادة تتأنق ولكن ليس اليوم هناك دوائر سوداء تحت عينيها الممتلئتين بالخوف و القلق قالت بعصبية :
سورنجان-دا لماذا لم تزرنا منذ وقت طويل ؟
ألا ترغب في السؤال عنا و معرفة إذا كنا لا نزال أحيا إننا نعلم دائما عندما تزور الجيران .
عند هذه الجملة انهارت و بكيت . لماذا تبكي لمجرد أنم سورنجان لا يزورهم 1 هل هو الإحساس بالعجز الناشئ عن الشعور بالاضطهاد هوما جعلها تبكي ؟ هل شعرت أن سورنجان والوك وبولوك يشعرون بعدم الأمان والتعاسة مثلها ظ شعر سورنجان فجأة بقرابة شديدة من هذه الأسرة . منذ خمسة أيام فقط قضى ساعات في منزل بلال يثرثر و يستمتع بوقته مع الأصدقاء ولم يرغب في زيارة بولوك و أسرته وقتها . الآن مشاعره تختلف .
لماذا أنت عصبية ؟ لن يمكنهم عمل الكثير في داكا البوليس يتواجد في كل مكان

البوليس كان متواجدا في المرة الأخيرة أيضا ولكنهم سرقوا المعبد وأشعلوا النيران فيه في حضور البوليس الذين لم يفعلوا شيئا أليس كذلك ؟ ما الذي أخرجك اليوم ؟ لا يجب أن تثق بالمسلمين و قد تعتقد أن شخصا ما صديقك , ولكن لا تفاجىء إذا أتى وقطع رأسك فجأة .

أغلق سورنجان عينيه من جديد هل يساعده ذلك في تقليل معاناة قلبه و روحه ؟ في الخارج قدر كبير من الصراخ و الصياح ربما يدمرون أحد
محلات الهندوس .ز بعينين مغلقتين أمكنه الإحساس بشيء يحترق و كما استطاع أن يرى بعيني عقله عددا من المتعصبين يرقصون بالأسلحة البيضاء و القضبان الحديدية , في المساء السابق زار جوتام . وجد صديقه راقدا والكدمات تحت عينيه و صدره و ظهره وضع يده على قلبه وجلس بجوار سريره دون أن يتكلم . قال له جوتام :

دادا لم افعل لهم شيئا كانوا عائدين من المسجد بعد صلاة الظهر وكنت ذاهبا لشراء البيض .. لم أتصور أنه هناك ما يجب أن أخشاه , لأن محل البض قريب , وأنا أدفع ثمن البيض فوجئت بركلة في ظهري . فوجئت بستة أو سبعة أشخاص منهم . ماذا أفعل بمفردي ؟ صاحب المحل و كل المارة وقفوا يضحكون بينما كانوا يضربونني . حتى عندما ضربوني وألقوا بي أرضا لم أقل شيئا بالمرة . وأثناء ذلك استمروا في شتيمتي :
أيها الهندوس الوضعاء الملعونون .. سوف نقتلك يا ابن الحرام . هل تظنون أنكم ستفلتون بعد تدمير مسجد بابري ؟ سوف نطردكم جميعا من هذا البلد .

استمع غليه سورنجان دون أن يجد كلمة يطمئن بها صديقه . شعر بدقات قلب جوتام العنيفة , هل يدق قلبه بنفس الطريقة ؟ أحضرت نيلا الشاي وأثناء تناوله تحدثوا عن مايا :
أنا قلق على مايا ماذا لو قررت فجأة أن تتجوز جاهانجير ؟
يا الله الطيب هل هذا صحيح يا سورنجان –دادا أرجوك امنعها قبل فوات الأوان . أنت تعلم كيف أننا نتخذ قرارات متسرعة دائما عندما تحت ضغط الظروف
ربما أمر عليها أثناء عودتي إلى البيت لاصطحابها معي .. لقد لاحظت تغيرا واضحا في مايا , ربما ترغمها الرغبة في الحياة على تغيير اسمها .. منتهى الأنانية

بدت عينا نيلا و وكأنهما تعكسان حقيقة موقفهم الجماعي , وراح الوك في النوم خداه يحملان أثر الدموع , وقف بولوك وأخذ يتمشى بعصبية أصاب سورنجان بعض قلقه . لقد نسيا شايهما الذي برد الآن , أراد سورنجان أن يغلق عينيه و يفكر هذا البلد قولا و عملا بلده وبلد أبيه كما كان بلد جده و جد جده ! لماذا بعد كل ذالك يشعر بالغربة ؟ لماذا يشعر بأنه لا يستطيع ممارسة حقوقه في هذا البلد , بلده ؟ ليس لديه الحق الانتقال بحرية و لا الكلام بحرية كما يشاء أو ارتداء الملابس التي يريدها , لا يستطيع باختصار عمل أي شيء بإرادته الحرة , كما لو لأن أحدا يخنقه لا إراديا امتدت يداه إلى عنقه و ضغطت بقوة حتى شعر بأنفاسه تهرب منه , خفف سورنجان قبضته عن عنقه و صاح بيأس :
بولوك , لا أشعر أنني على ما يرام .

كانت هنالك قطرات من العرق متجمعة على جبهة بولوك . لماذا يعرق هكذا في يوم شتوي ؟ امتدت يد سورنجان إلى جبهته و فوجىء أنها مبللة بالعرق أيضا . هل هو الخوف ؟ لا أحد يضربهما أو يخنقهما فعلا . لماذا يشعران بالرعب إذا ؟ لماذا يدق قلبيهما بهذه السرعة ؟ توجه سورنجان إلى الهاتف وطلب رقم ديليب دي , صديقه الذي كان من زعماء الطلبة المشهورين ووجده في البيت لحسن الحظ أخبره ديليب دي بمزيد من الحوادث التي وقعت . وه يضع السماعة طلب منه بولوك أن يتصل بديبا براتا ليرى ما إذا كان على ما يرام وبعده اتصل سورنجان بمزيد من الأصدقاء الهندوس ل الاطمئنان عليهم . دق جرس الهاتف التقطه سورنجان كان أحدهم يطلب بولوك من بازاروكس . بعد نهاية المحادثة قال بولوك :
جماعة شيبر في بازار كوكس أحرقوا العلم الوطني

فوجىء سورنجان أن الخبر لم يهمه , المفروض أن يمتلئ بالأسى و الألم والغريب أنه سعر بلامبالاة نهائية تجاه حرق العلم الوطني . في النهاية هو ليس علمه أليس كذلك ؟ كان غريبا أن يشعر هكذا اتجاه الأمر و حاول أن يلملم نفسه ويعيد توجيه مشاعره .. كيف يكون ضيق الأفق وأنانيا هكذا ؟ ولكن شعور اللامبالاة لم يفارقه , وبينما المفروض أن يشعر بالغضب لم يشعر بشيء . أتى بولوك وجلس بجواره و قال :
لا تعد إلى البيت اليوم ابق معنا , لا تعلم ماذا يمكن أن يحدث في الشوارع , لا أحد منا يستطيع الخروج

لوتفور نصحه بنفس الشيء ليلة أمس ولكن سورنجان تعجب من أنه يجد نصيحة بولوك مخلصة بينما شعر أمس أن نصيحة لوتفور كانت إعلانا عن تكبره و قوته . تنهدت نيلا بيأس و هي تقول :

أعتقد أننا لن نستطيع الاستمرار في هذا البلد نحن في لأمان اليوم , غدا قد نكون الضحايا , أي خوف هذا نضطر إلى العيش فيه ! الأفضل أن يعيش المرء فقيرا على أن يعيش غير مطمئن .

كان سورنجان على وشك قبول عرض بالبقاء عندما تذكر أن سودهاموي كيرونموي وحدهما في البيت و قرر أن يرحل :
سأغامر بالذهاب في كل الأحوال على الأكثر سأصبح شهيدا سوف يجد الناس جثة مجهولة تحت زهور و أوراق أشجار الأمة وسوف ينظرون نحوي ويقولون " مجرد حادث عابر .." ما رأيك ؟

ضحك سورنجان عاليا لكن نيلا و بولوك لم يبتسما حتى . في الخارج وجد سورنجان عربة ريكشا ولكن الساعة كانت لاتزال الثامنة ولم يشهر برغبة في العودة غلى البيت . فكر بشيء من المرارة في حظ بولوك الطيب .. لقد وجد فتاة لطيفة واستقرارا ماديا . سورنجان وحده لم يستطع تحقيق فعل شيء في وقت ما كان لديه الحافز على الزواج و تكوين أسرة , بعد زواج بارفين قرر التخلص من هذه الفكرة نهائيا ولكن منذ شهرين التقى بفتاة اسمها راتنا و اشتعل الحافز القديم مجددا لم يجد طبعا لا الوقت الفرصة لإخبار راتنا بحبه لهل في أول مرة التقيا معا سألته راتنا :
ماذا تفعل بوقتك ؟
لا شيء
ألست في الخدمة العامة او البزنس أو التجارة ؟
لا
ألست منخرطا في السياسة ؟
انسحبت منها
علمت أنك كنت عضوا باتحاد الشباب ؟
لم أعد أحب كل هذا
ما الذي تحبه ؟
التنقل ولقاء الناس
ألا تحب الأشجار و الأنهار ؟
نعم أحبها ولكن أحب الناس أكثر هناك قصة ما أو سر داخل كل إنسان .. وأنا أحب اختبار هذه الأشياء المجهولة في عقل الإنسان
هل تكتب الشعر ؟
لا على الإطلاق , ولكن بعض أصدقائي شعراء
لماذا لم تتزوج ؟
لم ترض بي واحدة
ولا واحدة ؟
واحدة فعلت .. ولكن رفضت في النهاية أن تخاطر
لماذا ؟
لأنهل مسلمة و أنا , كما تعلمين ادعي هندوسيا . لم أطلب منها أن تصبح هندوسية ولكن كان يجب أن أغير أنا اسمي إلى شيء مثل " عبد الصبور "

ضحكت راتنا عندما سمعته يقول ذلك , و قالت :
أفضل شيء في الدنيا عدم الزواج , الحياة قصيرة و الأفضل أن يعيش المرء بدون روابط و التزامات
هل هذا سبب عدم زواجك أيضا ؟
بالضبط
أعتقد أنه شيء طيب بمعنى ما
طالما أن لدينا نفس الآراء فسوف تصبح صداقتنا قوية
بالنسبة لي الصداقة شيء واسع للغاية ليس مجرد اتفاق على بعض الأمور
هل ينبغي أن يصلي المرء ليحظى بصداقتك ؟
ضحك سورنجان و قال :
منذ متى أصبحت محظوظا هكذا؟
يبدو أن ثقتك بنفسك قليلة
ليس هذا ثقتي بنفسي كبيرة ولكن ليس بالآخرين ؟
لماذا لا تجرب أن تثق بي ؟

في ذلك اليوم سعر بسعادة كبيرة . أراد أن يستعيد هذا الإحساس بعقله وتذكر راتنا لأنه كان يحتاج إلى رفع روحه المعنوية . في الأيام الأخيرة عندما كان يغرق في الكآبة يفكر في راتنا ترى كيف حالها ؟ هل يذهب إلى ازيمبور لزيارتها , سوف يذهب ببساطة ليطمئن عليها . هل ستشعر ببعض الحرج عندما تراه !

لم يعرف سورنجان ماذا يفعل . في الأيام الأخيرة يسعى الهندوس إلى الالتقاء ببعضهم للاطمئنان على بعضهم البعض . ألن تعتقد راتنا أن هذا سبب زيارته ؟ أن يطمئن على سلامتها ! وربما لا تشعر إذن بغرابة في مشاهدته أمام عتبة منزلها
طلب من سائق الريكشاه أن يستدير باتجاه أزيمبور
فكر مجددا في راتنا لم تكن طويلة و بالكاد تصل إلى كتفيه جميلة و ذات وجه مستدير , وهناك حزن في عينيها يستغربه و يتساءل دائما عن سببه . فتح مفكرة جيبه ليراجع عنوانها

لم تكن راتنا في المنزل فتح رجل عجوز باب البيت الأمامي فتحة صغيرة و أخبره بأنها ذهبت إلى مدينة سيلهيت وأن موعد عودتها غير معروف

هل ذهبت إلى سيلهيت لقضاء مهمة خاصة بالعمل ؟ أم أنها في إجازة ؟ أم هربت من داكا ؟ أم .. أنها لم تذهب على الإطلاق هل يقولون هذا ليتخلصوا منه ؟
ولكنه أخبرهم باسمه و هو اسم هندوسي واضح لا ينبغي أن يخافوا منه , ملأت هذه الأفكار رأسه وهو يتمشى في شوارع اويمبور.

لم يتعرف أحد على هويته الهندوسية . معظم المارة يرتدون الطواقي على رؤوسهم , بعض الشباب الثائرين واقفون في دائرة وآخرون كانوا يتسكعون فحسب ولكن أحدا لم يتعرف إليه استغرب سورنجان الأمر بكل تأكيد . لو استنتج واحد منهم انه هندوسي فسوف يمسكون به ويلقونه جثة هامدة في إحدى المقابر بكل تأكيد . ليس لديه شك غي هذا لأنه لن يستطيع الدفاع عن نفسه بمفرده . سمع مرة أخرى دقات قلبه العالية كما سمعها عند فراش جوتام . أمكنه أن يشعر بالعرق المتصبب من جبتهه إحساس غريب هذا أن تبتل جبهته بالعرق بينما يشعر جسده بالبرد بسبب الريح الجليدية التي تخترق قميصه الخفيف . مشى سورنجان حتى وصل إلى بالاش وهنا فكر في المرور على نيرمالندو للاطمئنان عليه كان صديقه يستأجر غرفة في مجمع سكني لموظفي الصف الرابع بكلية الهندسة . سورنجان يكن احتراما كبيرا له لأنه شريف و مثقف و لا يتردد عن الإعلان عن آرائه عندما طرق الباب فتحت له طفلة صغيرة في حوالي الثانية عشر . كان نيرماليندو جالسا في فراشه يشاهد التلفزيون , وبمجرد أنن رأى سورنجان أنشد بيتا من قصيدة لطاغور تقول : " أرجوك ادخل إلى غرفتي المتواضعة .." سأله سورنجان :
هل هناك فائدة من مشاهدة التلفزيون ؟
أشاهد الإعلانات بطارية تعمل بالطاقة الشمسية , ساري من الحرير الفاخر , معج

جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 02:09 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #4
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الرابــــــــــــــــــــــــــــع



أتى حيدر إلى منزل سورنجان ليس للاطمئنان , ولكن لتبادل الشائعات كان حيدر عضوا في حز " رابطة عوامي " في وقت ما انضم إليه سورنجان لبدء مشروع صغير ثم انسحب عندما أدرك أنه لا يفضي إلى شيء . موضوع حيدر المفضل هو السياسة كان سورنجان أيضا مغرما بالسياسة جدا ولكن فقد اهتمامه بها مؤخرا . ما فعلته حكومة أرشاد و ما تفعله خالدة و ما قد تفعله حسينة جعل السياسة عنده اقل أهمية من قضاء فترة راحة لا إزعاج فيها , كان حيدر يطنب في الحديث حول موضوع الإسلام كدين قومي عندما قاطعه سورنجان وهو ينهض من الفراش :
بالمناسبة يا حيدر أي حق يملكه بلدكم أو برلمانكم للتمييز بين الناس وفقا لانتمائهم الديني ظ
كان حيدر يجلس على ويمد قدميه على المائدة يقلب في صفحات كتاب . انفجر ضاحكا عندما سمع سؤال سورنجان و قال :
مالذي تعنيه ب " بلدكم " ؟ أليس هو بلدكم أيضا ظ
رسم سورنجان ابتسامة متكلفة وقال :
سوف أسالك بضعة أسئلة أنتظر منك إجابة مباشرة عنها
أنزل حيدر قدمه عن المائدة و قال :
إجابة سؤالك هي النفي , هذا البلد لا يفرق بين الناس على أسس دينية
سحب سورنجان نفسا عميقا من سيجارته وقال :
هل لدى البلد أو البرلمان الحق في تفضيل أو مناص3رة دين على بقية الأديان ؟
لا
هل لدى البرلمان الحق في تعديل أهم مادة في الدستور و هي العلمانية ؟
بالتأكيد لا
استقلال البلد مبني على قاعدة المساواة بين الناس في إطار الحقوق , الم تنهدم هذه القاعدة باسم التعديلات الدستورية ؟
نظر حيدر إلى سورنجان متشككا , هل يمزح ؟ لماذا يسال أسئلة أجيب عنها بالفعل ؟ واصل سورنجان سؤاله السادس :
بإعلان الإسلام دينا قوميا , ألا يحرم مواطنوا البلد غير المسلمين من دعم الأمة
نعم
أثناء كان واضحا أن سورنجان و حيدر يعلمان الإجابات و الأكثر من ذلك أن سورنجان كان يدرك تماما أن وجهات نظر حيدر تتفق تماما مع وجهات نظره في هذه المسائل . ولكن السبب وراء محاصرة حيدر بالأسئلة الخاصة بتعديل المادة الثامنة هو اكتشاف ماإذا كانت غرائز حيدر الطائفية يمكن أن تطفو أم لا . أطفا سورنجان سيجارته و قال :
سؤالي الأخير هو : خلال آخر عهد الحكم البريطاني قسمت الهند إلى بلدين وتسبب هذا في تعقيدات كثيرة . اليوم لماذا تستدرج بنغلادش إلى دوامة جدل حول الأمتين ؟ لمصلحة من هذا الموقف ؟
لم يجب حيدر هذه المرة أشعل سيجارة ونفخ بعض دخانها ثم قال :
الحقيقة أنه حتى جناح تجاهل قضية الأمتين والعرقية كجزء من بنية البلد الأساسية وأعلن قولته " من الآن و صاعدا لن يتم تعريف الهندوس و المسلمين و المسيحيين و البوذيين بديانتهم المحترمة , لكن بهويتهم الباكستانية "
اعتدل سورنجان في جلسته و قال :
لقد كنا أفضل كباكستانيين أليس كذلك ؟
نهض حيدر فجأة وقد أثاره كلام سورنجان و قال :
لا , باكستان لم تكن خيرا بالمرة وعندما كانت باكستان لم يكن لدى أحد منكم شيء يتطلع إليه . بعد مولد بنجلادش سمحتم لأنفسكم بالاعتقاد بأنكم ستناولون شرف التمتع بالحقوق و الإمتيازات كمواطنين من الدرجة الأولى , لأن هذه الدولة علمانية , ولكن عندما اكتشفتم أن آمالكم وأحلامكم لا تتحقق شعرتم بالألم فعلا .

انفجر سورنجان ضاحكا , وقال مبتسما :
حتى أنت تقول " أحلامكم , آلامكم " من هو " أنتم " ؟ الهندوس ؟ بعد كل هذه السنوات من عدم الإيمان بأي دين تصفني بالهندوسي؟

انتزع سورنجان نفسه من الفراش وبدأ يجوب الحجرة قلقا .. في الهند قتل أكثر من 650 شخصا , اعتقل البوليس ثمانية من الزعماء الأصوليين من بينهم رئيس حزب بهارتيا جانتيا وأعلن الحداد اعتراضا على هدم مسجد بابري , اختفت حوادث العنف في بومباي و رانش وبعض المدن الأخرى . أطبق سورنجان قبض1تيه باستياء من الهندوس المتعصبين . لو أن الأمر بيده لجمع المتعصبين من كل أنحاء الأرض و أطلق عليهم الرصاص , زعماء الطوائف في الهند أعلنوا أن " الحكومة الهندوسية مسئولة عن هدم مسجد بابري ... ولكن مقابل هذا الخطأ لا يجب أن يتحمل هندوس بنغلادش المسؤولية , ليس لدينا مشاعر سلبية تجاه هندوس هذا البلد ولا تجاه معابدهم .. فلننهض بروح الإسلام الحق و نحافظ على الوحدة الوطنية ".

بث التلفزيون و الراديو الرسالة , ولكن تبين أن هذا مظهر خادع ففي يوم الإعلان عن الاحتجاج على هدم المسجد انفتحت أبواب الجحيم و توابع المأساة التي تركها البلطجي و قطاع الطرق خلفهم لم تكن مسبوقة . باسم الاحتجاج عاد قتلة 1971 لينهبوا و يحرقوا مقر لجنة جاتاك دالال نيرمال اليسارية و مقر الحزب الشيوعي , لماذا ؟ أية مؤامرة خططوا لها ؟ بحث سورنجان عن إجابات لهذه الأسئلة . في كل أنحاء شبه القارة تندلع أحداث عنف باسم الدين , وتعرض الأقليات للأذى و كونه من الأقليات فهو يفهم مأساتهم تماما ليس هناك مسيحي في بنغلادش يمكن اعتباره مسؤولا عن فظائع البوسنة و الهرسك . و بالمثل ليس هناك هندوسي في بنغلادش يمكن أن يحاسب على ما ارتكب ضد مسلمي الهند على أيدي أبناء بلدهم الهندوس . كيف يمكن لسورنجان أن يوضح هذا المنطق البسيط ؟ ومن سيسمع له ؟ قال حيدر :
هيا , هيا سنذهب و ننضم إلى منظمة " الترابط الإنساني " التي ستعقد مسيرة لدعم الوفاق الطائفي

الترابط الإنساني ! الفوز بالأحلام و الاستقلال التي صحبته كانت بوضوح ثمرة الوحدة الوطنية والرؤية التي اشترك بها الجميع , وكذلك الجهود التي بذلت للحفاظ على الاستقلال و سادة دولتهم . في 1971 بدأت حركة لمكافحة كل التأثيرات الطائفية و الفاشية و تقوية روح الصداقة و التفاهم في كل أنحاء البلد , كما بذل الجهد لترسيخ السلام العالمي أيضا بالدعوة إلى " الإخاء الدولي " من خلال نشاط اللجنة المتعددة الطوائف و الأعراف القومية والتي جاهدت لتأسيس فروع " الترابط الإنساني " في كل أنحاء البلاد . سال سورنجان :
ما علاقة هذا بي ؟
ماذا تعني ؟ ألا يعنيك الأمر مطلقا ؟
لا
وقف حيدر مصعوقا فسقط كرسيه , و أشعل سيجارة أخرى و قال :
هل يمكن أن تعد لي كوبا من الشاي ؟
ليس لدينا سكر في البيت
كان حيدر على وشك الكلام مجددا عن مسيرة " الترابط الإنساني " عندما قاطعه سورنجان :
ماذا قالت حسينة في اجتماع " رابطة عوامي " أمس ؟
اقترحت ارسال قوة عسكرية إلى كل منطقة للمحافظة على السلام
هل سينقذ هذا الهندوس , أعني نحن ؟
نظر حيدر إلى سورنجان دون أن يقول شيئا , ثم غير الموضوع بشكل مفاجىء
أين مايا ؟
ذهبت إلى الجحيم
صعق حيدر , وفي محاولة لامتصاص الصدمة حاول أن يجعل الأمر نكتة , فقال باسما :
هل تستطيع أن تصف لي شكل الجحيم ؟
الثعابين تعض و العقارب تلدغ و النيران تحرق الأجساد تماما ولكن لا تموت
عظيم أنت تعرف عن الجحيم أكثر مما أعرف أنا
ينبغي علي ذلك . ففي النهاية نحن الذين سنذهب إليه
لماذا يخيم السكون على البيت ؟ أين والداك ؟ هل أرسلتهما إلى مكان ما ؟
لا
هل لاحظت شيئا يا سورنجان ؟ الجماعة الإسلامية يعرضون قضية غلام عزام في ضوء مختلف باستغلال مسجد بابري كمبرر
ربما , ولكنني لا أشعر تجاه غلام عزام مثلك , ولا يهمني أن يحكم عليه بالإعدام أو لا
أشعل حيدر سيجارة أخرى , لم يفهم رغبة سورنجان في البقاء في البيت يوم المسيرة . في 26 آذار من هذا العام عندما عقدت محكمة الشعب كان سورنجان هو الذي أتى و أيقظ حيدر , لم يرغب حيدر في الذهاب بسبب المطر و حاول إقناعه بالبقاء معه ولكنه رفض و أصر أن يذهبا رغم الرياح و المطر
من التسعة حتى الحادية عشرة صباحا حاول حيدر أن يقنع سورنجان بالذهاب معه لكنه لم يفلح في ذلك



أتت كيرونموي بمايا من منزل بارول , فور وصولها إلى البيت ارتمت عل صدر أبيها باكية . لم يستطع والده تهدئتها وفي الغرفة المجاورة كان سورنجان يستشيط من الغضب . إنه يكره الدموع التي لا نفع منها, هل حققت الدموع أي شيء في العالم ؟ ما يحتاج إليه والده هو عناية طبية عاجلة بقد اشترى الأدوية التي وصفها الدكتور هاريبادا لثلاثة أيام و ربما كان هناك المزيد من الأدوية في دولاب الأم لا تعلم بها

اختلط غضب سورنجان بالرثاء على الذات شعر أنه لا يوجد أحد بالأسرة يهتم به وكل هذا لأنه عاطل عن العمل الآن صحيح أنه لم ينجح أبدا في الحصول على عمل دائم و لكن سبب ذلك هو كراهيته للعمل لدى الآخرين وهو يفكر في احتمال إحياء مشروع عمل قديم مع حيدر شعر بالجوع الشديد .. ورثى لحاله مرة أخرى من يمكن أن يعد له الطعام في هذه الساعة ؟ لا مايا و لا أمه كلفت نفسها بالمجيء إلى غرفته لمعرفة ما إذا كان جائعا . هل تتجاهلانه لأنه بلا عمل و كسول ؟

لم يذهب لرؤية والده اليوم . وهذا كان مظهر من مظاهر علاقته بأسرته إنه تقريبا لا يساهم بأي شيء من أحلهم , ومع ذلك يتوقع الكثير منه روتينه اليومي كان بلا هدف أو تخطيط ويتكون أساسا من ساعات التسكع مع أصدقائه و أصحابه و الانخراط في السياسة ما الذي جناه من وراء ذلك ؟

انصرف حيدر الذهاب معه لم يكن ليحرره من إحساسه المتعمق مؤخرا بأنه كائن ضائع كان هو و حيدر صديقين لسنوات طويلة وكثيرا ما كانا يتناقشان خلال حياتهما الطويلة عن فوائد و أهمية المنطق و العقل والوعي , ويناديان بحماية التراث الوطني الثقافي و يتحمسان في الدفاع عن حقوق الإنسان . اليوم أدرك سورنجان أن جهودهما كانت بلا طائل . والأفضل له إما أن ينخرط في حياة تمتلىء بمتع الشراب واللهو أو أن يصبح عضوا مسئولا مسؤولية كاملة عن الأسرة . المثالية لا نفع لها وهي التي زادت من هذه الهموم و القلق . أشعل سيجارة , وانسحب اهتمامه إلى كتاب صغير على المائدة لم يره من قبل . كان عن الصراع الطائفي عام 1990 فتحه و استغرق في سطوره المزعجة



قام الدكتور هاريبادا بتدريب كل من مايا و كيرونموي على تدليك ضلوع سودهاموي ومساعدته على استعادة قوته بدأت صحته بالتحسن بفضل العلاج الطبيعي و الدواء . ولكنه لم يتمكن من استعادة ذاته القديمة مرة أخرى و أكثر من آلمه ذلك كانت ابنته مايا . رؤية أبيها القوي الممتلىء بالحياة راقدا مثل لوح من الخشب أفقدتها كثيرا من حيويتها و حماسها . كانت تجفل من الألم كلما ناداها أبوها بصوته المخنوق " مايا , مايا " حتى في رقاده هذا , كأنه مجرد ظل من ذاته القديمة , كانت عيناه اللتان بلا تعبير تدوران وكأنهما تحملان شيئا ما لمايا كان أبوها ينصحها دائما أن تكون كالسهم المستقيم صادقة مع نفسها هو نفسه كان دائما شريفا بإفراط ومعارضا لي محظورات اجتماعية يرى أنها مقيدة كانت الأم تذمره دائما بأن ابنتهما تكبر ولابد أن يفكرا في زواجها ولكنه كان يعارضها قائلا :
يجب أن تدرس ثم تحصل على عمل إذا رغبت بعد هذا أن تتزوج فلتفعل
د
فتتقبل كلام زوجها بتنهيدة استسلام ثم تعود إلى موضوع آخر تفضله وهو إرسال مايا إلى خالها في كالكتا . انجالي و أبيهاونيليما و شيباني كن جميعا من عمرها وكاهن ذهبن إلى كالكتا لاستكمال الدراسة .
لماذا نذهب ؟ هل هناك ما يمنع التعليم في هذا البلد ؟ هل ألغوا المدارس و الكليات ؟

ابنتنا كبرت ولا أستطيع النوم ليلا من قلقي عليها .. ألم يتعرض الصبية لبيجويا اثناء ذهابها إلى الكلية ؟

هذه الأشياء تحدث لبنات المسلمين أيضا هل تريدين أن تقولي لي أن المسلمات لا يتعرضن للاغتصاب أو الاختطاف ؟
في الحقيقة أدركت كيرونموي أن زوجها لن يوافق أبدا على خططها لمايا , وأن مايا نفسها لم تبدي أي رغبة في الذهاب إلى كالكتا . لقد ذهبت مرة واحدة فقط ولم تستمتع ابدا في مشاركتهم أنشطتهم فكانت تمضي اليوم كله وحدها تفكر في بيتها في بنغلادش .

وفغقا للخطة الأصلية كان المفروض أن تمضي عطلة عيد البوجاس في كالكتا , ولكن قبل أن تنتهي إجازتها بوقت طويل طلبت من زوج خالتها أن يعيدها, قالت خالتها :
ولكن ديدي أرسلتك لتقضي عشرة أيام
فلمعت عينا مايا بالدموع وقالت إني أفتقد إلى منزلنا

تمتلىء كالكتا في عيد البوجاس دائما بالأضواء والمرح والتسلية ولكن كل هذا لم يجذب مايا وعادت بعد سبعة أيام بالرغم من أن الوالدة كانت تأمل أن تبدأ في حب المكان وحب البقاء هناك

جلست مايا عند رأس والدها تفكر في جاهنجير , تحدثت إليه مرتين من تلفون منزل بارول .. بدا أنه فقد حماسه القديم لصحبتها , قال إن عمه في أمريكا دعاه لاستكمال دراسته هناك , وأنه يعد ترتيبات المغادرة , صدمت مايا وكادت أن تصرخ , لكنها تماسكت نفسها و قالت :
هل ستسافر فعلا ؟
نعم إنها أمريكا بالطبع سأذهب
ماذا ستفعل هناك ؟
سأشغل نفسي بأي شيء لبعض الوقت حتى أحصل على الجنسية
ألن تعود ؟
ماذا سأفعل إذا عدت ؟ هل يمكن لأي إنسان عاقل أن يفعل في هذا البلد ؟
متى ستذهب ؟
الشهر القادم شاشا يتعجلني إنه يخشى من احتمال تورطي في السياسة هنا

ولا مرة واحدة خلال محادثتهما سألها جاهنجير ماذا ستفعل في غيابه . هل يتوقع منها أن تلحق به , أو على الأقل تنتظره ؟ حبهما الذي دام أربع سنوات ولقاءاتهما في المطاعم ومناقشاتهما الدائمة حول زواجهما على ضفاف بحيرة كرسنت .. كيف تنسيه أحلام أمريكا كل هذا ؟ كيف تنسيه تطلعاته جائزة حياته , مايا ؟

جلست مايا بجوار والدها لا تفعل شيئا سوى التفكير في جاهنجير . تحاول ولا تستطيع أن تنساه , وحتى تزداد همومها أضيف إليها ألام أبيها شبه المشلول .

عذاب الأم كان أعمق و يستحيل تخفيفه . كانت تستيقظ فجأة في منتصف الليل باكية . لماذا تبكي أو على من , كانت أسرارا لا تبوح بها . تجف الدموع وتواصل تأدية أعمالها في صمت , الطبخ , الغسل , مراعاة زوجها.

توقفت كيرونموي عن استخدام السيندور في تفريق شعرها و اللوها و السانخا في تزيين رسغيها كما تفعل الهندوسيات المتزوجات . طلب منها زوجها أن تتوقف عن ذلك عام 1971 وتوقفت هي عن استخدامها تماما مع عام 1975 , وتوقف هو أيضا عن ارتداء الدهوتي الذي يحبه ذهب إلى الخياط تارو خليفة وطلب منه تفصيل مجموعة من البيجامات , عندما عاد إلى المنزل في هذا اليوم أصابه صداع و حمى . كانت زوجته تعرف أنه يصاب بالحمى عندما يكون مهموما .

الذي فاجأ مايا و حيرها هو يلوك أخيها الذي ظل بمعزل عن الأسرة حتى في هذا الوقت العصيب و يقبع في حجرته طوال اليوم لا يبالي بواجباته ولا يطلب الطعام عندما يجوع , و الغريب أنه لم يكن قلقا حتى على أبيه المريض المحتضر , أصدقاؤه يزورونه في حجرته حيث يجلسون و يخوضون مناقشات حامية . يخرج عندما يريد دون أن يخبر أحدا بوجهته أو موعد عودته . لا أحد يطلب منه مالا ولكن أليس من واجبه كابن أن يرعى والده على الأقل ؟ أن يحضر له الدواء و يستدعي له الطبيب أو على الأقل أن يجلس بجانبه ليشجعه و يقويه . لأن جميعهم كانوا يعرفوا أن أباه يحب أن يأتي ليجلس معه و يثبت له أنه مهتم به .

تحسن الأب كثيرا تحت علاج الدكتور هاريبادا أصبح كلامه أقل تلعثما ولكن لا يزال يجد صعوبة في تحريك أطرافه المشلولة . أكد له الطبيب أنه مع استمرار العلاج الطبيعي ستتحسن حالته أكثر . بقيت مايا مع أبيها طوال الوقت لتلبية احتياجاته , استطاعت توفير كل هذا الوقت لأنها توقفت عن إعطاء الدروس لتلميذتيها , أخبرتها أم آخر تلميذة ذات يوم بأن ابنتها لن تتلقى مزيدا من الدروس لأنهم راحلون إلى الهند . سألتها مايا :

لماذا الهند ؟
أطرقت أم التلميذة ميناتي دون أن ترد تقول شيئا , تذكرت مايا شيئا آخر عن تلميذتها ميناتي كانت تدرس في مدرسة بهيكارونيا وذات يوم أثناء درس الحساب سمعتها تتمتم " الحمد لله رب العالمين ... الرحمن الرحيم " ولما أبدت مايا دهشتها قالت الفتاة :
إننا نتلوا فقرات من القران في طابور الصباح
هل هذا صحيح ؟ إنهم يتلون القران في طابور الصباح ؟
نعم سورتين , ثم النشيد الوطني بعد ذلك
ماذا تفعلين أثناء تلاوة السور ؟
أتلو مثلهم وأغطي رأسي أيضا
أليس هناك صلاه للهندوس أو البوذيين أو المسيحيين ؟
لا

وجدت مايا هذا الشيء محيرا جدا و وبدا لهل أنه شيء لا أخلاقي أن واحدة من أشهر مدارس العاصمة لا تراعي وضع صلوات من مختلف الأديان لتلاوتها في طابور الصباح .

تذكرت مايا التلميذة الأخرى التي كانت تعلمها , اسمها سومية وكانت من أقارب بارول . ذات يوم قالت لمايا فجأة :
ديدي , لا أريد أن تعلميني أكثر من ذلك
ولم لا ؟
ابا يقول أنه سيجد لي مدرسة مسلمة .

بهذه الطريقة فقدت مايا تلميذتيها .. ولكنها لم تذكر ذلك لأي أحد في المنزل حتى لا تقلقهم بدون داع . سورنجان يأخذ نقودا من مصروف البيت , وإذا بدأت هي في عمل نفس الشيء فكيف ستتدبر أمرها .

كانت كيرونموي في المطبخ تعد الأرز و الدال المفروض أن تعد أيضا بعض الحساء وعصير الفاكهة سودهاموي ولكن من سيأتي لها بالفاكهة ؟ تعجبت كيف يمكن لابنها أن يرقد في الفراش طوال اليوم بينما هم بأمس الحاجة إليه , انزعجت مايا من أخوها لسبب آخر أيضا لقد توسلت إليه في السابع من ديسمبر أن يجد لهم ملجأ ولكنه لم يرفع إصبعا واحدا للمساعدة , إنهم لا يزالون يتعرضون لخطر كبير ولكن كل مايفعله أخوها غير النافع هو الكسل .

بدت محبطة و مكتئبة بسبب لامبالاة أخيها , ومع الفتور العام الذي يسيطر على أفراد أسرتها , بدأت مايا أيضا في التوقف عن التفكير في خطط يتجاوزون بها الأزمة . أصبحت سلبية تدريجيا وتعلمت أن تتقبل الأشياء كما هي , طالما أن سورنجان لم يكلف نفسه أن يقلق على صحتهم أو سلامتهم لماذا تفعل هي ؟ وفي النهاية هي لا تعرف أحدا يمكنهم الذهاب إليه . حتى في منزل بارول لم تشعر بالراحة , بارول كانت بدون شك صديقة مخلصة جدا ولم يكن أحد في بيتها يتساءل عن وجودها في منزلهم ولكن هذه المرة كانت نظرة عيون أهل بارول مختلفة , وبالرغم من أنهم كانوا يعرفونها جيدا بدا لأول مرة وكأنهم يستغربونها . كأن نظرتهم تقول لماذا أنت هنا ؟ وقالت بارول أيضا إن منزلها ليس آمنا بشكل كاف لبقاء مايا فيه لوقت طويل .

فكرت مايا : أي ظلم هذا أن يثار السؤال عن الأمان معها فقط وليس مع بارول مثلا ؟ هل يمكن أن يحدث و تضطر بارول أن تأتي للبحث عن ملجأ في منزل مايا ؟ كان بعض أقارب بارول في زيارة لهم عندما سألوا مايا :
ما اسمك ؟
مايا
ما اسمك كاملا ؟
في هذه اللحظة تدخلت بارول و قالت بسرعة أن اسم صديقتها هو زكية سلطان . فيما بعد شرحت لمايا سبب إصرارها على إخفاء اسم مايا :
إنهم مختلفون عنا شيء مثل رجال الدين الكبار . ولن يدهشني أن يذهبوا و يقولوا أننا نأوي الهندوس في منزلنا .

حاولت مايا أن تتفهم وجهة نظر صديقتها و لكنها ظلت تتألم . أي جريمة في أن يأووا الهندوس ؟ لماذا ينبغي على الهندوس أن يبحثوا عن مأوى أصلا ؟ لقد اجتازت مايا امتحاناتها بتفوق وحصلت على نجمة في امتحانات المرحلة المتوسطة بينما بالكاد نجحت بارول , وحتى الآن يبدو و كأن بارول هي التي تملك أوراق اللعب كلها .

بابا أطبق أصابعك , حاول أن ترفع يدك .
أطاع سودهاموي مثل طفل صغير مطيع و تشجعت مايا من عودة بض القوة إلى أصابعه و تمسكت بيديه
ألن يأكل دادا ؟
من يعرف لقد رأيته نائما

بدت أمها غير مبالية إطلاقا بسورنجان . هي أيضا لم تأكل لكنها أعت لمايا نصيبها من الطعام . كانت نايا المرهقة نعسانة وتطرق برأسها فجأة . أصوات الشعارات الغاضبة في الخارج تصل إلى الغرفة المظلمة القاتمة المغلقة الأبواب والنوافذ . " أيها الهندوس إذا أرتم أن تحيوا , ارحلوا عن هذا البلد سمع سودهاموي الشعارات أيضا وضغط بأصابعه على يد مايا علامة أخرى أنه استعاد بعض قوته .

تقلصت معدة سورنجان من شدة الجوع , قبل ذلك سواء جاع أم لا , كان هنالك طبقا من الأرز بانتظاره دوما على المائدة . واضح أن اهتمام أسرته به تضائل ولكنه قرر ألا يطلب منهم الطعام . خرج إلى الصالة , غسل وجهه في الحمام وتنشف ثم عاد إلى حجرته غير قميصه و غادر المنزل في الشارع لم يكن قد قرر بعد إلى أين يذهب , إلى حيدر ؟ ولكنه لن يكون في البيت في هذه الساعة , إلى بلال أو كمال ؟ ربما ولكن ماذا لو اعتقدا أنه جاء يبحث عن مأوى ؟ أو شفقة ؟ لا , لن يذهب إليهما , سوف يتجول في المدينة وحده . في النهاية المدينة ملكه في وقت ما لم يكن يستطيع تحمل الرحيل عن ميمسنج وفي الليلة التي باع أبوه فيها البيت دون أن يخبره . وعندما استيقظ في اليوم التالي لم يكن يدرك أن المكان الذي ولد فيه المعبق بالزهور و البركة الكريستالية الرائقة التي كان يسبح فيها , كل منزل آل دوتا لم تعد ملكه . عندما عرف أنه سيترك البيت خلال أسبوع ثار وانفجر غاضبا و خرج ولم يعد إلى المنزل لمدة يومين .

لم يفهم والده سبب عاطفيته الشديدة هذه . ولماذا أي شيء يجرح كبريائه ؟ أحيانا يشعر أن اللوم يقع على أفراد أسرته كلهم , وهو منهم . أحيانا يشعر أن بارفين كانت هي المخطئة فلقد جعلته يعتقد أنها تحبه .. كانت دائما تهرع إلى حجرته و تقول :/
هيا لنرحل بعيدا
إلى أين ؟
بعيدا إلى التلال
أين هي التلال؟
أين هي التلال ؟ يجب أن نذهب إلى سياهيت أو شيتا جونج لنجد تلالا
سنقوم بذلك و نبني بيتا هناك
وماذا نأكل ؟ العشب ؟
عندئذ كانت تضحك و تلقي بنفسها عليه قائلة :
هناك كلمات طائشة تقولها البنات عادة . في الواقع أنهن لا يمتن

سورنجان كان على حق . بارفين لم تمت . لقد تزوجت مثل طفلة مطيعة من الشخص الذي أتى به والداها . قبل يومين من زواجهما جاءت إليه لتخبره بأن اسرتها تريد منه اعتناق الإسلام ضحك سورنجان و قال :
أنت تعلمين جيدا أنني لا أؤمن بالأديان
لا , لابد أن تصبح مسلما
لا أريد أن أصبح مسلما
وهذا يعني أنك لا تريدني
بالطبع أريدك ,لكن لماذا ينبغي أن أصبح مسلما لأتزوجك !؟
تلون وجه بارفين الجميل بحمرة الغضب على الفور

كان يعرف سورنجان حجم الضغط الذي تمارسه عليها أسرتها لتتركه , وتساءل عن موقف أخيها حيدر . إنه صديقه ولكن لم يعلق أبد عن علاقتهما ./ صمته ضايق سورنجان جدا ولكن لم يكن هناك وسيلة يجبره فيها على إبداء رأيه . لم يعتنق سورنجان الإسلام وبالتالي نبذت بارفين حلمها بالعيش معه على التلال . هل يمكن نبذ الأحلام بهذه السهولة – مثل تماثيل البوجاس الصغيرة التي تلقى في الماء , هل هدف الأحلام فقط هو منح الناس إحساسا مؤقتا بالسعادة ؟ لقد تزوجت بارفين من رجل أعمال مسلم ولكن سرعان ما اصطدم الزواج بمشاكل قال له حيدر ذات يوم :
ربما تتطلق بارفين من زوجها
تتطلق ؟ بعد عامين من الزواج ؟ أراد سورنجان أن يقول هذا ولكنه تمالك نفسه , طرد بارفين من رأسه , ولكن أخبار طلاقها المحتمل أسعدته و أحيت ذكرياته معها

ألا يزال محتفظا باسم بارفين بعناية ورقة فائقتين , ملفوفا بأمان في قلبه ؟ ربما ! كم مضى منذ رآها آخر مرة ؟ شعر بالحنين و بذل جهدا حتى يحول أفكاره نحو راتنا

راتنا متيرا فتاة جميلة تناسب سورنجان جدا . إذن سوف تتطلق بارفين .. كيف يفترض أن يؤثر هذا فيه ؟ لقد تزوجت من شخص مسلم وافقت عليه أسرتها , كلهم توقعوا خيرا من هذا الزواج كأنه مضمون أن الزواج من نفس الدين و الطائفة لابد أن يدوم , لماذا تعود إذا ؟ ألم يصحبها زوجها إلى التلال ؟ ألم يحقق أحلامها ؟ وأين مكانه هو في كل ذلك ؟ ‘نه مجرد شاب هندوسي لا يفعل شيئا سوى التجول في الشوارع .

استقل عربة ريكشا من تقاطع تيكاتولي لم تغادر غقله بارفين , من داخل قلبه كان يطا وجهها متقافزا و يستولي على اهتمامه . وهي معه كانت تقبله ويحتضنها بقوة ويقول له :
أنت عصفور صغير
فتضحك بارفين وتقول :
وأنت قرد
هل هو قرد فعلا ؟ بالطبع هو قرد وإلا لماذا ركدت حياته هكذا ؟ مضت خمس سنوات , مثل عناقيد الماء الأصفر التي تتكاثر في الأحواض الآسنة , ولكن هل استفاد شيئا من الوقت و الحياة ؟ على الإطلاق ! لم تقل واحدة غير بارفين " أحبك " اليوم الذي قالت له بارفين ذلك سألها:
هل راهنت شخصا ما على أنك تستطيعين أن تقولي لي هذه الكلمات ؟
لا على الإطلاق
هل تعنين ما قلته ؟
أنا أعني ما أقوله دائما

نفس هذه الفتاة التي حدثته بثقة انهارت في اللحظة التي فتحت فيها أسرتها موضوع الزواج . كل أحلامها تبخرت , فرديتها و الأشياء التي أرادت تحقيقها , كل شيء ذهب . فكر أيضا أن بارفين لم تعترض على زواجها أبدا ولم تقل : " أريد أن أتزوج هذا القرد الذي يعيش في ذلك المنزل " بيته كان على بعد خطوتين من بيتها , ذهبت كيرونموي ومايا إلى حفل الزفاف ولكنه لم يذهب .

قال لسائق الريكشا أن يذهب إلى شاميلباج كان ضوء الغسق يغمر المدينة وشعر بالجوع الشديد . كان في الماضي يعاني من عسر الهضم ولكن الآن يعاني من الصفراء أيضا . وصف له أبوه مضادات للحموضة ولكنه يكره الأدوية التي تبيض لون شفتيه . وبالإضافة إلى ذلك فقد نسي الأقراص في البيت قرر الذهاب إلى عند بولوك ليأكل شيئا . سيكون في بيته بالتأكيد على اعتبار ألم يغادر منزله منذ خمسة أيام .
أول شيء قاله له عندما فتح له بولوك :
أرجوك أحضر لي شيئا لآكله , لا أعتقد أنهم طبخوا أي شيء في منزلنا
لماذا ؟

الدكتور سودهاموي دوتا يعاني من أزمة صحية , وزوجته و ابنته مشغولتان في تمريضه . سودهاموي دوتا ابن الثري سو كومار دوتا عاجز اليوم عن دفع تكاليف علاجه

الحقيقة أنه يجب عليك أن تفعل شيئا مفيدا أن تحصل لنفسك على عمل
أوه , لقد حاولت ! ولكنك لا تستطيع الحصول على عمل في بلد مسلم . بالإضافم من يرغب في العمل عند هؤلاء الجهلة ؟
صدم بولوك و قال :
هل تشتم المسلمين يا سورنجان !
لا داعي للرعب أنا أشتمهم حقا , ولكن أمامك أنت فقط , هل تعتقد أنه من الممكن أن تشتمهم في وجوههم ؟ سيفصلون رأسي عن جسدي
قدمت له نيلا في الحال بعض الأرز و الخضروات بالكاري
سورنجان-دا- , ألم تأكل شيئا طوال اليوم ؟
ابتسم سورنجان بضعف وقال :
من يهتم بأمر أكلي ؟
لا بد أن تتزوج
لبتلع سورنجان طعامه و قال :
أتزوج ! من ترضى بالزواج مني ؟ !
ليس من العدل أن تتوقف عن التفكير بالزواج لمجرد أن هذه البنت بارفين
ليس هذا هو السبب لقد كنت أجهل أنني قد أضطر إلى الزواج
لم يكن سورنجان يستمتع بالطعام كما لو أنه فقد حاسة الذوق أو يأكل لمجرد إسكات جوعه . سال بولوك وهو يأكل :
هل يمكن أن تقرضني بعض المال ؟
كم تريد ؟
القدر الذي تستطيع التخلي عنه , لا أحد
في البيت يخبرني عن الوضع المالي , ولكنني أعتقد أن كيس أمي خاوي
حسنا , سوف أعطيك ما تريد . ولكن هل لا زلت تتابع آخر تطورات الموقف في البلد ؟
أعرف ما تريد أن تخبرني به .. أنهم دمروا معابد كثيرة ونهبوا و أحرقوا بيوت الهندوس و قتلوا و ضربوا رجالهم و اغتصبوا مسائهم , إذا كان هناك أي شيء جديد أخبرني به
هل كل هذا طبيعي بالنسبة لك ؟
ولكن بالطبع إنه طبيعي ماذا تتوقع غير ذلك في هذا البلد ؟ أنت تجلس عاري الظهر ولا تستطيع الحراك عندما يضربونك عليه !
جلي بولوك في مواجهة سورنجان صامتا لبرهة ثم بدأ يعدد عشرات الأماكن التي و المواقع المختلفة التي تعرضت للنهب والحرق والاعتداء , ؛تى أن سورنجان قاطعه قائلا :
هل هذا صحيح ؟
كل هذه الأشياء حدثت يا سورنجان لا أعلم حقا كيف سننجو في هذا البلد . في شيتا جونج الجماعات والحزب الوطني البنغالي انضموا معا في تدمير المنازل و المعابد . لقد أخذوا الآنية والملابس من أكبر عدد من بيوت الهندوس وأخرجوا الأسماك من أحواضهم منذ أيام و الهندوس لا يجدون ما يأكلونه .. ألن تعترض على شيء من هذا ؟
هل تعلم ماذا سيحد
ث لو اعترضنا ؟ تذكر قصيدة د.ل.رول التي تقول :" إذن أنا رفستك , ولكن كيف يمكن أن تكون وقحا وتتألم بسبب هذا ؟"
عاد سورنجان إلى الوراء بظهره وأغلق عينيه بينما واصل بولوك الكلام :
لقد دمروا أكثر من ألف منزل في بهولا . هذا الصباح تم رفع حظر التجول لمدة اثنتي عشر ساعة . و خلال هذه الساعات القليلة اعتدى رجال مسلحون بالعصي و القضبان الحديدية على دار عبادة لاكشمينارا للمرة الثالثة . واكتفى رجال الشرطة بالوقوف و التفرج وهم سعداء أكثء منهم منزعجين . في بورها نودين هوجم أكثؤ من ألف و خمسمائة شخص ودمر ألفا منزل على الأقل . في تاجمودين دمر ألفان ومائتا منزل تماما و ألفا منزل جزئيا . وفي بهولا دمر مائتين وستين معبدا

ضحك سورنجان و قال :
أنت تعطينا وصفا تفصيليا مثل الصحف . هل تشعر بالأسف على حدوث هذه الأشياء ؟
حملق بولوك في سورنجان بتعجب و قال :
ألا تشعر أنت بالأسف ؟
ضحك سورنجان مرة أخرى و قال :
لا , لا أشعر بأسف على الإطلاق

بدت الحيرة على وجه بولوك وهو يقول:
في الحقيقة لدي عدد من الأقارب هناك ولا يمكنني إلا أن أشعر بالقلق تجاههم

المسلمون فعلوا فعلتهم ولكن لن يحدث أن يسعى الهندوس إلى الثأر, أخشى أنني لا أستطيع التعاطف معك يا بولوك . أنا آسف حقا.

نظر بولوك باستغراب إلى سورنجان . ثم غادر الحجرة و عاد بألفي تاكا أعطاها له , عندئذ سأله سورنجان :

كيف حال ألوك؟ هل ضمه أصحابه إلى فريقهم
لا إنه وحيد طوال اليوم وليس هناك ما يفعله سوى مراقبة أصحابه بينما هو يعاني وحده في الحجرة .

هل تعلم يا بولوك هؤلاء الذين نعتقد أنهم غير طائفيين أو أنهم أهلنا و أصدقاؤنا هم طائفيون للغاية في أعماقهم .. إننا نختلط ونندمج كثيرا مع المسلمين في هذل البلد , ولا نتردد في أن نقول السلام عليكم " أو قول كلمة " باني " بدلا من " جال " و " جوسول " بدلا من " سنان " إننا نحترم ممارساتهم الدينية ونتجنب شرب الشاي أو التدخين علنا خلال شهر رمضان . بل إننا لا نذهب إلى مطاعمهم في هذا الشهر رغم أنها مفتوحة . ولكن ما مدى قربهم منا في الواقع ؟ ولمن نقدم هذه التضحيات ؟ ما عدد الإجازات التي نحصل عليها في البوجاس ؟ ومع هذا مطلوب من الهندوس أن يعملوا ساعات أطول في المستشفيات بينما هم يتمتعون بإجازتي عيد طويلتين . لقد مرر التعديل الثامن و أطلق حزب " رابطة عوامي " احتجاجه الصاخب ولكن هذا كل شيء . حسنة نفسها غطت رأسها كما تفعل النساء بعد العودة من الحج . إنهم متشابهون جميعا يا بولوك وليس أمامنا سوى الانتحار أو الهجرة

تحرك سورنجان نحو الباب . لقد طلبت منه أمه مؤخرا الذهاب لزيارة رئيس الدين الذي باعوا له منزلهم في ميمنسنج بمبلغ بخس , ربما يساعدهم على تجاوز أزمتهم المالية الحالية . ولكن ه رفض أن يطلب المساعدة من رئيس الدين .. كان يكره الاقتراض في كل الأحوال ولكن الأزمة حادة ولا بد من دفع نقود للبقال و أشياء أخرى . بدلا من الذهاب إلى رئيس الدين اقترض من بولوك . ربما لأنه ساعده من قبل , أو ربما , مرة أخرى , لأنه هندوسي مثله , فإن بولوك يمكن أن يفهم أكثر من غيره متاعب الأقلية . في الحقيقة , خلال اليومين الماضيين توصل سورنجان إلى قرار بعدم طلب المساعدة من أي مسلم .

ودع بولوك أسرته و اتجه إلى المنزل . وهو يمشي فكر في الطريقة التي يعاملونه بها في البيت . لا أحد يريد أن يحمله مسئولية أي شيء . ربما لأنهم يعتقدون أنه وطني لا يهتم سوى بمصلحة الوطن العامة و ليس لديه الوقت لأي شيء آخر . سوف يعطي أمه المال اليوم. أدهشته الطريقة التي تحافظ والدته فيها على تماسك الأسرة . لم تشكُ أبدا من أي شخص ولا حتى ابنها عديم النفع , شعر فجأة أن حياته لا تستحق أن يحياها . هاهو والده معلق بين الموت والحياة , يحتاج إلى شخص بجواره دائما . مافائدة حياة مثل هذه ؟ ولماذا ينبغي أن يعيش ؟ فكر للحظة في شراء بعض أمبولات البيثيدرين وقتل نفسه , وللحظة استطاع أن يتخيل موته بوضوح . سوف يرقد في فراشه ميتا , ولكن أسرته لن تعلم بموته . سيعتقدون أنه متعب ويستريح ولا يجب أن يزعجوه . سوف تأتي مايا و تقول :

يا دادا انهض .. يجب أن تفعل شيئا من أجل بابا

ولكن دادا لن يرد . استغرق في مثل هذا الأفكار أثناء مشيه , ولاحظ مسيرة تمر بجوار ناصية بيجوي ناجار . إتها مسيرة الوئام الطائفي . كانوا يرددون شعارات تؤكد على الإخاء بين الهندوس و المسلمين . لم يستطع أن يمنع نفسه من ابتسامة ساخرة , قبل أن يعود إلى البيت , مر على منزل جوتام . كان أحسن حالا ولكنه لايزال يرتعب من أقل ضوضاء .

الغريب أن شخصا مثل حوتام شغل كل وقته بمهنته كطبيب , دون أن يهتم بالساسة , والأكثر من هذا ليس له أعداء في المنطقة , يتعرض للضرب هكذا بدون رحمة لمجرد أن مسجد بابري هدم في الهند ! جلست أم جوتام بالقرب منهما وهمست في أذن سورنجان بحرص :
سوف نرحل
ترحلون ؟
نعم , نعد الترتيبات لبيع البيت

لم يرغب في معرفة مكان رحيلهم . إذا جلس أكثر من ذلك سيضطر إلى سماع الحقيقة المرعبة بأنهم سيرحلون عن البلد كله . ولذلك دفع كرسيه للوراء و نهض بسرعة ليرحل . ولكن أم جوتام أوقفته و قالت بصوت تخنقه الدموع :

لا يا بني لا تذهب الآن , الله أعلم إذا كنا سنلتقي مرة أخرى قبل رحيلنا أم لا . ابق معنا بعض الوقت ..

أنا آسف يا ما شيما ولكن لدي بعض العمل في ا لبيت . سآتي لأراكم مرة أخرى

لم يستدر ليرى جوتام و أمه . بعينين منخفضتين خرج من البيت دون أن ينجح في إخفاء تنهيدة يأس



جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 10:06 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #5
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الخــــــــــــامــــــــــــــــــــــــــس

بيرو باكشا شاب مجتهد ينتمي إلى نفس حزب سورنجان السياسي . هذا الصباح لم يكن سورنجان قد نهض من فراشه بعد عندما دخل بيرو باكاشا غرفته

إنها العاشرة ولا تزال في الفراش ؟

لست نائما لكنني أستلقي فقط . عندما لا يكون هناك شيئا تفعله فالأفضل أن ترقد . ليس لدينا الشجاعة على تدمير المساجد ولذلك ليس أمامنا سوى الرقاد .

أنت على حق . إنهم يدمرون مئات المعابد ولكن إذا ألقينا حجرا واحد على مسجد فهل تتخيل العواقب ! الباكستانيون حولوا معبد كاليباري رومان الذي يرجع عمره إلى 400 سنة مضت إلى تراب , ولكن ليس واضحا ما إذا كانت ستعيد الحكومة بنائه

تتكلم حسينة دائما عن إعادة بناء مسجد بابري, ولكن في بنغلادش حتى لو كان هناك أمل في تعويض الهندوس فإن شيئا لا يذكر عن إعادة بناء المعابد . يبدو أنهم لا يدركون أن الهندوس لم يأتوا إلى بنغلادش مع مياه الفيضان . إننا مواطنون هنا مثل أي شخص آخر, لدينا الحق في الحياة , والحق في حماية ممتلكلتنا وحياتنا و أماكن عبادتنا .

واضح أن هذا السلب و النهب ليس بسبب مسجد بابري . في صباح 21 آذار 1992 اختطف مسلمان ابنة رجل هندوسي يعيش في نفس المنطقة و اغتصباها .

يونس ميا رئيس منطقة أوبازيلا و علي ميردا عضو حزب الاتحاد اضطهدا عائلات منطقة موني كانايلايل كثيرا لإجبارهم على الهجرة

واصل الاثنان تبادل الأخبار من هذا النوع عن الهندوس الذين تعرضوا للسرقة أو الخطف أو الإجبار على الرحيل أو الاغتصاب ووجد سورنجان نفسه يستدرج إلى المحادثة . أشعل سيجارة وعندما انتهت نهض من الفراش و ذهب ليغتسل , في طريقه إلى الحمام توقف ليطلب من أمه كوبان من الشاي . كان قد أعطى الألفي تاكا لأمه الليلة الماضية , مؤكد أنها الآن لا تشعر بأن ابنها عديم المسئولية تماما , إنها تبدو أقل توترا اليوم , ربما لأن موقفها المالي أفضل مؤقتا . عاد إلى حجرته ليجد صديقه جالسا مهموما . طلب منه سورنجان أن يبتهج قليلا , هو نفسه يشعر بتحسن الان , فكر في الذهاب إلى غرفة والده ليطمئن عليه . في نفس الوقت جاءت مايا بكوبي الشاي قال سورنجان مازحا :

لقد نحفت خلال الأيام الماضية ألم تحصلي على طعام كاف في منزل بارول ؟

تجاهلت سؤاله وخرجت منزعجة جدا من أخيها أبوه مريض و ليس من اللائق أن بالطبع أن يضحك و يلقي النكات في هذه الساعة , عاد بيرو باكشا من أفكاره و قال :

سورنجان-دا أنت لا تؤمن بالدين , و أعلم أنك لا تصلي و أنك تأكل لحم البقر أيضا , لماذا لا تخبرهم بأنك لست هندوسيا تماما , وأنك نصف مسلم ؟

الحقيقة هي أني إنسان و هذا أكثر ما يعترضون عليه , الغريب أنه لا يوجد تناقض بين المتعصبين المسلمين و الهندوس. لابد أنك لاحظت أوجه التشابه بين الجماعات هنا و بين حزب بهارتيا جاناتا في الهند , كلا الحزبين يسعيان إلى السيطرة على بلديهما المحترمين .

في الهند ليس حزب بهارتيا جاناتا ولكن حزب المؤتمر هو المسئول عن أحداث العنف .

واصل الصديقان مناقشهما عن موقف الأحزاب في كلا البلدين من التعصب الطائفي و طرق استغلالها لأحداث العنف في سبيل الحصول على مزيد من الأصوات الإنتخابية .. قطعت مايا الحديث بدخولها إلى الغرفة , وضعت مظروفا معلقا على المائدة و قالت :
ماما طلبت مني أن أعطيك هذا قالت أنها لا تحتاج إليه .

قبل أن يسأل سورنجان استدارت و غادرت الغرفة . فتح المظروف فوجد الألفي تاكا التي أعطاها لأمه الليلة الماضية , شعر بإهانة بالغة , ماذا تفعل أمه ؟ هل يرفض كبراؤها مساعدته ؟ أم تعتقد أن ابنها العاطل قد سرق هذا المال ؟ انزعج جدا حتى أنه لم يعد يرغب في التحدث مع أحد , ولا حتى بيرو باكاشا , وتمنى أن يتركوه وحده

والد أمه كان محاميا معروفا زوج ابنته ذات الستة عشر ربيعا إلى طبيب شاب ورحل مع عائلته كلها إلى كالكتا على أمل أن تلحق به ابنته وزوجها عاجلا أم آجلا وتمنت هي أن يحدث هذا خاصة أن معظم عائلتهم هناك , ولكنها عائلة غريبة هذه التي تزوجت منها فقد بقيت مع حمويها ست سنوات , حزم فيها الكثير من الأصدقاء و الأقارب أمتعتهم ورحلوا , ولكن زوجها لم يفكر في هذا مرة واحدة , وكانت تذرف الدموع سرا . ومن كالكتل كتب إليها أبوها قائلا:

" عزيزتي كيرون
هل قررت عدم المجيء بعد كل شيء ؟ اطلبي من زوجك أن يفكر في الأمر مرة أخرى . نحن أيضا لسنا سعداء بترك بلدنا ولكننا كنا مجبرين على هذا , أيضا لسنا سعداء جدا هنا و نشتاق إلى بلدنا , ولكن يجب أن نكون عمليين وواقعيين , أنا قلق عليك " .

كانت تقرأ هذه الرسائل وحدها وتبكي . أحيانا كانت تحاول في الليل أن تقنع سودهاموي بالرحيل دون جدوى . لا أحد في عائلة زوجها بدئا بوالد سودهاموي حتى سورنجان كان يفكر بترك بنغلادش. ولم يكن أمامها سوى قبول قرارهم , ولكن مسؤولية الحفاظ على الأسرة خلال كل الأزمات التي تعرضوا لها وقعت على عاتقها . لم تشك أبدا و كانت آخر تضحية قامت بها هي بيع زوج من أساورها الذهبية إلى زوجة الدكتور هاريبادا. لم تخبر أي أحد بالبيت بالأمر . في النهاية ليس الذهب بأهم من زوجها وشفائه . عندما تجد بعض الوقت للتفكير في علاقتها بزوجها كانت تتساءل عن هذا النبع العميق داخله الذي ينشأ منه حبها لزوجها . لم يكن رابطا جسديا , ذلك أنهما لم يمارسا الحب منذ 1971وكان كثيرا ما يقول لها :
كيرونموي أعتق أنني خدعتك .

وبالرغم من أنها كانت تفهم مقصده , لم تكن تجيب بشيء مع أنها كانت ترغب حقا في أن تقول :
لا ... أنا لم أخدع من قال هذا ؟

لكنها لم تكن تجد الكلمات الصحيحة لتعبر عن نفسها فتسكت . فيقول سودهاموي بتنهيدة يائسة :
هل ستتركينني و ترحلي ياكيرو؟ أتعلمين أنني أرتعب أحيانا
لم يكن لهذا السؤال معنى , لأنها لم تكن لتتركه أبدا , أبدا في النهاية هل الجنس هو العنصر الهام الوحيد في العلاقة بين الرجل و المرأة ؟ هل كل شيء آخر تافه ؟ هل خمس و ثلاثون سنة من الرباط الزوجي ليس لهل قيمة إطلاقا ؟ هل من السهل أن نتجاهل الأجداث المحزنة و المفرحة التي اجتازاها معا لاستكمال دائرة حياة الأسرة؟ لا , كانت تقول لنفسها لسوء الحظ جزء من علاقتهما تعطل و لكنها استطاعت تقبل الأمر . وعندما كان يوقظها في منتصف الليل ليعتذر لها ويسألها عما إذا كانت تعاني بسبب عجزه , كانت تقول دائما :

لا , لماذا يجب أن أعاني ؟

لكنها كانت تعلم أنه يمتلىء بالألم و الإحباط من عجزه , خاصة عندما يدفن رأسه في مخدته . وكانت هي أيضا بدورها تستدير نحو الحائط و تقضي ليلة مؤرقة . أحيانا كان يقول :

إذا رغبت في بدء حياة جديدة فلن أمانع .

ليس صحيحا أنها لم تشعر بالرغبة أبدا . عندما كان يأتي أصدقاؤه لزيارته ويقضون الوقت في الحديث كانت ظلالهم تقع أحيانا على حجر كيرونموي و بدون إرادة تقريبا كانت تتمنى أن تصبح هذه الظلال حقيقية , وتتخيل جمال أن يتحول احد الظلال إلى لحم ودم يمكنه أن يريح رأسه على حجرها . لكن رغبتها الجسدية لم تكن لتدوم طويلا , وسرعان ما كان يعتاد جسدها على الحرمان .

لم تتوقف الحياة عند أي نقطة بل واصلت التحرك وبينما يمر العمر بها ىكان يتلاشى حنينها السابق . لقد مرت إحدى و عشرون سنة ولم تعد تشعر بالحرمان الكثير . أحيانا تفكر : ماذا لو كنت ذهبت مع رجل آخر وتبين أنه عاجز أيضا ؟ أو حتى إذا كان عاشقا جيدا هل سيكون ذو قلب كبير و طيب مثل سودهاموي ؟ عرفت أن زوجها يحبها كثيرا . شعرت بذلك بطرق عديدة , وملأها هذا الإحساس أنها بخير . لا يأكل أبدا بدونها ودائما ما يضع الجزء الأكبر من السمك في طبقها , وإذا حدث أن غابت الخادمة ( قبل أن تتدهور حالتهم المادية) كان يعرض عليها المساعدة في الغسيل و تنظيف البيت بوجه عام . في الأمسيات عندما تجلس وحدها وتبدو وحيدة كان يقترح عليها أن يصفف لها ضفائرها , أو يطلب منها الذهاب إلى السوق وشراء زوج من الساري أو يقول لها :

لو كان عندي ما يكفي من المال يا كيرو لاشتريت لك منزلا أكبر . ولكان بإمكانك أن تسيري حافية في الفناء و الحديقة المزروعة بكل أنواع الفواكه و الخضروات و الزهور . في الحقيقة منزل براهما بالي كان يناسبك للغاية , ولكنك تعرفين المشكلة .. المال لم يكن هدفا عندي و لا غاية . لم يكن يبدو أنني لا أستطيع كسب المال , أبوك اطمأن على وضعي المالي وحكم على ذلك من بيتي , الآن لم يعد لدي بيت و لا ثروة . أعلم أننا نعيش فترة صعبة الان و يمكنني أن أنجح و لكنني متأكد من أنك تعانين يا كيرون

كانت كيرونموي تفهم من هذا كله وغيره, أن هذه الروح البسيطة المستقيمة تحبها بإخلاص و صدق . إذا كان على المرء أن يخسر يعض متع الحياة الصغيرة , أو حتى بعض المتع الكبيرة و يحظى في المقابل بحب شخص مثل هذا , فالاختبار لن يكون صعبا بالتأكيد . منذ أن كان عمرها ثمانية و عشرين عاما لم تتحقق بعض رغباتها ولكن في أعماق قلبها و روحها كان يتحرك و يتقلب كل هذا الحب غاسلا في طريقه كل جراح الجسد كل مرة تظهر فيها .

تحولت أفكارها إلى ابنها , أعطاها سورنجان بعض المال , لقد اقترضه بالتأكيد , ربما لأنه شعر بأنه غير نافع , ولكنها لم تعط ظهرها للحائط بعد , ولا تزال تستطيع الاستمرار ببعض المال المتبقي معها , كما أنه لا يزال لديها بعض الحلي الذهبية , لذلك اعادت المال إلى سورنجان دون أن تدرك كم يمكن أن يؤذيه هذا , لذلك حملقت فيه بدهشة عندما دخل حجرتها غاضبا و سألها:
هل تعتقدين أنني سرقت هذا المال ؟ أم أنك تخجلين من أخذ المال من شخص عديم الجدوى و عاطل ! أعلم أنني لا أستطيع أن أفعل شيئا لك .. ولكنني أتمنى لو أنني أستطيع . ألا يمكنك أن تفهمي هذا ؟
كلماته طعنت قلبها ولم تنطق بكلمة


طرق سورنجان باب راتنا . فتحت بنفسها ولم تبد عليها الدهشة من رؤيته . وكأنها كانت تتوقع مجيئه , أخذته مباشرة إلى غرفتها . كانت ترتدي ساريا بسيطا من القطن وراح يتأمل جمالها . تركته و ذهبت لإعداد الشاي . كل ما نطقت به هو " كيف حالك " ؟ ولم يكن هو الآخر أكثر منها كلاما خانته الكلمات لأنه أدرك أنه جاء ليحب إنسانة أخرى بعد بارفين . لأول مرة منذ أيام حلق ذقنه و لبس قميصا نظيفا ووضع بعض الكولونيا أيضا .

والدا راتنا كانا عجوزين جدا . لها أخ متزوج و لديه أطفال . هؤلاء الأطفال الذين لم تقدمه لهم , كانوا فضوليين جدا بشأنه , وظلوا متعلقين بالقرب من الباب يصفرون كل فترة , نادى سورنجان الطفلة الصغيرة ذات السبع سنوات و سألها عن اسمها , فقالت بسعادة :
مرتيكا
ياله من اسم جميل . هل تقربك راتنا ؟
إنها عمتي
أوه
هل تعمل في مكتب عمتي ؟
لا أعمل , أنا أتسكع فقط

بشكل ما و بدا أن تعبير " أتسكع " أعجب مرتيكا وكانت على وشك مواصلة الحديث عندما دخلت راتنا الغرفة بصينية عليها الشاي و البسكويت وبعض الحمص الساخن و نوعان من الحلوى . قال سورنجان :

و يقولون أن الهندوس لا يجدون طعاما في بيوتهم هذه الأيام لأنهم لا يستطيعون الخروج ز ولكن أن هذا لا ينطبق على بيتكم . إذن متى عدت من سيلهيت

لم أكن في سيلهيت ., وإنما في مدن كثيرة و أمام عيني في هابيبونج عندما أحرقوا ثلاثة معابد
من قام بذلك ؟
من غيرهم ؟ المسلمون الذين يرتدون الطواقي و يطلقون اللحى , بعد أن دمروا معبد كالي في السوق الرئيسي نهبوا عيادة أحد أقاربي , الدكتور تابان و دمروها في الثامن من ديسمبر دمروا معبدين في سونامجوني , وفي التاسع نهبوا أربعة معابد و خمسين محلا ثم أحرقوها تماما .

لا بد أنها كانت محلات هندوسية
لم تستطع راتنا منع نفسها من الضحك :
بالطبع
مدت الشاي و الحمص الساخن إليه وقالت :
هل تعتقد أنه من الممكن البقاء في هذا البلد ؟
ولم لا ؟ هل هذا البلد من ممتلكات المسلمين ؟
ابتسمت راتنا , ومسحت لمسة من الحزن ابتسامتها

إنهم يبيعون بيوتهم و ممتلكاتهم بأرخص الأسعار في بهولا , هذا إذا استطاعوا أن يبيعوها أصلا
من يعيش في بهولا ؟ الهندوس ؟
بدون شك
تناول بعض الحمص و قال:
إذن لماذا لا تقولين هذا ؟

كان يعلم أنها لا تحتاج إلى هجاء . حقيقة أن من يتعرضون لهذه المعاناة هم الهندوس. مع ذلك أصر أن تقول أن "الهندوس" هم الذين يطردون . ومهما كان مافهمته راتنا من سلوكه فإنا لم تفعل شيئا سوى التحديق فيه وهو يأكل . عقل سورنجان كان مركزا على شيء واحد فقط هو أنه أصبح مستعد ذهنيا اليوم أن يقول لها بدون تردد : " أحبك كثيرا وإذا كنت تهتمين بذلك يسعدني أن أتزوجك "

عندما نهضت راتنا لإحضار كوب من الماء لمست يده حافة ساريها أثناء مرورها أمامه , ارتعش من اللمسة وفكر أن زواجه منها سيكون شيئا جميلا . إنه لا يريد أن يتزوجها لكي يرسخ حياته الضائعة وإنما لعلمه بأنه سيسعد معها . ولكن ماذا عنها ؟ والذي يختبئ في أعماق عينيها ؟ شعر سورنجان ببعض الإحباط من أنه لا يعلم السبب . قال لها :

جئت لأرى إن كنت " سليمة "
" سليمة " ؟ الكلمة لها معنى واحد لدى الرجال و معنى مختلف عند النساء ما الذي جئت لتراه فعلا ؟
الاثنين

ضحكت راتنا و خفضت رأسها . لم يكن هناك بريق يتلألأفيها عندما ابتسمت , ولكنه وجد متعة في مراقبتها . ودون أن ير فع عينيه عنها تسائل عما إذا كان كبيرا في السن بالنسبة لهل ! هل هو غير مناسب للزواج بالمرة ؟ بينما تدور هذه الأفكار في راسه لاحظ أن راتنا عادت تحدق فيه من جديد . بدا أن هناك نظرة من الافتتان في عينيها . سألته بابتسامة :
ألا تزال مصرا على قرارك بعدم الزواج ؟

فكر سورنجان بعض الوقت قبل أن يجيب :
الحياة مثل النهر , هل تعرفين ؟ النهر لا يتوقف عن التدفق عند أي نقطة ؟القرارات ايضا تتغير , إنها لا تبقى بدون تغير طوال الوقت

استمعت إليه راتنا وعندما نهض ليرحل ضحكت بجمال و قالت :
الحمد لله!

باعتبار ما يتعرض له الهندوس , و الموقف العام , بدا أنه من غير اللائق قليلا أن يسمع كلمات " الحمد لله " ولكن سورنجان لم يتضايق . لم يحتاج أن يسألها عما تعنيه لأنه عرف بالضبط ماالذي دفعها إلى ابداء تلك الملاحظة , أمدته راتنا بنوع من السعادة النقية الخالصة وأراد أن يمسك بأصابعها النحيلة الصغيرة بين أصابعه و يقول " هيا , لنذهب غلى الغابة و حيث نستطيع أن نستلقي معا , تحت حماية القمر و سنطلب منه ألا يخفي ضوءه " كما أراد أن يقول : " فلنغير هذه الأفكار المتخشبة و القرارات القديمة ونصنع شيئا معا " لكنه لم يسنطع أن يقول أي شيء من هذا و مرت اللحظة , نظرت إليه راتنا وهو ينزل السلم وقالت :

أرجوك عد لزيارتنا فقد شعرنا بالاطمئنان أن هناك من يقف إلى جوارنا و أننا لسنا وحدنا .

شعر سورنجان مجددا بحيوية الربيع التي أيقظتها في قلبه ذات مرة العصفورة الصغيرة البهيجة بارفين , ورأى أنه في طريقه للتحليق في سماء السعادة التي فتحتها له بارفين مرة أخرى .


جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 10:08 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #6
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادس
التقط سورنجان الجرائد مع كوب شاي الصباح . شعر باسترخاء اليوم بعد أن قضى ليلة من النوم الهادىء. بعد تصفح الجرائد نادى أخته قائلا :

مابك يا مايا ؟ لماذا تبدين كئيبة طوال الوقت ؟

لا شيء ... أنت الذي تتصرف بغرابة . إنك حتى لم تجلس بجوار أبينا ولو مرة

لا أستطيع مواجهة هذا الموقف . لا أستطيع أن أرى رجلا اعتاد أن يكون وافر القوة و العافية راقدا هكذا مثل خشبة ! والأسوأ أن أراكما هناك جالستان تبكيان , بالمناسبة , لماذا أعادت أمنا النقود التي أعطيتها لها ؟ هل لديها الكثير من المال ؟

د لقد باعت أساورها الذهبية
حسنا هذا شيء جيد فأنا لا أحب الحلي إطلاقا
لا تحبها ؟ إذن لماذا اهديت بارفين خاتما من اللؤلؤ ؟
كنت ساذجا وغير ناضجا وقتها , ولا أتمتع بالكثير من الذكاء إذا أرت الحق
سألته مايا بابتسامة :
هل نضجت الآن ؟

أسعدت الابتسامة سورنجان , فقد مر وقت طويل لم ير فيه ابتسامة اخته . وحتى يطيل من ابتسامتها فرد أمامها الصفحة الأولى من الجريدة و قال :

انظري إننا نعيش في بلد يحيا فيه الناس من مختلف الطوائف في وئام , كفوا عن الطائفية و عاقبوا الذين ارتكبوا أعمال الشغب الجماعية من قتل و نهب و سرقة ..
هذه هي الرسالة العاجلة " لوفد سلام كل الأحزاب " في الهند هدأت أعمال العنف . أعلنت المحكمة العليا عدم قانونية احتلال أراضي مسجد بابري بالقوة . و أعلن نارشمها راو أن هدم المسجد هو بالكلمل من عمل الحكومة المحلية لولاية أتار ياريشار و جوجارات و ماهارا شترا لا تزال تحت حماية الجيش . قوى اليسار أعلنت الحرب الشاملة ضد الطائفية . اليوم يعقد اجتماع في بالتان دعا إليه الحزب المركزي البنغالي .. حزب " رابطة عوامي " أعلن عن تشكيل فريق سلام للحفلظ على الوئام الطائفي . لجنة التنسيق بين المدن طالبت بالقبض على المسئولين عن إثارة حوادث الشغب . لجنة محو الطائفية دعت لاجتماع اخر . مسيرة سلام كل الأحزاب تعقد في تونجي . كتلة الثقافات المتعددة رفعت شعار " بنجلادش ستنتصر على الطائفية بالتأكيد " اعلنت خمسون شخصية بارزة أن كل المواطنين يتحكلون مسئولية الحفاظ على الوحدة الوطنية . الكولونيل أكبر أعلنه لا بد من اجتثاث جذور الجماعات الفاشية . في باريسال تشكلت لجنة من مختلف الطوائف . اتحاد مدرسي جامعة داكا أعلن أن انهيار الوئام الطائفي من شأنه أن يدنس حرمة " شهر النصر " القادم . بض على 28 شخصا في دهاموي بتهمة نهب المعابد . حاكم غرب البنغال أعلن أنه يشعر بحزن عميق لأن الهند فقدت احترامها في نظر العالم .

انت تقرأ الأخبار الجيدة فقط

عارضته مايا وهي تجلس على الفراش تضع ساقا فوق الأخرى وأخذت منه الصحيفة و قالت :
ماذا عن بقية الأخبار . عشرة الاف أسرة تعرضت للتشريد في بهولا , حرق 700 منزل في شيتاجونج . تدمي المعابد في كيشور حوني . حرق 700 منزل في مير ساري

قال سورنجان بحزم :

لن أستمع إلى أية أخبار سيئة اليوم , لأنني في مزاج رائق
لماذا ؟ لأن بارفين ستطلق ؟ لقد جاءت بالأمس , قالت أن زوجها كان يضربها كل ليلة
ثم ماذا ؟ لقد كانوا مقتنعين تماما بأنها لن تكون سعيدة إلا نع زوج مسلم . مزاجي لا علاقة له ببارفين . هذه المرة ليس فيها مسلمون .. حتى لا نطالب حين نقرر الزواج بتغيير ديننا

ضحكت مايا من قلبها . مر وقت طويل لم يسمع فيه هذه الضحكة الجميلة ! فجأة قال سورنجان بجدية :
كيف حال بابا الان ؟ ألن ينهض قريبا ؟
إنه أحسن نسبيا . يمكنه الكلام جيدا الان . ويمكنه الذهاب إلى الحمام مع المساعدة . كما بدأ في تناول الطعام المهروس . بالمناسبة بلال بهاي أتى ليلة أمس ليسأل عنك والتقى أبي , و قال أنه لا يجب أن تخرج من البيت هذه الأيام لأن هناك خطورة كبيرة في هذه

ق5فز سورنجان فجأة .. اعتقدت مايا أنها تعرف سبب تعجله و قالت :
هل ستذهب إلى مكان ما ؟
وهل أنا من النوع الذي يبقى في البيت ؟!
ماما ستقلق جدا إذا خرجت . دادا , أرجوك لا تخرج أنا أيضا قلقة و خائفة
لابد أن أعيد المال إ لى بولوك .هل معك بعض النقود ؟ أ،ت تعملين فأعطني بعض النقود من أجل السجائر
لا لن أعطيك نقودا من أجل السجائر , لا أريد لك أن تموت صغيرا

وهي تقول ذلك ذهبت مايا وأحضرت مائة تاكا . نظر سورنجان بإعجاب إلى أخته و تذكر حادثة قديمة جرت منذ سنوات طويلة . كانت مايا صغيرة جدا حينئذ . كانت قد انهارت عندما أغاظتها بعض فتيات المدرسة قائلات: " يا هندوسية يا هندوسية .. الهندوس يأكلون رأس البقرة " وعندما عادت سألته :
هل أنا هندوسية يا دادا ؟
نعم
لا أريد أن أكون هندوسية بعد اليوم . إنهم يضايقونني بسبب ذلك

سودهاموي الذي سمع حوارهما قال :
من قال إنك هندوسية ؟ أنت انسانة . ليس هناك أرقى منت هذا
في هذه اللحظة دق قلب سورنجان احتراما لأبيه . لقد تعامل مع رجال كثيرين ولكن لا أحد منهم كان في نبل و صبر وتفهم و تسامح أبيه .



في 1964 تدخل سودهاموي لإيقاف فتنة لم تنتشر لحسن الحظ بسبب تدخل الشيخ مجيب . كانت من تدبير حكومة أيوب خان لكي تعطيها مبررا لمنع ازدهار الحركات المعارضة لها . ادعت الحكومة أن أحداث العنف كانت ضدها و قاضت الطلبة و الزعماء السياسيين ومنهم سودهاموي . لم يكن سودهاموي من النوع الذي يغرق في النوستالوجيا . ولكن بدون إرادة منه تقريبا كان الماضي يعود إليه متقطعا ويؤدي إلى الحزن . تكريس حياته لخدمة البلد و رفاهيته و مستقبله .. إلى أين أدى كل هذا ؟ منذ 1975 و العناصر الأصولية التي تتولى إدارة البلد بازدياد . الناس يدركون هذا ولكن لا أحد يريد أن يقوم بأي رد فعل . أليس لهذا الجيل إحساس بالقيم ؟ أين ذهبت روح الماضي ؟ الروح التي ألهبت الشباب 1952 للخروج غي مظاهرات جماعية من أجل جعل البنغالية اللغة قومية ؟ و تعرض الشباب لمذبحة جماعية بسبب قضيتهم . أين أمثال هؤلاء الشباب الذين ضحوا بحياتهم في انتفاضة 1969 ؟ أين الثلاثة ملايين وطني الذين خرجوا عام 1971 ؟ من ورث شجاعتهم و إحساسهم بالرسالة ؟ أين هذا الحماس و الإثارة التي زجت بسودهاموي داخل الحركة الشعبية ؟ لماذا يبدو جلد شباب اليوم باردا مثل جاد الثعبان ؟ ولماذا تنتشر الطائفية هكذا في بلد علماني ؟ كأن لا أحد يدرك أية مرحلو خطيرة تهدد البلد ؟ استولت عليه هذه الأفكار . حاول أن ينهض من فراشه و لكنه فشل . الألم والفشل اللذان يعاني منهما انطبعا على وجهه المتعب

وزير الحقوق في حكومة حزب رابطة عوامي حرك في البرلمان " قانون ملكية العدو " الذي وضعه أيوب خان و حظي بكراهية شديدة تحت اسم مختلف هو " قانون الملكية المكتسبة " تحت نظام الحكم القديم كانت ممتلكات الهندوس الذين يغادرون البلد يتم إلانها " ملكية عد " ويستولي عليها بكلمات أخرى , هل أعمام سودهاموي أعداء للوطن ؟ كان لديهم الكثير من الممتلكات و الأراضي الشاسعة . اليوم يعيش في منزل مظلم رطب في تيكاتولي و على بعد منه منزل ضخم كان ملك أحد أعمامه ذات يوم ولكن الحكومة استولت عليه وفقا لقانون " الملكية المكتسية " الذي خلف قانون " ملكية العدو " لو أن هذا القانون صدر لصالح أقرب الورثة الأحياء لمن يهاجرون لخفت معاناة الهندوس الباقين بشكل كبير . وقد اقترح هذا على عدد من أصحاب المناصب الرفيعة و الهامة بدون جدوى . وكانت هذه خيبة أخرى من خيبات حياته . اليوم وهو محكوم عليه أن يعيش نصف مشلول , لم يجد سييا للاستمرار في الحياة وفكر لو أنه مات في سريره لما تأثر أحد بكل تأكيد , على العكس , ستستريح زوجته من سهر الليالي و المعاناة المتواصلة . ومرة أخرى لم يستطع منع نفسه من التفكير في فشل الحكومة في حماية المواطنين الهندوس . دستور البلد يكفل نفس الحماية و يضمن نفس الحقوق لكل مواطنيه ولكن قانون " ملكية العدو " يعد انتهاكا واضحا للدستور , وعلامة على عدم احترام الشخصية المستقلة للبلد و استقلاله . فكر سودهاموي في نياز حسين و أنور أحمد و فازلزل علام وكثيرين غيرهم رحلوا إلى الولايات المتحدة أو بريطانيا مع عائلاتهم و تركوا ورائهم أقارب بعيدين أو مستأجرين لأراضيهم ولم تعتبر ممتلكاتهم " ملكية أعداء " وهو يفكر في هذا الظلم حاول القيام من سريره . تفصد جسده بالعرق لا أحد في البيت أين ذهبت مايا و كيرونموي و سورنجان .



تمشى سورنجان في شوارع داكا القديمة . لا يزال يتذكر ميمسنج جيدا بالرغم من أنه يعيش في داكا منذ سنوات طويلة لقد ولد فيها وقضى طفولته و سبابه , عندما وضع قدميه في مياه نهر بمرينجانجا في داكا سرحت أفكاره مع نهر براهما بوترا في ميمنسج , إذا أراد المرء أن ينكر حقيقة ميلاده , يمكنه فقط أن ينكر مكان ميلاده أو النهر الذي يجري في مكان ميلاده ة. عائلة جوتام ستترك البلد و ترحل بدأوا يشعرون أن البلد لم يعد مكانا آمنا يمكن العيش فيه . إذا كان هذا هو شعورهم فلماذا يبكون كثيرا قبل رحيلهم ؟ منذ خمس سنوات جاء خال سورنجان الذي يعيش في كالكتا لزيارتهم انهار و بكى مثل طفل و سألت كيرونموي سورنجان ما إذا كان يريد الذهاب مع خاله إلى كالكتل لكنه رفض لبفكرة تماما . منذ حوالي خمس أو ست سنوات ذهب سورنجان إلى ميمنسج لحضور حفل عمل . جلي بجوار نافذة القطار وتطلع إلى حقول الأرز الخضراء الزاهية و صفوف الأشجار والأكواخ الطينية و أكوام القش و الأطفال الذين يلهون شبه عرايا في البرك الصغيرة و يحاولون اصطياد الأسماك بشبكاتهم البدائية و الفلاحين الأبرياء الذين يلتفتون في كل مرة يمر فيها القطار بجوارهم . سيطرت المشاهد على سورنجان وشعر أنه دخل قلب هذا البلد الشاعر جيربا ناندا داس تأثر بهذا الجمال لدرجة أنه رفض لأن يذهب لمشاهدة أجمل الأماكن الطبيعية في أي مكان آخر بالعالم . لكن حماسه خفت عندما لاحظ أن محطة راملا كشمانبور تغير اسمها إلى أحمد باري , وكان اسم محطة كالي بازار قد تغير إلى فاطيمة ناجار وكريشنا ناجار تحولت إلى عليان ناجار , لقد تمت أسلمة كل البلد والآن لا يمكنهم حتى إنقاذ محطات السكة الحديد الصغيرة في ميمنسنج !

وأدرك السبب الذي جعل اسم كلية بارسال بروجو موهون يختصر إلى اسم كلية ب م . وجعل اسم كلية موراي شاند يختصر إلى كلية م.ش ذلك أن الناس تحت أي ظرف لا يريدون أن ينطقوا اسما هندوسيا .

في داكا القديمة لا حظ سورنجان أن محلات الهندوس لا تزال مغلقة . كيف يفتحوا محلاتهم ؟ ومن يؤكد لهم أنه ليس هناك من داع للخوف ؟ لقد أعادوا فتحا بعد أحداث 1990 و تكررت الأحداث 1992 , ربما لأن جلد الهندوس سميك كما يبدو لهذا تمكنوا من إعادة بناء محلاتهم و بيوتهم المحطمة , على الأقل يمكن بناء البيوت والمحلات بالرمل و الاسمنت , ولكن ماذا يستخدمون لجبر قلوبهم المحطمة .

عاد عقله إلى أحداث 1990 الفظيعة عشرات من دور العبادة وبيوت و محلات الهندوسية نهبت و أحرقت و دمرت , شاهد بعضها بعينيه و سمع ببعضها الآخر . ظل سائرا بدون هدف لبعض الوقت دون أن يعرف أين يذهب .

أعطته مايا مائة تاكا لا يريد إنفاقها . فكر في عدد المرات التي اشترى فيها سجائر " بانجلا فايف " ولكن السجائر لا تدوم , ما الفائدة ؟ ليس لديه ضعف تجاه المال , كان والده يعطيه النقود لتفصيل قمصان و بنطلونات كان ينفقها على الأصدقاء . إذا أراد أحدهم أن يهرب و يتزوج فإن سورنجان يمده بالمال . ذات مرة أنفق المال المخصص لرسوم امتحاناته على ولد اسمه رحمات . أم الولد كانت في المستشفى وليس من هناك من يدفع ثمن علاجها .

فكر في الذهاب إلى راتنا , ثم واصل المشي بلا هدف عندما ترك المنزل شعر بأنه هناك أشياء عديدة سيفعلها . تمتلىء المدينة من حوله بأناس يمشون كل إلى طريقه نحو هدفه , هو وحده الذي لا يشغله شيء وليس لديه ما يفعله
في مدينة الرعب و الفزع هذه . أراد أن يجلس في مكان ما و يتحدث إلى شخص ما . هل يذهب إلى دولال أم إلى ماهديف-دا ؟ ربما يذهب إلى كاجال ديبناث . لماذا يفكر في الهندوس فقط ؟ بالأمس أتى بلال لزيارته , ويمكنه أن يرد الزيارة بالتأكيد ؟ أول أمس زاره حيدر , ولن تكون فكرة سيئة أن يزوره أيضا . ولكن هناك عائق أساسي يمنعه من زيارتهم وهو احتمام مناقشة قضية مسجد بابري و ما يحدث في الهند و عدد الموتى , وما يقوله زعماء حزب بهرتيا جاناتا والمدن التي نزل فيها الجيش بقواته , والذين قبض عليهم و ألأحزاب التي حظرت . سورنجان كان متعبا من كا هذا بهارتيا جاناتا في الهند هو الجماعة الإسلامية في بنغلادش . الهدف واحد وهو تأسيس ما يسمى بالأصولية . لو أنه هنالك فقط مجال لحذف الدين من جدول الأعمال الأساسي في كلا البلدين !

الدين يفرض نفسه بقوة على المناخ الاجتماعي . ومن الصعب جدا على شعوب العالم الثالث الفقيرة و الضعيفة و المعذبة أن تهرب من قبضته الحديدية . تذكر أحد أقوال كارل ماركس المفضلة لديه :" إن المشاكل التي تتعلق بالدين هي في الحقيقة تجل لأوجه النقص العملية و اعتراض عليها أيضا ., الدين هو تنهيدة المعذب و المضطهد , قلب هذا العالم الذي لا قلب له , وروح المجتمع الذي لا روح فيه , الدين هو أفيون الشعوب "

ردد هذه الكلمات لنفسه وه ويتجول في شوارع المدينة المزدحمة . تمشى حتى ما بعد الظهر وفي النهاية وصل إلى منزل كلجال . مثل كل الهندوس هذه الأيام كان في بيته . وكان هناك آخرون :

ما الحكاية؟ إنه اجتماع هندوسي كما أرى .
- ما الأمر ة؟ لماذا يعبس الجميع هكذا ؟ ألأن الهندوس يضربون ؟
قاطعه سوبهاس:
هل هناك شيء يدعو للسعادة ؟

كاجال ديبنات كان عضوا في جمعية الهندوس و البوذيين والمسيحيين . لم يؤيد سورنجان الجمعية لأنها بدت له ذات نكهة طائفية . لو وقف بجانب أي هذه الجماعات , فلن يكون هناك معنى لمناداته بتحرير السياسة من الدين . كانت وجهة نظر كاجال أنه بعد 40 سنة من الآمال و التطلعات , تأسست الجمعية كخندق حماية أخير للحفاظ على احترامهم لأنفسهم و استقلالهم ز

هل اعترفت خالة أبدا بأن الطائفية تغزو البلد ؟

عندما أثار أحد الحاضرين هذا السؤال أجابه شخص آخر:
وما الذي فعله " رابطة عامي " بهذا الخصوص ؟ إنهم يعطون أعذارا ويحاولون تفسير الموقف . لكن هذا ما تفعله الجماعة الإسلامية أيضا ... عندما فازت رابطة عوامي بالحكومة في الانتخابات الأخيرة أثاروا وعدا زائفا بأن كلمة " بسم الله " سوف تحذف من الدستور . الآن بعد أن فقدوا السلطة رأوا أنهم بمعارضتهم التعديل الثامن سوف يخسرون شعبيتهم أم أنهم يريدون أن يكونا أصحاب مبادىء ؟ لو أن المبادىء تعني لهمك شيئا , فلماذا لا يقولون شيئا ضد التعديل الثامن ؟

قال سيد الرحمن مدافعا عن " رابطة عوامي " :
ربما يعتقدون أن من العملي أن يسعوا إلى السلطة أولا , ثم يقومون بالإصلاح بعد ذلك .
قال كاجال :
لا يمكن أن تثق بأحد . أي شخص سيصل إلى السلطة سوف يمتدح الإسلام وفي الوقت نفسه ينتقد الهند بقدر الإمكان . الناس هنا مغرمون بشيئين : انتقاد الهند ومعارضتها و امتداح الإسلام
وكن يا كاجال-دا , ألا تعتقد أنه من الأفضل أن تشكل جماعة غير طائفية أفضل من هذه الجمعية ؟ ولماذا لا يكون سيد الرحمن عضوا فيها ؟
غياب سيد الرحمن ليس بسببنا , ولكن بسبب هؤلاء الذين اخترعوا فكرة الدين القومي . من قبل لم يكن لدينا سبب لتشكيل هذه الجمعية , لماذا شكلناها الآن ؟ ببساطة لأن بنجلادش لم توجد من تلقاء نفسها . ولكن بفضل الجهود المشتركة للهندوس والمسلمين و البوذيين و المسيحيين . أن نعلن أن ديتا بعينه هوا لدين القومي هو نوع من التمييز الطائفي ضد أصحاب الديانات الأخرى . حب المرء لبلده لا يختلف من شخص لآخر أو من طائفة لأخرى . إنه شعور عالمي , ولكن عندما تجد مجموعة من الناس أن دينها يعتبر من الدرجة الثانية أو الثالثة لأنهم لا ينتمون إلى الدين القومي , وعندما يكونون مصنفين أيضا كمواطنين من الدرجة الثانية , فإن كرامتهم ستجرح بشدة . فهل يمكن أن تلومهم بعد ذلك إذا تحولت قوميتهم إلى طائفية ؟

بما أن السؤال كان موجها إلى سورنجان فقد اضطر إلى الإجابة بصوت خفيض :
ولكن في دولة حديثة كيف يمكن أن تبرر وجود هذه الجمعية الطائفية ؟
أجاب جاتين شاكر فارتي بسرعة ك
من المسئول عن الإحساس بهذه الطائفية بين الأقليات ؟

استمر الحديث عن الأصول العلمانية و مضاهر التمييو بين الهندوس و المسلمين في مختلف المجالات في بنجلادش . تمدد سورنجان على السجادة بجانب كاجال و قد أنهكه الجوع و التعب . سمع سوبهاس يتحدث عن الاقتراحات التي تقدم بها إلى الحكومة لتعويض الهندوس عن ديارهم و معابدهم , فقاطعه قائلا :
هذه الحكزمة لن تقبل اقتراحا واحدا من اقتراحاتك
و اكد كبير شودهري على كلامه :
أتفق معك أن وزير الاسكان غير جدير بمنصبه و خائن
قال سيد الرحمن :
من المرعب أن يكون هؤلاء الخونة في الحكم الآن . لقد غفر لهم الشيخ مجيب ومنحهم ضياء الرحمن السلطة واستثمرهم إرشاد في سلطات أوسع , ووصلت خالد إلى السلطة بدعم منهم

نابال باس الذي كان ينتظر دوره في الكلام صابرا انتهز الفرصة ليندفع في سرد قائمة طويلة من حوادث العنف الجديدة ضد معابد وبيوت و مدارس الهندوس

وعندكما بدا أنه لا نهاية لقائمته قاطعه سورنجان :
أرجوك بحق الله توقف , بدلا من ذلك لماذا لا تغني لنا أغنية ؟
أصيب الجميع بصدمة بالغة , حاول تلاباس بال أن يتكلم مجددا موضحا له خطورة ما يحدث , إلا أنه قاطعه مرة أخرى مغيرا الموضوع :
كاجال-دا أنا جوعان جدا , هل يمكن أن تقدم لي بعض الأرز ؟
أرز في هذه الساعة ! ماذا أصاب سورنجان ؟

استمر يتبادل أخبار العنف .. سورنجان شبه النائم كان يستمع إلى شذرات متفرقة عن الممتلكات التي يستولى عليها و النساء اللواتي يغتصبن . فجأة نادى أحدهم قائلا :
اصح يا سورنجان اصح وصل الأكل

لا بد أن كاجال-دا هو الذي ناداه و هكذا كانت تناديه مكايا دائما : " دادا تعال الأرو جاهز , هيا " فكر سورنجان بشكل ضبابي : لا بد أن يشتري بعض الحبوب المنومة الليلة بالنقود التي أعطتها له مايا . شعر أنه لم ينم منذ وقت طويل . بق الفراش يبدأ في القرص بمجرد هبوط الظلام . سريره كان يمتلىء ببق االفراش . تذكر كيف كانت أمه تنظف له الفراش دائما في طفولته . عندما يعود سوف يطاب من مايا تنظيف الفراش . البق يعضه طوال الليل , حتى في رأسه , مجرد تذكر ذلك يجعل رأسه يتألم , شعر بالإعياء . عندئذ سمع أحدهم يقول ( ربما كان تاباس ) إن ثلاثين معبدا تعرضت للاعتداء بجوار مسكنه و كذلك كل البيوت المحيطة بها . و سرعان ما التقط الخيط شخصا آخر ليسرد ما يحدث في منطقته ... لو يغلق أذنيه بالقطن ! كل شيء حوله يتحور حول مسجد بابري و حكايات الحرق و التدمير , لو أنه ينعم ببعض السلام و الهدوء . ما أروع أن يستطيع الهروب إلى ميمنسنج حيث الأضرار أقل بكثير لو يستطيع أن يستحم في مياه براهما بوترا لعل الشعور باحتراق ظهره يخف بعض الشيء , وقف على قدميه وكان معظم الموجودين قد رحلوا و كان على وشك الرحيل أيضا عندما قال كاجال-دا :
الطعام على المائدة ألن تأكل ؟ كيف تنام في هذه الساعة؟ هل أنت بخير ؟

تمطى سورنجان و قال :
لا يا كاجال-دا لا أريد أن آكل . أنت على حق , أشعر أنني لست بخير
ماذا تعني ؟
لا أعني شيئا , ولكن أخبرني , ماذا افعل ؟ أحيانا أشعر بأني جوعان جدا , وقبل أن آكل يتلاشى إحساسي بالجوع . لابد أنها الحموضة , أشهر بالنعاس و لا أستطيع أن أنام
وضع جاتين شاكرا فارتي يده على كتفي سورنجان و قال :
أنت تنهار تمالك نفسك . لن ندع ذلك يحدث لأي منا , في النهاية لابد لأن نستمر

كان سورنجان واقفا منكس الرأس , كلمات جاتين دا تبدو مثل نصائح والده لقد مر وقت طويل لم يجلس فيه بجانب أبيه المريض , قرر أن يعود للبيت حالا . هذا ما يحدث دائما عندما يزور كاجال-دا يكون هناك عدد كبير من الناس و مناقشات حامية في السياسة و القضايا الأخرى حتى وقت متأخر من الليل رحل دون أن يأكل . لا بد أن وقتا طويلا قد مر على آخر مرة أكل فيها في البيت .فكر أن يفعل ذلك اليوم بصحبة أخته ووالديه . الحواجز تفصل بينه و بين بقية أسرته . وهو السبب , قرر أن يكسر الحواجز اليوم , أن يضحك ويتحدث مع الجميع و يشعر بالرضا و السعادة كما كان يشعر بالصباح . لن يذهب إلى شخص آخر . لا إلى بولوك و راتنا . سوف يذهب مباشرة إلى تيكاتولي , يأكل أي شيء متوفر ويسهر معهم ثم ينام بسلام . رافقه كاجال-دا حتى البوابة , و قال له بقلق :

لا يجب أن تتنقل كثيرا . نحن لا نغامر بالخروج إلى أبعد من المنطقة المجاورة وها أنت تجوب البلدة كلها لوحدك .

لم يكن لدى سورنجان ما يقوله . بدأ السير بخطوات واسعة . معه ما يكفي لاستئجار عربة ريكشا , ولكن قلبه لم يطاوعه على إنفاق نقود مايا , إنه لم يدخن طوال اليوم ولكن الآن في نهاية اليوم بالرغم من حرصه على النقود اشتاق غلى التدخين . توقف عند إحدى المجلات و اشترى سيجارة " بانجلا فايف " و أشعلها , جعلته يشعر بأنه ملك . واصل إلى تقاطع كاكريل و استأجر عربة ريكشا . هذه الأيام , قال لنفسه , تنام المدينة مبكرا مثل رجل مريض , ماهي علة المدينة ؟
وهو يفكر في هذا , تذكر صديقا كان له " دمل " في ظهره , وكان يصرخ طوال اليوم , ولكنه لم يعالجه أبدا بسبب خوفه الشديد من العلاج , وخصوصا الحقن . هل المدينة مصابة بدمل في ظهرها ؟
فكر سورنجان في ذلك , وهو يجلي في الركشا المنطلقة باتجاه البيت




سال سودهاموي :

مايا , ما حكاية سورنجان ؟ هل تعلمين أين يمكن أين يكون في هذه الساعة ؟
قال أنه سيذهب إلى بولوك-دا . لابد أنه هناك
هل هناك سبب يدعوه للبقاء خارج المنزل حتى حلول الظلام ؟
لا أعلم .. ولا افهم المفروض أن يكون قد عاد
ألا يدرك أننا قد نقلق عليه وأنه يجب أن يعود إلى البيت في وقت معقول ..

حاولت مايا أن تهدىء سودهاموي :
لا تزعج نفسك . لا ينبغي أن تتكلم كثيرا , استرح فحسب , وبعد تناول الطعام سوف أقرأ لك إذا أردت وفي العاشرة يجب أن تنام بعد أن تتناول أقراصك . عند ذلك اليوم سيكون قد عاد بالتأكيد , لا تقلق

أنت تمرضينني و تعيدين لي صحتي قبل الأوان يا مايا . كنت أستطيع البقاء في الفراش أياما أخرى . هناك عيوب في أن يكون المرء بصحته أيضا .

قالت مايا , وهي تجلس بجواره و تسحق الأرز الخاص به :
مثل ماذا ؟
أنت تطعمينني , ,أمك تدلك لي جسدي , و تضغط لي صدغي .. هل كنت سأحظى بهذا الحب و العناية لو كنت بصحتي ؟ عندئذ كنت سأنشغل بمرضاي , و الذهاب إلى السوق , وربما الشجار معك ..

ضحك سودهاموي عاليا , وتأملته ابنته بدهشة . هذه أول مرة يضحك فيها منذ مرضه , بعد ذلك بقليل , طلب من زوجته فتح نوافذ البيت :

ليدخل بعض الهواء المنعش . لا أشعر بهواء الشتاء إطلاقا . هل تعتقدين أننا لا نحب الهواء النقي سوى في الربيع . عندما كنتع صغيرا , كنت أجوب في الشوارع ألصق الملصقات على الحوائط في برد الشتاء القارص , وأنا لا أرتدي سوى قميص خفيف جدا على ظهري . في كل المناطق الجبلية في سوشونج دور مع موني سينج . هل قلت لك شيئا عن حركة تونك الشعبية و عصيان هاجونج في تلك الفترة يا كيرونموي ظ


كان ذهن كيرونموي أكثر استرخاء , قالت لزوجها :
قلت لي الكثير عن هذا بعد زواجنا إذا كنت أتذكر , فأنت قضيت ليلة مع موني سينج في بيت غريب في نيتراكونا .
قال سودهاموي فجأة :
كيرونموي .. هل ارتدى سورنجان ملابس ثقيلة ظ

كشرت مايا بتهكم و قالت :

بالطبع لا .. بل إنه يرتدي قميصا خفيفا كما كنت تفعل . أنه ثوري " مودرن " في النهاية 1 لا يتأثر برياح الطبيعة أنه مشغول برياح التغيير !

قالت كيرونموي بغضب:

السماء اعلم أين يحوم طول اليوم حتى الآن .. ماذا يأكل .. ما الذي يأكله بالمرة .. إن إهماله يزداد كل يوم .

عندئذ سمعوا طرقة واحدة على الباب . هل عاد سورنجان ظ نهضت كيرونموي و ذهبت لفتح الباب .. هذه هي الطريقة التي يقرع بها سورنجان الباب , ولكنه عادة يذهب إلى غرفته مباشرة عن طريق الباب الخاص به إذا كان الوقت متأخرا . بما أن الوقت غير متأخر جدا فلا بد أنه هو . كانت مايا تخلط الدال بالأرز لإطعام سودهاموي . فكرت أنه إذا صنعت من الخليط كرات مستديرو ناعمة سيكون من السهل عليه ابتلاعها . منذ أن سقط مريضا وهو يعيش على السوائل , وأخيرا سمح له بتناول الطعام المهروس . أعدوا له سمكا خفيفا بالكاري مع الدال والأرز


بينما كانت مايا تخلط السمك بالأرز , سمعت الطرقة على الباب . اتجهت الوالدة إلى الباب و سألت من الطارق , أرهف زوجها أذنيه ليسمع , كان هناك رد غير واضح . فتحت الباب . وفي ومضة عين اندفع سبعة رجال إلى الداخل , أزاحوا كيرونموي عن طريقهم , كان أربعة منهم مسلحين بالقضبان , ولكن كل شيء حدث في سرعة كبيرة لدرجة أنه كان من الصعب معرفة بقية ما يحملونه . كلهم في حوالي الحادية و العشرين من العمر , اثنان منهما يرتديان الطاقية و البيجاما و الباقون يرتدون القمصان و البنطلونات , لم يضيعوا وقتا , على الفور بدأوا في تحطيم كل شيء في الغرفة بطريقة مرتبة , و ببرود . لم ينطق أحدهم بكلمة واحدة . كانت الأصوات الوحيدة التي تسمع هي تحطم الموائد و المقاعد و جهاز التلفزيون و المرايا. الزجاجية و أرفف الكتب و المراوح .. و قماش الملابس التي تتمزق غلى قطع صغيرة . حاول سودهاموي المرعوب أن يجلس مستقيما , دون جدوى و صرخت ابنته " بابا .." كيرونموي المذهولة ظلت واقفة بمكانها عند الباب المفتوح . وعندما اقتربوا من نهاية مهمتهم , سحب أحدهم ساطورا و قال مهددا :

يا أولاد الحرام ! هل تعتقدون أنكم ستفلتون بتدمير مسجد بابري ؟

بجنون ووحشية واصل الشبان تدمير ممتلكات آل دوتا . أفراد الأسرة العاجزة و الصامتة راقبوا بيتهم وهو يتحول إلى خراب .. ثم انفك سحر الصمت عنهم عندما أمسك أحد المعتدين بمايا . صرخت أمها برعب و تأوه سودهاموي المريض . في محاولة يائسة للنجاة أمسكت مايا بيد السرير . جرت أمها و ألقت نفسها فوق ابنتها , و خلصوا قبضة مايا من السرير ورحلوا بنفس السرعة التي جاءوا بها , حاملين معهم الجائزة التي فازوا بها . استعادت كيرونموي نفسها و جرت وراءهم تصرخ و تتوسل :

أرجوكم اتركوها, أرجوكم اتركوا ابنتي

كانت عربتا ريكشا في انتظارهم بالخارج , يدا مايا لا تزالان ملطختان بالكاري و الأرز , ملابسها مفتوحة مثل عيناها الجاحظتين بالهلع ,. وهي تصرخ نحو أمها :

أمي .. أرجوك أمي ..

صارعت آسروها وهو يجرونها بعيدا , وهي تنظر خلفها بألم و رعب , تأمل ضد الألم أن تستطيع أمها إنقاذها . حاولت أمها بأقصى ما تستطيع , دون أي مبالاة بسلامتها الشخصية , ألقت بنفسها عليهم و تفادت الساطور اللامع الذي وجهوه إليها , و حاولت أن تمسك بمايا , ولكن الرجلين الممسكين بابنتها تفاديا هجومها وزجوا بمايا داخل إحدى العربتين , وبينما العربة تسرع , جرت كيرونموي خلفهم تصرخ و تنوح :

إنهم يخطفون ابنتي .. الحقوني

عند ناصية الشارع نفذت قوتها فتوقفت . شعرها و ملابسها في حالة مزرية . رأت موتى مايا أحد معارفها و ترجته :

دادا , خطفوا مايا , ساعدني أرجوك

نظر الرجل إليها مشدوها , كما فعل الجميع من حولها , كأنها شحاذة مجنونة تتسول الفضلات . استجمعت ما بقي لديها من قوة , وجرت في ظلام الليل بدون جدوى , تطارد ابنتها التي اختطفت ..


فوجىء سورنجان بأن الباب الأمامي مفتوح على مصراعيه . وهو يخطو إلى الداخل , صعق من الدمار الذي ملأ عينيه . المناضد مقلوبة , الكتب مبعثرة في كل مكان . المراتب و الملاءات ممزقة فوق السرائر , دولاب الملابس محطم و الملابس مكومة , لهث سورنجان وهو يتنقل بين غرفة و أخرى . الزجاج يتكسر تحت قدميه . وجد أباه على الأرض يتأوه من الألم , ما يا و كيرونموي ليستا هناك , خاف أن يسأل أبيه عما حدث في غيابه . وهو يحاول صياغة الأسئلة وجد أن صوته يرتعش من الصدمة . قال أبوه بصوت بالغ الضعف :

خطفوا مايا

الصدمة تحولت إلى غضب و خوف

ماذا تعني ؟ خطفوها ؟ من ؟ أين ؟ متى ؟

لم يستطع أبوه الرد و سرعان ما انهارت قواه . رفعه سورنجان و أرقده على السرير برقة. أنفاسه قصيرة و لاهثة و جسده يتفصد بالعرق . همس سورنجان :
أين مايا ؟

كان وجه سودهاموي بالغ الشحوب . وبدا واضحا انه في سبيله للموت إذا لم ينقذه أحد . حيرة سورنجان كانت مرعبة . هل يبقى مع أبيه أم يذهب للبحث عن أخته ؟ ارتعد من الخوف و الياس . طفت برأسه رؤية للبحر الثقيل الذي يهدد بابتلاعه . و تبعتها رؤية الكلاب الضالة التي تتحلق حول قطة ضعيفة عاجزة . اتخذ قراره و توجه إلى الباب . قبل أن يرحل , ربت يد أبيه الفاقدة لاإحساس وقال :

سوف أعيد مايا مهما حدث يا أبي

توجه إلى منزل حيدر . طرق الباب بقوة أحدثت جلبة شديدة حتى أن حيدر نفسه جاء بنفسه مسرعا و فتح الباب . اندهش من رؤية سورنجان

ماذا هناك يا سورنجان ؟ ماذا حدث ؟

لم يستطع سورنجان أن يجيبه . كان الألم و الياس اللذين يشعر بهما انتزعا منه القدرة على الكلام . اخيرا نجح في أن يقول بصوت متكسر بالمشاعر :

لقد خطفوا مايا

متى حدث هذا ؟

لم يجب سورنجان . تجهم وجه حيدر , كان عائدا للتو من اجتماع للحزب , وعلى وشك تغيير ملابسه عندما أتى سورنجان , صدمه مشهد سورنجان , الذي بدا كإنسان ضاع منه كل شيء في إعصار . كان يمسك بالباب ولكن يديه بدأتا في الارتعاش حتى أنه كورهما في قبضتين . وضع حيدر يده على كتفه وقال في محاولة لتهدئة صديقه :

اهدأ. فلندخل و نعرف كيف نتصرف

عندما لمس يد سورنجان انهار و ارتمى بذراعيه على حيدر باكيا ك
اعد مايا إلى البيت يا حيدر .. أرجوك أعد مايا

بدا عذابه واضحا في هذه الشهقات الهائلة التي تهز جسده . وأخيرا سقط عند قدمي حيدر الذي نظر إليه برعب . لم يتصور أبدا أن صديقه القوي الصلب قد وصل إليه هذه الحالة . أوقف سورنجان على قدميه و بالرغم من جوعه قرر تأجيل الأكل , و قال :

هيا , لنذهب ونرى ما يمكن أن نفعله

فوق دراجة حيدر البخارية انطلقا خلال حواري و شوارع تيكاتولي و مر حيدر ببيوت صغيرة فقيرة و أخرى فاخرة , تحث إلى عابر مثير للشبهات وتباحث مع شاب حسن الطلعة . دخل مناطق قريبة لم يكن أصلا يعرف أنها موجودة , وفي النهاية لم يخرج بشيء , تركا تيكاتولي باتجاه " الطريق الإنجليزي " و اخترقا شوارع كثيرة و أماكن عديدة , وكل جزء في المدينة اعتقد حيدر أنه يصلح كمكان للاختباء ولكن لم يعثرا على أثر لمايا . طرق حيدر أبواب بيوت كثيرة , تحدث و تحدث مع أناس لم يرهم سورنجان في حياته ... ولاشيء

في كل مرة كان يتوقف فيها حيدر , كان الأمل يعاود سورنجان .. أنه في هذه المرة سوف يجدان مايا ! لابد أنها مقيدة و ربما يضربونها , ولكنه سيعثر عليها . ولكن ماذا لو لم يكتفوا بضربها و كانوا يفعلون شيا آخر ؟ أرهف أذنيه عله يسمع بكاء مايا لو كانت قريبة . فجأة أثناء عبورهما سوق لاكشي كلب سورنجان من حيدر التوقف , اعتقد أنه سمع بكاء مايا , تتبعا الصوت حتى مصدره فوجدا أنه صوت بكاء طفل في احد البيوت . تأخر الوقت لكنهما واصلا البحث . لم يطيلا البقاء في أي مكان , لأن مجال البحث كان كبيرا . في كل زقاق يقف مجموعة من الشباب ينظرون إليهم بعيون حمراء و نظرات دموية . وعندما ينظر إليهم سورنجان يراوده اليقين بأن هؤلاء هم المسئولون عما حدث لمايا .

حيدر أين مايا ؟ لماذا لا تستطيع أن تجدها ؟ لا بد أن أجدها الليلة ,لابد ؤ..

لقد فحصت كل خرم في المدينة . ماذا أفعل غير هذا ؟

سورنجان كان يدخن سيجارة نلو الأخرى . مزقته فكرة أنه اشتراها بنقود مايا

فلنذهب و نأكل شيئا في محل " سوبر ستار " إنني جوعان جدا .

طلب حيدر طبقين من الفطير و اللحم . حاول سورنجان أن يأكل , قطع الفطيرة إلى قطع , ولكن لم يستطع تحمل رفعها إلى فمه . بينما الدقائق تمر , بدا أن الخواء يكبر في قلبه أكل حيدر بنهم , وبعد أن انتهى أشعل سيجارة . حثه سورنجان على مواصلة البحث ك

هيا لنتحرك , لازلنا لم نعثر عليها .

أين يمكن أن نبحث أيضا ؟ قل لي لقد رأيت بنفسك كيف بحثنا في كل مكان !

داكا مدينة صغيرة , كيف نفشل في تحديد مكانها ؟ هيا لنذهب إلى مخفر الشرطة

عندما حكى سورنجان الواقعة كلها في المخفر , استمع إليه رجال الشرطة بنظرات جوفاء لا مبالية . في النهاية نجح في تحرير بلاغ مكتوب . في الخارج قال حيدر :

لا أعتقد أنهم سيفعلون شيئا
ربما يفعلون
فلنذهب إلى وارى , هل تعرف أحدا هناك ظ
لقد كلفت زملاء الحزب بالمهمة و سوف يبحثون أيضا فلا تقلق كثيرا

كان واضحا أن حيدر بذل أقصى ما يستطيع , ولكن سورنجان لم يكتف كان القلق يقوده . واصلا التجول طوال الليل على الدراجة البخارية في المدينة القديمة . ذهبا إلى كل " غرزة " ووكر في المدينة إلى أن حان وقت صلاة الفجر لحيدر . دائما ماكان يحب سورنجان صوت الأذان ولكن اليوم لم يستطع احتماله . صوت الأذان كان يعني مجيء الفجر و مايا لم يعثر عليها لعد . توقف حيدر في تيكاتواي , وقال بأرق ما يستطيع :

لا تيأس يا سورنجان . فلنفكر فيما يجب أن نفعله

في البيت جلست الأم وسط الحطام تتطلع بشغف ويأس نحو الباب حتى الوالد المشلول الذي ازداد ضعفا بفعل الإثارة وعدم النوم كان يأمل ضد الأمل أن يعود سورنجان بمايا . ولكن عندما شاهدا ابنهما المتعب الحزين يعود خالي الوفاض تلاشت كل الآمال . هل هذا يعني أنهما لن يريا مايا مرة أخرى , كانا مصدومين بالخوف و الحزن . جو الشؤم ملأ البيت الذي يفوح برائحة مقبضة بسبب نقص الهواء النقي . كل الأبواب و النوافذ كانت مسدودة و مغلقة . لم يرغب سورنجان في التحدث مع والديه اللذين جلسا صامتين ومهمومين ومرعوبين , تمتلىء عيونهما بالأسئلة جلس على الأرض بضجر ومدد ساقيه . شعر برغبة في التقيؤ فكر , الآن, لابد أ، العصابة اغتصبتها . لو أنها تعود وحسب , كما فعلت بعد يومين من الاختفاء و هي طفلة في السادسة من عمرها . الباب مفتوح وكل شيء سيكون على ما يرام إذا دخلت الان , حزينة ومرهقة , ربما, ولكن حية و عائدة إلى أسرتها الممزقة . ياليتها تعود إلى هذا المنزل الصغير المنهار المدمر كلية . وعده حيدر بمواصلة البحث في اليوم التالي . طالما أنه وعد فإن سورنجان يستطيع أن يحلم بعودتها ؟ ولكن لماذا خطفوها ؟ لأنها هندوسية ؟ كم سيتحمل الهندوس من اغتصاب و حمام دم و ضياع ممتلكات كثمن لبقائهم في هذا البلد ؟ يخفون رؤوسهم مثل السلاحف .. ولكن إلى متى ؟ لو أنه ينتظر إجابات عن هذه الأسئلة فلن يحصل عليها.


جلست كيرونموي و ظهرها إلى الحائط تقول بصوت بالكاد يسمع دون أن توجه حديثها إلى أحد : لقد قالوا:" جئنا لنطمئن عليك يا ما شيما , نحن من الجيران , افتحي الباب " . كم كان عمرهم ؟ لا يزيد عن واحد أو اثنين و عشرين عاما . ماذا كنت أستطيع أمام قوتهم ؟ ذهبت إلى كل بيوت المنطقة أرجو المساعدة .. لكنهم اكتفوا بالاستماع , متعاطفين معي , ربما , ولكن أحد منهم لم يساعدني . واحد منهم اسمه رفيق , سمعت واحد منهم كان يرتدي طاقية يناديه بهذا الاسم ... بقد كانت في بيت بارول . كانت ستنجو لو بقيت هناك . هل ستعود مايا إلى البيت ؟ لماذا لم يحرقوا البيت و يتركوها ؟ لأنه ملك رجل مسلم على ما أعتقد ! لماذا لم يقتلوني و يتركوها ؟ إنها طفلة بريئة . حياتي انتهت تقريبا و لكن حياتها على وشك أن تبدأ .

امتلأ رأس سورنجان بالدوار و الألم الفظيع , اندفع نحو الحمام و تقيأ بلا تحكم .




جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 10:10 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #7
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــابــــــــــــــــــــــــ​ع

عندما فرش ضوء الشمس الشرفة , عبرت قطة سوداء و بيضاء . هل تبحث عن الطعام ؟ أم أنها تبحث عم مايا ظ

بقد اعتادت مايا على حمل القطة بين ذراعيها و التجول بها . و اعتادت القطة على التسلل تحت غطاء سريرها و الانكماش في دفئها , هل يا ترى تعلم أن مايا لم تعد هنا؟ لابد أن مايا تبكي بمرارة الان , هل قيدوها من يديها و قدميها ؟ ووضعوا قطعة من القماش في فمها ؟ ارتعد من فكرة ما يمكن أن يفعله سبعة رجال لفتاة في الواحدة و العشرين من عمرها , ضربه الأسى و الجزع , شعر أنه متيبس و ميت , هل سورنجان حي ؟ نعم , و بالطبع هو حي , مايا هي التي ذهبت ربما إلى الأبد ز

هكذا هو العالم لا يستطيع فيه أحد أن يضحي بحياته من أجل شخص آخر من الراسخ تماما أنه ليس هناك كائن حي في أنانية الإنسان , فلماذا ينبغي أن يموت أقارب مايا لمجرد أنها ذهبت ؟

صحيح أم حيدر بذا مجهودا هائلا في البحث عنها . إلا أن سةرنجان شعر بأنه لم يبذل قصارى جهده , إنه مسلم مثلهم في النهاية .

بينما يرقد في الشمس يراقب القطة خطر لسورنجان فجأة أن حيدر ربما يعرف الذين خطفوا مايا وكنه تظاهر بعكس ذلك . عندما كان يلتهم الطعام في محل " سوبر ستار " لم يبد القلق على وجهه . على العكس تجشأ با استمتاع بعد الوجبة و دخن سيجارته ببساطة كما لو أنه لم يكن يبحث عن شخص في خطر . فكر سورنجان في أن البحث نفسه لم يكن عملا كبيرا بالنسبة لحيدر , وتذكر أنه دائما ما كان يرغب في التجول ليلا على دراجته . هل كان يحقق هذه الرغبة ؟ هل بذل مجهودا هائلا في البحث عن مايا . أم أنه كان يغالب مشاعره من أجل الصداقة ؟ بالكاد كان مقنعا بمخفر الشرطة , شك في أنه ترك أية تعليمات لزملائه في الحزب . ربما لا تكون لمايا أولوية في برنامجه . هل هذا لأن الهندوس مواطنون من الرجة الثانية ؟ حتى الآن لا يستطيع أن يصدق أن مايا ذهبت . و أنها ليست في الغرفة المجاورة تجلس بجوار الوالد و تدلك ذراعه . شعر أنه لو دخل هذه الحجرة سوف يسمع صوتها تقول :
دادا الن تخرج لتفعل شيئا ؟

فكر بأسف أنه لم يفعل أي شيء من أجلها . كل الأخوات يطلبن من أخواتهم أن الكبار أشياء طفولية . بالطبع طلبت منه هذه الأشياء , لكن سورنجان تجاهلها .

كان مشغولا للغاية , مشغولا بنفسه على أن يعتني بها , الأشياء المهمة بالنسبة له كانت الأصدقاء و السياسة و الحزب . كل هذه السنوات لم يكن سودهاموي و كيرونموي و مايا مهمين على الإطلاق . لم يهتم لأفراحهم ولا لأحزانهم , كل ما كان مهتما به هو مستقبل البلد , عمل جاهدا من أجل علاج الأمراض التي تعني كمنها بلده ... ولكن هل نجح ؟

بمجرد أن دقت الساعة التاسعة هرع سورنجان إلى منزل حيدر المجاور لمنزلهم تماما . كان حيدر لا يزال نائما , ولذلك انتظره في غرفة المعيشة . أثناء انتظاره راوده شك غريب : أن أحد المعتدين , الشاب , الذي يدعى رفيق , هو أحد معارف حيدر وربما من أقار به . ارتجف سورنجان . مرت ساعتان و أخيرا ظهر حيدر

هل عادت مايا ؟
هل كنت سآتي لو أنها عادت ؟
بدا صوت حيدر لا مباليا . كان يرتدي صدريته فقط . هرش صدره العاري , و قال :
الجو ليس باردا كعادته هذا العام ؟ أليس كذلك ؟

هرش نفسه مرة أخرى وواصل :

هناك اجتماع في منزل رئيس الحزب اليوم أيضا . قد يرتبون لمسيرة . عندما وصل نشاط غلام عزام إلى ذروته بدأت كل هذه الاضطرابات .. هذه الأحداث من تدبير الحزب الوطني البنجلادشي بالتأكيد ... إنهم يسعون إلى تحويل القضية لصالحهم .

بالمناسبة يا حيدر , هل تعرف شابا اسمه رفيق ؟ كان هناك شخص بين المعتدين بهذا الاسم
أين يسكن ؟
لا أعلم . إنه في حوالي الواحدة أو الثانية و العشرين من العمر . ربما يكون من هذه المنطقة ؤ.

لا أعتقد أنني أعرف أحدا بهذا الاسم . على أية حال سأكلف رجالي بالبحث .
هيا نخرج .. لا يجب أن نضيع الوقت .. لا أستطيع أن النظر إلى وجه أبي .. إنه يعاني من أزمة صحية .. ومع كل هذا التوتر كل ما آمل فيه ألا تزداد حالته سوءا
لا أعتقد أنه من الصواب أن تظهر معي الآن
لماذا ليس من الصواب ؟
لماذا لا تفهم ؟

بالطبع فهم سورنجان , ليس من المقبول أن يقوم هندوسي بملاحقة مسلمين أو اعتقالهم حتى لو كانو لصوصا و بلطجية و قتلة .. بل لعله يتوقع أكثر مما يجب بمطالبته بفك أسر فتاة هندوسية من أيدي المسلمين .

ترك منزل حيدر خائب الأمل .. أين يذهب الآن ؟ إلى البيت ؟ لا يرغب في العودة إلى هذا المكان الموحش .

لا يزال أبواه يأملان أن يعود إليهما بأخته .. قال حيدر إنه سيكلف رجاله بالبحث .. هل سيبحثون فعلا ؟ في النهاية أنهم لم يفقدوا شيئا ..منهي مايا بالنسبة لهم ؟ لماذا يجب ان يتعاطف المسلمون مع الهندوس ؟ لو أنهم يتعاطفون فلماذا تتعرض منازل الهندوس فقط للنهب و الحرق ؟ لماذا تتعرض للاعتداء منازل سورنجان و جوبال و كاجاليند دون غيرهما ؟

لم يعد إلى البيت , تجول في شوارع المدينة كلها بحثا عن مايا .. مشى بدون هدف تقريبا .. أحيانا يجري .. يشك في أي شاب في حوالي الواحدة و العشرين .. توقف عند محل بقالة .. عينا البائع لم تلتق بعينيه فأصبح مقتنعا على الفور بأنه يعرف أن أخته اختطفت , تسكع في الشوارع من جديد , و أخيرا توقف في نايازيبار ليستريح عند أنقاض دير الهندوس هناك .. لم يتحمل فكرة أن يلتقي بشخص يعرفه .. ما الفائدة على أية حال ؟ سوف يولصلون النقاش حول مسجد بابري .. بالأمس لم يتردد سالم بأن يقول :
طالما أنكم دمرتم مسجدنا , فلماذا تعتبرون أن حرق معابدكم أمر سيء ؟

في الحقيقة كان سالم يمزح عندما قال هذا .. ولكن , كم من الأفكار الجدية يعبر عنها الناس بنكات عابرة ؟ لو أن مايا تعود إلى البيت . ربما تعود يجب أن تعود حتى لو اغتصبوها , على أمل أن يجدها في البيت عاد .

لا شيء , على أية حال , مازال والديه جالسين مكانهما في انتظار المعجزة , أي أخبار يمكن أن أسوأ من عودة مايا ؟ استلقى سورنجان على سريره ودفن رأسه في المخدة . في الغرفة الأخرى استطاع سماع تأوهات والده . فيما بعد , في منتصف الليل وصل إليه صوت بكاء والدته الحاد المرتفع ولم يسمح له بالنوم . لماذا لا يتناول ثلاثتهم سما و يتخلصون من حياتهم ؟ على الأقل سيتوقف ألمهم و معاناتهم الممزقة . كان واضحا الان أنه لا معنى لاستمرار الهندوس في البقاء في بنغلادش




استنتج سودهاموي أن انهياره الصحي وراءه جلطة في المخ أو انسداد في الشرايين , كان متأكدا من أنه سيموت إذا أصيب بنزيف , و الآن يتمنى أن يحدث ذلك , الواقع أنه نصف ميت , لماذا لا يستطيع أن يضحي بحياته في سبيل إنقاذ حياة مايا ؟ إنها تحب الحياة . هربت إلى منزل بارول بمفردها , ولم يرجعها سوى مرضه ليخطفها هؤلاء الوحوش عديمو القلب . اجتاحه إحساس عميق بالذنب , مرة أخرى امتلأت عيناه بالدموع . رفع يده ليمسك بيد كيرونموي , ولكن لا أحد هناك , سورنجان ليس في البيت و مايا اختفت .. كان يموت من العطش و حلقه كان محتقنا و جافا . زوجته أيضا عانته بسببه . أرادت دائما أن تصلي بالطريقة التقليدية ولكنه حذرها من أداء هذه الصلوات في المنزل . كانت مغنية ممتازة ولكن عندما غنت علنا , شتمها الناس وو صفوها بأنها هندوسية عديمة الحياء .. و أثرت هذه الشتائم في نفسها فاعتزلت الغناء تماما .. عندما قدمت هذه التضحية الكبيرة هل وقف بجوارها ؟ هل أيدها ؟ ربما سعر أيضا أنه من الأفضل تجنب هذه الأشياء غير المقبولة اجتماعيا . على مدار اثنين و عشرين عاما بقي نائما بجوارها .. نائما بكل ما تعني الكلمة , لأنه لم يكن هناك شيء يتحدثان بشلنه .. كان يحمي بعفتها , ويساعدها على أن تظل زوجة وفية . ولكن ما ضرورة هذا ؟ ألم يكن نوعا من الخداع ؟ كيرونموي لم تكن تميل أبدا إلى الملابس و الحلي ... لم تقل له أبدا :"أريد هذا الساري " أو " اشتري لي هذه الحلق " .. كان يسألها زوجها :
كيرونموي : هل تخفين عني همومك ؟
فكانت تجيبه دائما :
لا , كل ما يهمني هو رخاء و سعادة الأسرة , سعادتي الشخصية لا تهمني
تمنى سودهاموي دائما أن يرزق بابنة , قبل أن يولد سورنجان وضع سماعته الطبية عل بطنها و قال :
يمكنني أن أسمع دقات قلب بنت , هل ترغبين في سماعها ؟
وذات مرة قال لها :
الابنة هي التي ترعى والديها دائما عندما يكبران .. الأولاد يتنقلون للعيش مع زوجاتهم بعيدا , ولكن البنات .. إنهن يهملن منازل أزواجهن من أجل رعاية والديهن .. هذا حقيقي لأنني رأيت بنفسي البنات وهن يأتين للبقاء مع آبائهن المسنين و المرضى في المستشفى . الأولاد يأتون أيضا ولكن كزائرين فقط .

طوال فترة حملها الأولى كان يجعلها تستمع إلى دقات قلب الجنين الصغير . في العالم كله يتمنى الآباء ذكورا ولمن سودهاموي تمنى بنتا .. عندما كان سورنجان صغيرا , كان يلبسه الفساتين و يصحبه معه التنزه . ثم تحققت أحلامه بمجيء مايا .. اختار لها الاسم بنفسه و قال :

إنه لسم مايا .. لقد فقدت أما ولكني حصلت على واحدة أخرى ..

مايا كانت تعطيه دواءه كل ليلة .. لقد مر موعد تناوله للدواء منذ فترة طويلة نادى " مايا .. مايا " ولم يكن أحد يسمع عويله المتألم سوى زوجته و ابنه و القطة السوداء البيضاء .


جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 10:13 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #8
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم الثـــــــــــــــــــــــــــــــامـــن

بعد هدم مسجد بابري في ايودها , بولاية اتار براديس استغرق القتل و الدم الذي انتشر على نطاق واسع في الهند فترة حتى يهدأ . عدد القتلى تجاوز حتى الان 1800 شخص . في بهو بنال و كانبور لا تزال أحداث العنف مستمرة . الجيش نزل إلى الشوارع لحفظ القانون و النظام في ولايات جوجارات و كارناتا و كيريلا و اندهرا براديش و اسام و راجستان و غرب البنغال . الأحزاب السياسية التي تم حظرها بقيت مجمدة النشاط .

في دكا نظمت الأحزاب كلها مسيرات تلقائية من تجل حفظ السلام و الوئام ولكن كل ذلك كان مظهرا خادعا . خلف الواجهة القصة كانت مختلفة في المدن المختلفة ز عشرات النساء اغتصبن و مئات المعابد والمنازل و المحلات أحرقت و دمرت , البعض قتلوا و العشرات جرحوا .

قصص هذه المذبحة المستمرة في بنجلادش كان يرويها بيرو باكشا و نليان و ديباترا , الذين جلسوا في مواجهة سورنجان يثرثرون دون أن يبدي أي إشارة تدل على أنه يستمع إليهم . كان يستلقي مغمض العينين و بفكر : لا احد منكم يعرف أن بيوت الهندوس لم تنهب فقط بهولا و شيتاجونج و بيرو زيبور و سيلهيت و كوميلا . هناك أيضا بيت في تيكاتولي نهب و سرقت منه فتاة جميلة تدعى مايا . النساء في النهاية بضاعة و لهذا يسرقن مثل الذهبي و الفضة . قال ديباترا :
ما الأمر يا سورنجان ؟ لماذا لا تقول شيئا ؟
أريد أن أسكر . ألا يمكن أن نملأ بطوننا اليوم حتى الثمالة ؟
هل تعني ما تقول ؟
نعم أعنيه . هناك نقود غي جيبي . فليذهب أحدكم و يشتري لنا زجاجة ويسكي
أتعني أنك ستشرب في البيت ؟ ووالديك ؟
فليذهبا إلى الجحيم . أريد أ، أشرب وسأفعل . بيرو اذهب من فضلك . هاتها إما من نوع ساكوراأو بيازي
ولكن يا سورنجان-دا
أرجوك اذهب

لنبعث صوت بكاء الوالدة من الغرفة المجاورة .. سأل بيرو باكاشا :
من التي تبكي ؟ ماشيما ؟
أجابه سورنجان :
أن تكون هندوسيا , فليس هناك وسيلة لتجنب الدموع .

حل الصمت على الشباب الثلاثة الموجودين . إنهم هندوس أيضا , و فهموا سبب بكاء ماشيما . لقد مس الحزن قلب كل هندوسي هذه الأيام . أسرع بيرو بالرحيل مع النقود التي أعطاها له سورنجان , كأن الابتعاد سيجنبه عذاب الآخرين الذهني . أراد سورنجان تجنب العذاب أيضا –ولكنه فضل طريق الكحول . بعد ذهابه قال سورنجان :
ديباترا , ألا يمكنك أن تحرق مسجدا ؟
بدل ديباترا نظره بين سورنجان و نايان برعب :
مسجدا هل جننت ؟
هناك عشرون مليون هندوسي فبي البلد . إذا شئنا يمكننا أن نحرق مسجد باتيول مكرم .
أنت لم تزعم أنك هندوسي أبدا . فلماذا تفعل اليوم ؟
نعم , قلت أني إنسان , وآمنت بالإنسانية , لكن هؤلاء المسلمون لم يتركوني إنسانا , لقد جعلوني هندوسيا .
لقد تغيرت كثيرا يا سورنجان
ليس ذنبي
ما الذي سنجنيه بتدمير المساجد ؟ هل يعيد لنا معابدنا ؟
حتى لو لم نجن شيئا , يمكننا على الأقل أن نثبت أننا نستطيع أن ندمر أيضا ألا ينبغي أن نبين أننا نستطيع الغضب أيضا ؟ مسجد بابري كان عمره لأربعمائة و خمسين عاما , ولكن بيت شيتانيا ديب كان عمره خمسمائة عام . الم يدمروا أثرا عمره خمسمائة عاما أيضا ؟ ارغب في هدم مسجد سبحان باج . مسجد منطقة جولشان بارت بنته المملكة العربية السعودية , لماذا لا نستطيع نحن أن نبني معبدا ؟

ما الذي تقوله يا سورنجان ؟ هل جننت , ألا تذكر أنك كنت تقول أنه لو كان هناك أحواض مياه بدلا من المساجد و المعابد لقدمت إليها بعض البط .

كنت أقول أكثر من هذا . كنت أقول اهدموا كل بيوت العبادة إلى الأساس و لنبن مكانها حدائق و مدارس للأطفال من أجل خدمة الإنسان فلتتحول دور العبادة إلى مستشفيات و ملاجىء للأيتام و مدارس و جامعات , إلى معاهد للعلوم و الفنون و الحرف اليدوية , إلى حقول أرز خضراء تغمرها الشمس , و أنهار زرقاء متدفقة و بحار صاخبة . فلتطلقوا اسما آخر على الدين و هو الإنسانية .

قال ديباترا :

بالأمس كنت أقرأ مقالا لديبش روي عن المغني غلام علي , قام الرجل أثناء غنائه و رقص على لحن ترتيلة " هاري ام تاتسات " الهندوسية . حتى اليوم يغني بيد غلام هذه الأغنية . ولكن الهندوس الذين هدموا مسجد بابري ووضعوا تمثال راما مكانه لم يسمعوا هذه الأغنية أبدا رجال الدين لا يستمعون لهذه الأغاني , وهي لا تصل أبدا إلى آذان الجماعات المتعصبة . إن أغنيات بيد غلام علي تتشرب بروح " هاري ام تاتسات " . المسلمون الذين يتملكهم الجنون لتدمير المعابد الهندوسية انتقاما لتدمير مسجد بابري يصمون آذانهم عن هذه الأغاني أيضا . كل ما يفهمونه هو أن تدمير مسجد يؤدي آليا إلى تدمير معبد ز

تقصد أن تقول أن الاعتداء على أحد المساجد لن يكون انتقاما حقا ضد تدمير المعابد ؟ أنت مثالي مثل أبي . إنني أكرهه . أكره هذا العجوز البائس .

طوال هذا الوقت كان سورنجان مستلقيا , ولكنه قفز مستثارا الآن .
اهدأ يا سورنجان , اهدأ , ما تقترحه ليس حلا .

لمعلوماتك هذا هو الحل الوحيد الذي أسعى إليه . أنا أيضا أريد سواطير و خناجر و مسدسات و قضبان حديدية . ألم يذهبوا ليبولوا على حطام المعبد في دكا القديمة ؟ أنا أيضا أريد البول على مساجدهم !

بالله يا سورنجان لقد أصبحت طائفيا
نعم أصبحت طائفيا . أصبحت طائفيا ... وماذا في ذلك ؟

ديباترا و سورنجان كانا يعملان معا في نفس الحزب السياسي , لكن ديباترا لم يستطع التعرف على زميله القديم , أصابته صدمة شديدة من سلوك سورنجان . يريد أن يسكر , يعلن أنه أصبح طائفيا و يشتم والده أيضا . شعر ديباترا برعب




حوادث العنف و الشغب ليست مثل الإعصار الذي يمكن أن تنجو منه و تحصل على بعض الطعام لتحيا به مؤقتا . ولا هي مثل الحرائق التي يمكن أن تطفأ فتستريح . عندما يندلع العنف يضع البشر إنسانيتهم تحت الاختبار . أسوأ ما في الإنسان يظهر خلال الشغب , حوادث العنف ليست كارثة طبيعية . إنها ببساطة انحراف للإنسانية .

تنفس سودهاموي بعمق بعد هذا الكلام الذي ألقاه على مسمع زوجته , التي جلست في الركن صامتة تدعو إلهها. التمثال الصغير لم يعد هناك , فقد تحطم في ذلك اليوم المشئوم . و لكنها عثرت على صورة لرادها و كريشنا في مكان ما . أتت بها بعناية , و كانت تلمس بها جبهتها بين حين و آخر . كانت تبكي في صمت بينما يرقد زوجها عاجزا يتساءل عما إذا كان لدى رادها و كريشنا القدرة على إعادة مايا . ما القوة التي تمتلكها صورة لتنقذ مايا من أيدي الأصوليين . إنه مواطن في هذا البلد . شارك في الثورة من أجل اللغة , و حارب لطرد الباكستانيين و الحصول على الاستقلال , ولكن هذا الوطن لا يمكنه أن يكفل له الحماية . كيف يستطيع رادها و كريشنا إذن أن يحمياه ؟ فكر , منذ طفولته المبكرة كان جيرانه هم الذين يرعبونه . في البداية استولوا على ممتلكاته والآن استولوا على ابنته . عندما يصبح الذين تعرفهم جيدا , الذين يفترض أنك تعتمد عليهم , هم الخطر الذي يتهددك , فكيف لكريبشنا أن ينقذك ؟ إذا كان هناك من لديه القوة لإنقاذك , فهو ناسك الذين يقررون أن يتجاوزوا خلافاتهم الطائفية و العقائدية ليصبحوا واحدا . نادى سودهاموي زوجته بصوت واهن . قامت من ركنها ووقفت أمامه صامتة ز

ألم يذهب سورنجان للبحث عن مايا اليوم ؟
لا أعلم
أعتقد أن حيدر كلف بعض الرجال بالبحث . هل أتى اليوم ؟
لا
هل يهني ذلك أن نفقد الأمل ؟ ألن يعثروا على مايا أبدا ؟
لا أعلم
هل يمكنك أن تجلسي بجواري بعض الوقت يا كيرونموي ؟
جلست بجواره بطريقة آلية , لم تمد يدها إليه أو تنظر نحوه . الأصوات في الغرفة المجاورة كانت مرتفعة .
قال سودهاموي :

لماذا يصيح سورنجان هكذا ؟ ألم يذهب إلى حيدر ؟ لو كنت أستطيع لذهبت بنفسي . لماذا أصابني المرض ؟ هل كان يستطيع أحد لأن يلمس مايا لو كنت بصحتي ؟ كنت سأقتلهم , لو لأن جسدي يسمح لي , لعثرت على مايا بأي وسيلة ز

حاول سودهاموي أن ينهض ولكنه سقط مهزوما . لم تتحرك زوجته لتساعده , كانت تحدق بوجوم تجاه الباب المغلق , متى يطرقه أحد ؟ متى تعود مايا ؟

لماذا لا تذهبين لتنادي ولدك ؟ إنه نذل من الدرجة الأولى , أخته مفقودة و لديه الجرأة على أن بشرب في البيت و يمرح . يجب أن يخجل من نفسه ز

لم تذهب الى سورنجان ولا حاولت تهدئة زوجها واصلت التحديق في الباب , ومن وقت لآخر كانت تنظر إلى صورة رادها و كريشنا في ركن الغرفة . في هذه اللحظة لم يكن بمقدور أي إنسان أن يعزيها , لو أن الله ينظر إليها نظرة ز

تمنى سودهاموي أن تواتيه القدرة على النهوض لمرة واحدة . أراد أن يخبر العالم , مثل جوناثان سويفت , إننا جميعا نؤمن بكراهية بعضنا البعض ولكن قلة صغيرة فقط يعرفون كيف يحبون بعضهم البعض . تاريخ الإنسانية ملطخ بالحروب الدينية و الحروب المقدسة . في 1946هتف بشعارات الإخوة بين الهندوس و المسلمين . حتى الآن يتردد نفس الشعار. لماذا يضطر المرء أن يردد مثل هذا الشعار لفترة طويلة كهذا ؟ كم قرنا آخر سيتردد نفس الشعار في شبه القارة الهندية ؟ ألا زلنا نحتاج إلى تنوير شعوبنا ؟ المتعصبون الأغبياء المسئولون عن إذكاء نار الطائفية . هل أنصتوا يوما لهذا الشعار ؟ إذا لم يتعلم البشر أن يقتلعوا الطائفية من قلوبهم فلن ينفع أي شعار







ذهب سورنجان إلى حيدر فلم يجده بالبيت و قالوا له أنه ذهب إلى بهولا لرصد الأضرار التي تعرض لها الهندوس . استطاع سورنجان أن يرى بعيني عقله : حيدر يتعاطف مع الضحايا . حيدر يلقي الخطب في أماكن عديدة و يثني عليها الناس . يثنون على مشاركته الوجدانية و موقفه اللاطائفي , ومن المؤكد أن حزب رابطة عوامي سيحصل غلى أصوات الهندوس في الانتخابات . ولكن حيدر , فكر سورنجان بغضب , ليس مهتما علة الإطلاق بمايا التي تسكن بجواره , مع أنه قطع كل هذه المسافة إلى بهولا ليعبر عن تعاطفه مع آخرين مثل مايا .

فتح سورنجان الزجاجة . صب كأسا و رفعه إلى فمه . لم يكن أصحابه راغبين في الشرب و لكنهم وافقوا ليبقوا معه . كان الكحول تأثير مدمر على المعدة الخاوية . قال سورنجان :

أحب التنزه في المساء , مايا كانت ترغي في مصاحبتي دائما . لا بد أن اصحبها يوما ما إلى شالبو فيهار ,.

اتجه الحوار إلى الأحداث السياسية مرة أخرى . وكان سورنجان يقاطعهم بتدخلاته الساخرة اليائسة , فجأة دخل بولوك الغرفة :

كيف تجلس هكذا و بابك مفتوح على مصراعيه ؟
الباب مفتوح . نحن نصرخ و نشرب .. ليس هناك ما نخشاه . سنموت إذا لزم الأمر ! كيف غامرت أنت بالخروج ؟

هدأت الحالة بشكل واضح ... و لهذا خرجت
انفجر سورنجان بالضحك وهو يقول ك

وسوف تحبس نفسك مرة أخرى إذا تراجع الموقف , صح ؟

صدم بولوك , لقد استجمع شجاعته وركب دراجته البخارية عبر شوارع المدينة متوترا , وجاء إلى سورنجان الذي كان يتحرك هنا و هناك ليجده قابعا لا يفعل أكثر من شرب الخمر ! إنه لا يصدق عينيه . ماذا حدث لصديقه ظ

احتسى سورنجان جرعة من كأسه وواصل حديثا كان قد انقطع بمجيء بواوك :

غلام عزام . غلام عزام .. ما علاقتي بهذا ؟ما الذي سأجنيه إذا عوقب غلام عزام ؟ لماذا أحاربه ؟ و مايا .. مايا يصيبها القرف من سماع اسمه , وتشعر برغبة في التقيؤ . هل تعرفون لأن اثنين من أعمامي و ثلاثة من أخوالي قتلوا عل يد الباكستانيين خلال حرب الاستقلال . لا زلت لا أفهم لماذا أبقوا على حياة أبي . ربما أرادوا له أن يستمتع بثمار الاستقلال . هل هو يستمتع الآن ؟ هل الدكتور سودهاموي دوتا يرفل في نعيم الاستقلال مع زوجته و ابنه و ابنته ؟

كان سورنجان جالسا على الأرض يمد ساقيه ؤ, جلس بولوك بجواره . الحجرة ممتلئة بالتراب . الكتب و الأوراق مبعثرة في أنحاء المكان . قطع الأثاث المكسور مبعثرة هنا و هناك . أعقاب السجائر و الرماد زادت من الفوضى . اعتقد بولوك أن سورنجان حطم الأثاث في سورة غضب . عندما لا يتحدث أحد منهم يصبح المنزل صامتا كأنهم في صحراء . قال بولوك ك

إكرام حسين زار بهولا .. وفقا لكلامه فإن رجال الشرطة و الحزب الوطني هناك يواصلون القول بأن الأحداث رد فعل طبيعي لتدمير مسجد بابري . النهب و المذابح رد فعل تلقائي . في عمليات اقتلاع الهندوس من جذورهم أحرقت قرية وراء الأخرى حتى الرماد . الهواء ممتلئ برائحة الحريق . كانوا يجمعون كل شيء في البيوت و يسكبون عليه الكيروسين و يشعلون النيران حقول الأرز و بساتين الجوز أحرقت . جردوا الأطفال من ملابسهم و خطفوا النساء و الفتيات .

واصل بواوك الحديث دون انقطاع , و فجأة صاح به سورنجان ك

أغلق فمك إذا قلت كلمة أخرى واحدة سأضربك .

صعق بولوك حتى أنه توقف في منصف جملته , لماذا يتصرف سورنجان هكذا ؟ هل شرب أكثر من اللازم ؟ ربما , ابتسم بجفاف لديباترا .

مر وقت طويل دون أن ينطق أحدهم بكلمة , وواصل سورنجان الشرب . لم يكن معتادا على الكحول . بين حين و آخر كان يشرب في المناسبات الاجتماعية بكميات قليلة . لكنه الان يشرب بانتقام . هدوء غير طبيعي نزل على الغرفة منذ أن سكت بولوك , وفي وسط هذا الصمت فوجئ الجميع بانفجار سورنجان بالبكاء . وضع رأسه على كتف بولوك و استغرق في البكاء حتى سقط رأسه على الأرض . تملكهم الخوف لقد أصبح الأمر اكبر مما يحتمل ز

امتلأت الحجرة برائحة الكحول , و تردد صدى نحيب سورنجان المعذب . لم يكن قد غير ملابسه أو تحمم و ازدادت ملابسه اتساخا . في النهاية أجهش قائلا :
لقد خطفوا مايا ليلة الأمس
ماذا تقول ؟

نظر إليه بولوك برعب و كذلك ديباترا و نايان وبيرو باكاشا , استمر جسد سورنجان في الاهتزاز بالبكاء . أوقع الأكواب النصف ممتلئة بالويسكي و زاد اتساخ الأرض , لكن أحدا لم يهتم تملكهم الشحوب أمام الخبر . من شدة الذهول لم يجد أحدا منهم شيئا يقوله . أي كلمات تعزية تصلح في مثل هذا الموقف ؟ في هذه اللحظة دخل بلال الغرفة تطلع حوله بسرعة و رأى سورنجان راقدا على الأرض توجه نحوه و قال :
سورنجان هل خطفوا مايا فعلا ؟
لم يرفع سورنجان رأسه
هل حررت بالغا في مخفر الشرطة ؟

لم يجب سورنجان . نظر بلال إلى الآخرين في انتظار إجابة . لكن لم يكن لديهم أي شيء يقال :
هل حاولت أن تعرف من الذي اختطفها ؟
واصل سورنجان الصمت . جلس بلال على السرير و قال :
لا أعلم ما الذي يدور حولنا . اللصوص و المجرمين لديهم عيد الآن , وفي نفس الوقت يواصلون قتلنا في الهند .

سأله بيرو باكاشا :
من الذي تعنيه ب " نحن "؟
المسلمون , أتباع حزب بهارتيا جاناتا يمزقوننا
آه, فهمت

عندما تصل مثل هذه الأخبار من الهند , طبيعي أن يفقد هؤلاء الناس عقولهم , من يستطيع لومهم ؟ إننا نموت هناك , وأنتم هنا . ما الفكرة من هدم هذا المسجد العتيق . الهنود دمروه ليبحثوا عن مكان ميلاد راما , وهو شخصية أسطورية . بعد أيام ربما يقولون أن هانومان ولد في تاج محل ؟ و المفروض أنهم يطبقون العلمانية في الهند ! لماذا اختطفت مايا ؟ الأبطال الذين يسألون عن ذلك هم أمثال دافني و جوشي . أعتقد أن الموقف خطير جدا في كالكتا .

بقي سورنجان دون حراك مثل جثة لم يعلن موتها بعد .. من الغرفة الأخرى وصل نحيب كيرونموي المتواصل وتأوهات سادهومي المبهمة .

أنا متأكد أ، مايا ستعود . إنهم لا ينوون أكلها بالتأكيد , اطلب من كاكيما أن تصبر .
ولماذا تبكي أنت هكذا مثل النساء ؟ هل ستحل الدموع مشكلتك ؟ لماذا تجلسون كلكم هكذا ؟ ألا تذهبون لمعرفة ماذا حدث للبنت ؟

قال بيرو باكاشا :
لم نعرف بما حدث سوى الآن . ثم منذ متى أصبح من المكن أن يذهب المرء ببساطة و يستعيد شخصا مخطوفا ؟ و أين يجب أن نبحث ؟

أنا متأكد أنهم مدمنو مخدرات . لابد انهمك من صبيان الحي . لاحظوا وجود فتاة جميلة وواتتهم الفرصة فخطفوها . الناس الطيبون لا يفعلون هذه الأشياء , الصغار اليوم انحدروا إلى الحضيض , و السبب هو عدم الاستقرار الاقتصادي . هل تفهمني ؟

جلس بيرو باكاشا منكس الرأس . لا أحد منهم كان يعرف بلال . أخرج سيجارة وولاعة . لم يشعلها وواصل الكلام ك

هل سيحل الخمر مشكلتك ؟ قل لي , هل سيحلها ؟ هل عرف هذا البلد حوادث الشغب في حياته ؟ أنت لا تستطيع أن تسمي هذا حقا شغبا . الأطفال يشتاقون لأكل الحلوى . ومن الطبيعي أن يهاجموا محلات الحلوى . في الهند حتى الآن حدث ما لا يقل عن ألف حادث شغب . آلاف المسلمين قتلوا هناك . قل لي , كم عدد الهندوس الذين ماتوا هنا؟ في كل منطقة يسكنها الهندوس ترابط سيارات الشرطة لحفظ السلام .

لم يتكلم أحد . ولا حتى سورنجان رغب في أن ينطق بكلمة على الإطلاق ز

الخمر بدأ يؤدي مفعوله و شعر بالنعاس الشديد . لم يشعل بلال سيجارته . قال إن لديه عملا ما و رحل , ورحل الباقون الواحد تلو الآخر.






جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 10:14 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #9
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم التاســـــــــــــــــــــــــع

اعتدوا على منزل جوبال المجاور لبيتهم و نهبوه . وجاءت أخت جوبال الصغيرة التي تبلغ حوالي الثانية عشرة لزيارتهم . حكت لهم عن تفاصيل الأضرار التي لحقت ببتهم ز

سورنجان , الذي كان لا يزال راقدا على الأرض , راقبها وهي تتنقل هنا و هناك مثل قطة صغيرة . بالرغم من عمرها كان هول الكارثة مسجلا على وجهها . جاءت إلى غرفة سورنجان و وقفت عند الباب وحدقت بعيون مفتوحة إلى الحطام في الداخل . نظر سورنجان إلى الشرفة المفروشة بالشمس و أدرك أن الوقت متأخر استدعى الطفلة و سألها عن اسمها ك

مادول
إلى أي مدرسة تذهبين ؟
شير بانجلا باليكا بيديا لالا
اسم المدرسة كان قبل ذلك مانديرا ناري شيكشا وقد اسستها ليلا ناج ز ولكن أين اسم ليلا ناج اليوم ؟ كانت رائدة في مجال التعليم في وقت لم يكن يسمح فيه للبنات بالتعليم . وكانت تذهب من بيت لآخر لتشجيع النساء على الدراسة في مدينة دكا قاتلت من أحل إنشاء مدرسة للنساء . المدرسة لا تزال موجودة ولكن اسمها تغير , لأنه كيف يمكن لاسم ليلا ناج بالوجود ظ اسم مانديرا ناري شيكشا أصبح أيضا علامة على شيء ديني لا يشجعه الوقت الحاضر . ولذلك تغير الاسم كما حدث لكلية ب م . و كلية م ش . باختصار السبب هو التأكد أن الهندوس ليس لديهم أي مكان تحت الشمس في بلد مسلم ز في عام 1971 ساد اتجاه بتغيير أسماء الطرق في دكا . قام الباكستانيون بأسلمة أسماء أكثر من 240 طريقا ز سألت الطفلة الصغيرة :

لماذا تجلس على الأرض ؟
لأنني أحب ذلك .
أنا أيضا , كان لدينا فناء في منزلنا , سوف نتقل الآن إلى منزل جديد ليس له فناء .

إذن لن تستطيعي أن تلعبي

جاءت البنت و جلست بجواره و استندت بمرفقها على السرير . كانت تستمتع بالمحادثة معه وهو بدوره تخيل أنها طفلة اسمها مايا , أخته التي ضاعت منذ وقت طويل , و التي كان يقضي معها الساعات يتحدثان عن المدرسة و لعب الكرة , و أشياء أخرى عديدة .. آه كم مر من زمن منذ أن كان يجلس و يثرثر مع مايا 1 في طفولتهما كانا يصنعان أكواخا من الطين على ضفاف النهر , و في الليل كان الموج يأتي و يغسل أكواخهما .. ذكريات أخرى انسابت . تذكر كيف كانا يحبان الحلوى التي تلون لسانيهما باللون الأحمر .. أو عندما هربا من البيت ليلعبا بين حقول القصب . مد يده ليلمس يد الفتاة .. يداها ناعمتين مثل يدي مايا .. من الذين يمسكون بيدي مايا الآن ؟ لا بد أنها أيدي خشنة ووقحة وقاسية . هل يئست مايا من الهرب ؟ ولكن ربما تحاول ولا تستطيع التخلص من قبضتهم . ارتجف جسد ه بالألم من التفكير في هذا ز لم يترك يد مادول .. إنها تشبه يد مايا كثيرا . إذا تركها قد يأتي أحدهم و يخطفها أيضا . وربما يقيدونها بالحبال القوية ,, فجأة قالت مادول :

لماذا ترتعش يداك ؟
حقا ؟ الحقيقة أنني حزين جدا لأنك سترحلين ز

ولكننا لسنا ذاهبين إلى الهند .. إننا ذاهبون إلى ميربور فحسب . سوبول و أسرتها راحلون إلى الهند ز

ماذا فعلت عندما اقتحموا منزلكم ؟
وقفت بالشرفة أبكي .. كنت خائفة و اخذوا التلفزيون و كل المجوهرات , و أموال أبي أيضا ز

هل قالوا أي شيء لك ؟
قبل أن يرحلا صفعوني بقوة على خدي و قالو لي : اخرسي و كفي عن البكاء
أهذا كل شيء ! ألم يحاولوا أخذك معهم ؟
لا .. لابد أنهم ضربوا مايا-دا أيضا أليس كذلك ؟
لقد ضربوا أخي على رأسه و نزف كثيرا .

فكر سورنجان ك لو أن مايا كانت في عمر مادول لتركوها . ولما أخذوها معهم . كم عدد الذين اغتصبوها يا ترى ؟ خمسة؟ سبعة ؟ لأم أكثر ؟ هل نزفت كثيرا ؟

ماما طلبت مني أن ~أزور ماشيما لأنها تبكي كثيرا
هل تخرجين معي في نزهة يا مادول ؟
ماما سوف تقلق علي
سوف أخبر ماما قبل أن نذهب .

كانت مايا تقول له :"دادا , هل تأخذني إلى سوق كوكس ؟ يمكننا أن نذهب إلى غابة مادهوبور . أو ما رايك في الذهاب إلى ساندرا بانس ؟ أحب أن أذهب إلى هناك أيضا " و تذكر عندما كانت تقرا أشعار جيباناندا فترغب في الذهاب إلى ناتور . كان سورنجان يصدها و يتهكم عليها دائما :" اذهبي إلى عشش تيججا لتري كيف يعيش الناس هناك . سيكون لهذا قيمة أكبر من تأمل الأشجار و النباتات ".
وكان حماس مايا يفتر على الفور . اليوم يتساءل عن الذي جنياه من النظر إلى " الحياة " ما فائدة أن يتمنى المرء الخير لكل الناس ؟ حركات العمال و الفلاحين , ثورة البروليتاريا , تقدم الاشتراكية .. كل هذه الأفكار التي تبناها منذ طفولته .. ولكن ما فائدتها أصلا ؟ لقد سقطت الاشتراكية وهوى تمثال لينين إلى الأرض . أليس منتهى السخرية أن يساء إلى روح الإنسان في وطن أكبر زعمائها ؟

قامت مادول ببطء . سحبت يديها الناعمتين اللتين تشبهان يدي مايا من قبضة سورنجان . حيدر لم يأتي اليوم أيضا . لا بد أنه غير مهتم بالرغم من أن لديه عذره في عدمن الرغبة في التورط . الآن بدأ سورنجان يدرك أيضا أنه ليس هناك من فائدة من البحث عن مايا . حتى لو عادت , هل ستعود مثل مايا ذات الستة أعوام , التي عادت منذ سنوات بعيدة ؟ شعر سورنجان بالفقدان والأسى . عندما ذهبت مايا للبقاء عند بارول كان المنزل صامتا و هادئا لكن ليس مثل هذا الصمت . لم يكن بهذا البرود و الموت . عرف ثلاثتهم أن مايا لن تعود . تحول الصمت الآن إلى صمت القبور . كأن شخصا قد مات حقا . نظر إلى زجاجات الويسكي المبعثرة و الأكواب الفارغة الملقاة هنا و هناك . امتلأ قلبه الموحش بالدموع . هذه الدموع التي يجب أن تكون في عينيه , كانت تملأ قلبه .

هذه المرة لم يكلف كمال و رايبول نفسيهما بالسؤال عنه. استغرق في التفكير في مواقف أصدقائه المسلمين .. وجد عل مائدته قطعتي بسكويت و موزة . لا بد أن والدته تركتها له . بدلا من الطعام شعر برغبة في شرب ما تبقى من زجاجة الويسكي . الليلة الماضية كانت باردة .. أثناء رقاده زارته مايا لتشعره بمزيد من الخسة والذنب . عندما يفتح عينيه يراها تبتسم و عندما يغلقهما كان كل ما يراه هو مجموعة من الكلاب المفترسة .

واضح أن حيدر لم يواصل البحث لأنه عرف أن الإرهابيين في المنطقة يعرفون أن سورنجان طلب مساعدته . لو لم يكن قد فعل هذا لاستطاع سورنجان ان يذهب للبحث بنفسه . ردد لنفسه بسخرية أن هذا زاد الأمر سوءا حتى أن المجرمين لم يعودوا مضطرين غلى التستر على نشاطاتهم . ولم يعودوا مضطرين إلى البحث عن أزقة يغتصبون فيها نساء الهندوس . ربما يغتصبون النساء علنا الآن , كما يسرقون و يحرقون . وهذا بفضل الدعم غير المباشر من الحكومة . إنها ليست حكومة علمانية في النهاية . الحقيقة أنهم يناصرون مصالح الأصوليين . الشيخة حسيبنة قالت أنه لابد من الحفاظ على الوئام الطائفي من أجل حماية 140 ملبون مسلم في الهند . لماذا تفكر الشيخة حسينة في مسلمي الهند ؟ كمواطنين في هذا البلد أليس من حق الهندوس أن يعيشوا في وئام طائفي ؟ لماذا يبدون مزيدا من التعاطف تجاه حياة وممتلكات مسلمي الهند أكثر مما يبدونها تجاه مواطنيهم ؟ ألا يؤكد هذا أن أن حزب " رابطة عوامي " يطعم الشعب نفس الطعام الذي تطعمه لهم الجماعات – بكلمات أخرى – ألم يطعمهم العداء للهند و الولاء للإسلام ؟

فكر سورنجان : الحكومة مخطئة تماما . مصالح المسلمين في الهند ليست هي المهمة , ولكن السبب الأساسي و المنطقي لحفظ السلام و الوئام هنا هو حماية الحقوق التي يكفلها الدستور . هندوس هذا البلد لديهم الحق , كمواطنين أحرار , فعلى حفظ و حماية حياتهم و ممتلكاتهم و كذلك أفكارهم و معتقداتهم . ليس بدافع التعاطف مع دين شخص آخر , أو حزب شخص آخر , أو بدافع الشفقة الشخصية يجب أن يسمح للهندوس بالعيش في هذا البلد . ولكن لأن قوانين إدارة هذه الأمة تعطيهم الحق في العيش مثل أي مواطنين اخرين . لماذا يبحث إذا عن التعاطف أو الحماية لدى كمال أو بلال أو حيدر ؟

في ميرساري بولاية شيتاجونج أحرق منزل رئيس اتحاد الطلبة كمال بهوميك و ماتت عمته من جراء ذلك , في منطقة يعيش بها الهندوس في كوتا بيدا مات ثلاثة أطفال عندما أشعل المجرمون النار في المكان . في شاتكا نينا تبارا مات سورجو موهون متأثرا بحروقه , عندما سئل باشوديب احد سكان ميرساري عن الذين قاموا بالاعتداءات قال :

الذين يقتلون في الليل هم أنفسهم الذين يأتون في الصباح ليتعاطفوا بشدة مع الكوارث التي حدثت .

عندما سئل جاترا مهو ناث من منطقة خاجوريا نفس السؤال قال :
أفضل أن تقتلني عن أن أتكلم .خلال ستة أيام من الأحداث شكات الأحزاب غير الطائفية و أحزاب الاندماج القومي و اتحاد لجان الثقافات لجنة مشتركة للوحدة الوطنية . حتى الان نجحت اللجنة في تنظيم مسيرة يلام واحدة و تجمع جماهيري واحد . ساد شعور عام بضرورة حظر أفكار " جماعة شيبر " السياسية ولكن إلى الآن لم يظهر مدى الإصرار الذي تبديه لجنة السلام و الوئام الطائفي على هذا المطلب . على أية حال , عرف سورنجان انه لو فشلت الحكومة في منع أفكار الجماعة و اعترضت اللجنة على هذا فإن المسئولين عن البلد لن يبالوا باعتراضهم . بعض أعضاء اللجنة تحدثوا عن معاقبة الذين نهبوا و أحرقوا بيوت و معابد الهندوس . و لكن واحدا من ضحايا النهب قال :

أعرف الذين ارتكبوا هذه الأعمال .. ولكنني لا أعتقد أن من الحكمة مقاضاتهم , لأن الأحزاب التي فشلت في حمايتنا عندما اعتدي علينا , بالتأكيد لن توفر لنا أي حماية بعد رفع الدعوى .

الواقع أن هذا هو المنتظر أن يفعله كل ضحية إذا واجه احتمال القيام بإجراء قانوني . شعر سورنجان بأن الدعوة إلى المقاضاة حركة سياسية واضحة . الديمقراطية ليست قوية بشكل يكفي لوقف انتشار الطائفية . من ناحية أخرى الجماعات الطائفية لديها الكثير من القوة و تعمل على تحقيق أهدافها بإيمان كبير . أي إحساس بالرضا ستحظى به هذه الأحزاب السياسية الجمهورية من تأسيس لجنة كل الأحزاب هذه ؟ كثير من المثقفين يعتقدون أن أحداث العنف الطائفي في بنجلادش اقل بكثير من مثيلتها في الهند و باكستان . ما لا يدركوه هو أن الأمر في بنجلادش من جانب واحد فقط . في الهند المسلمون يثأرون لأنفسهم , ولكن في بنغلادش لا يستطيع الهندوس ذلك . في هذه البلاد الثلاثة الكبرى في شبه القارة , تؤيد الحكومات شرور الطائفية و الأصولية بشكل غير مباشر من أجل مصالحها السياسية . الأصوليون يحاولون الحصول على السلطة في كل أنحاء العالم . في الهند و باكستان و طاجاكستان و أفغانستان و المغرب و مصر و إيران و صربيا . هدفهم الوحيد هو بتر روح الديمقراطية . في ألمانيا تم حظر اثنين من الأحزاب الفاشية لأنهم أحرقوا ثلاث نساء تركيات . في الهند حظر نشاط الأصوليين أيضا , ولكن السؤال الذي لا يزال قائما هو إلى متى سيستمر حفظ النظام بالقوة ؟ في الجزائر حظرت هذه الجماعات أيضا . الحكومة المصرية وجهت ضربة قوية لها . بينما في طاجاكستان يتحارب الأصوليين و الشيوعيون , ولكن هل فكرت حكومة بنغلادش في قمع الجماعات الأصولية و الفاشية ؟ لا .

فكر سورنجان بأسى شديد , أنه في هذا البلد على الأقل لن تتحرر الساسة أبدا من أغلال الدين .

في اجتماع الحزب الثقافي المشترك رفعوا شعارا يقول :"بنجلادش ستوقف أحداث العنف الطائفي " كم هم عميقو التفكير هؤلاء البنجلادشيون ! فكر سورنجان وهو يدخن سيجارة :" أوغاد ملاعين خنازير ملاعين هذه هي بنجلادش بالنسبة لي " أعاد الجملة مرارا و تكرارا شاعرا بسعادة بالغة في ترديدها . عندئذ ضحك بصوت عال ضحكات خشنة مليئة بالمرارة .





وقفت مادول أمام كيرونموي و قالت :

ماشيما , سوف نرحل إلى ميربور . هؤلاء الوحوش لن يستطيعوا الوصول إلى هناك .
ولم لا ؟
لأن ميربور بعيدة جدا

بالنسبة لهذه الطفلة المجرمون موجودون هنا في تيكاتولي فقط . بما أن ميربور بعيدة عن تيكاتولي فسوف تكون آمنة من عدوانهم . ولكن كيرونموي تساءلت : هل الأمر بهذه البساطة ؟ لو أن هؤلاء الذين ينهبون و يحرقون لما توقفوا ليميزوا بين الهندوس و المسلمين , أليس كذلك ؟ ‘نهم يختارون عن وعي أن يعتدوا باسم الدين , ولذلك فإن كلمات وحوش و مجرمين و بلطجية عمومية أكثر من اللازم

كان سودهاموي راقدا لم يكن هناك ما يستطيع عمله سوى الرقاد . ما فائدة أن يعيش هذه الحياة المشلولة ؟ إنه مجرد شيء مزعج لا ضرورة له لزوجته . قدرتها على الصبر و الاحتمال لا تصدق . لم يبد عليها التعب أبدا . طوال الليل تبكي بحرقة وبمجرد طلوع النهار تذهب للعمل في المطبخ سواء رغبت في ذلك أم لا . إن احتياجات المعدة تنتصر دائما على ما سواها . حياتهم تزداد سوءا . سورنجان لا يأكل تقريبا و لا يستحم وأمه نفس الشيء وإن كان بدرجة أقل . الوالد لا يرغب في الأكل أيضا و الأسوأ أن مايا لم تعد حتى الآن , هل ذهبت إلى الأبد ؟ لو يستطيع أن يضحي بحياته و تعود مايا فحسب ! لنفترض أنه وقف في الطريق العام و صاح :" يجب أن تعود مايا , من حقي أن امر بعودتها , صح ؟" الكلمة ليس لها معنى الان تذكر عام 1964 كان شابا و بعد أن أكل الحاوى في أحد المحلات طلب من البائع قليلا من الماء . استخدم كلمة " باني " التي يطلقها المسلمون على الماء , وليس كلمة "جال " التي كان يستخدمها عادة , لأنه في ذلك الوقت كان العداء بين الهندوس و المسلمين شديدا .

فهم البريطانيون جيدا أنهم لو أرادوا إطالة بقائهم في شبه القارة , فلا بد أن يذكوا نيران المشاعر السيئة بين الهندوس و المسلمين , من هذا التفكير الماكر ولدت سياسة " فرق تسد " تابع سودهاموي في عقله استمرار هذه المشاعر السيئة بعد جلاء الانجليز ثم بعد تقسيم الهند ثم بعد انفصال بنجلادش . العلمانية التي نص عليها الدستور بعد استقلال 1972 تم سحبها خلال السنوات التالية .

المادة 12 من الدستور تغيرت تماما عام 1978 , هذه المادة كانت تقول تحت عنوان " العلمانية و حرية العقيدة ":

12) مبدأ العلمانية يجب تحقيقه عن طريق التخلص من :
أ- الطائفية بكل أشكالها
ب- الانحياز التشريعي لأي دين من الأديان
ج- استغلال الدين لأغراض سياسية
د- أي تمييز أو اضطهاد ضد أشخاص يمارسون دينا معينا من الأديان

كلمة " علمانية " ألغيت و تقول المادة 25 فقرة (2) الآن :
" تعمل الدولة على تضامن و حماية و تقوية العلاقات الأخوية بين الدول الإسلامية بناء على التضامن الإسلامي "
في دستور 1972 تقول المادة 6 :
ط مواطنة بنجلادش يحددها و ينظمها القانون , و يعرف مواطني بنغلادش باسم البنغال "

ضياء الرحمن غير هذا إلى :
" و يعرف مواطني بنغلادش باسم البنغلادشيين "

رأى سودهاموي ظلاما حوله . الوقت لا يزال عصرا فلماذا تظلم الآن ؟ هل تخونه عيناه ؟ أم عدسات النظارة التي لم تتغير منذ سنوات طوال ؟ ربما يكون السبب استفحال مرض الكاتاراكت . أم بسبب الدموع التي تلمع في عينيه .؟

حتى سورنجان تغير . لم يأت للجلوس بجواره مرة واحدة, منذ أن أخذوا مايا لم يخط داخل هذه الغرفة . كان بإمكانه أن يسمع ما يدور في غرفة ابنه . المناقشات العالية التي يصحبها شرب الخمر , هل فقد الولد أخلاقه ؟ لم يشرب في هذا البيت إطلاقا من قبل . ربما لم يعد يبالي بأحد . هل نسي مايا في يومين ؟ لم يستطع أن يصدق ذلك . تغير ابنه أضاف عبئا ثقيلا فوق العبء الذي يحمله أصلا . هل انحدر سورنجان إلى الحضيض ؟



نوى سورنجان عدم مغادرة البيت . أدرك أنه من غير المجدي أن يبحث عن مايا . الأفضل أن يبقى في البيت و يتجنب مقابلة الناس في الشوارع الذين قد يشتمونه بشتائم فاحشة مثل :" هاهو واحد من الأوغاد المسئولين عن هدم مسجد بابري . يجب طرد هؤلاء اللوطيين إلى الهند " كان مريضا و متعبا من سماع هذه المسبات , لم بعد لديه أي ثقة بالحزب الاشتراكي أو أي زعيم شيوعي . لقد سمع الكثير من قادة اليسار يشتمون عندما يأتي ذكر الهندوس قائلين :" هؤلاء الخنازير الملاعين " حتى هندوس الحزب الشيوعي كانوا ينحنون للمناخ الحالي . كريشنا بيرود روي أصبح اسمه كبير بهاي و بارين دوتا غير اسمه إلى عبد السلام . إذا حدث هذا في الحزب الشيوعي , ففي من يثق المرء ؟ أم يجب أن ينضم إلى حزب الجماعة الإسلامية ؟ يذهب إلى نظيم مباشرة و يقول " السلام عليكم " و في اليوم التالي تصرخ الجرائد بمانشيتات تقول : " هندوسي ينضم إلى الجماعة الإسلامية " حتى في قاعة جاجاناث التي كانت مفرا مقصورا على الأولاد الهندوس يمكن أن تجد صوتا للجماعة الإسلامية . والسبب هو المال . إذا أعطي المرء خمسة آلاف تاكا شهريا فلماذا لا يعطي صوته للجماعة الهندوسية ؟ تمنى لو يثأر من الجماعات اليسارية التي سرقت آماله بدلا من أن تحققها . في الحقيقة أعضاء هذه الأحزاب استقالوا الواحد تلو الآخر و انضموا إلى الأحزاب الأخرى . إنهم يقولون شيئا اليوم و يعزفون لحنا مختلفا اليوم التالي .

واصل سورنجان تأملاته في مواقف الأحزاب اليسارية المهزوزة في الوقت الذي انتشرت فيه المدارس الدينية في كل أنحاء البلد و أصبحت وزارة الشؤون الدينية تنفق ملايينها على المساجد و المعاهد الدينية الإسلامية بينما لا تخصص للديانات الأخرى سوى القروش . فكر سورنجان : ألا نبالي أبدا بمستوى معيشة الناس ؟ بديوننا الخارجية ؟ كيف تنفق هذه الملايين على الشؤون الإسلامية بينما الاقتصاد معاق تماما ؟ هذا التوزيع غير العادل للميزانية هو السبب في أن الوحدة الوطنية لن تكون لها فرصة غلى الإطلاق . هل يفكر أي أحد في هذا ؟ كان سورنجان يتساءل عندما فتح الباب و دخا كاجال ديبناث .

ما الأمر يا سورنجان ؟ لماذا لا تنام في مثل هذه الساعة ؟
ليس لدي ساعات محددة لأي شيء

تحرك ليخلي مكانا بجواره لكاجال
هل عادت مايا ؟
أجاب سورنجان بتنهيدة طويلة :
لا
ماذا تقترح أن نفعل ؟أعتقد أنه يجب أن نفعل شيئا
ماذا نفعل ؟

تعدى كاجال سن الأربعين و كان له شعر رمادي , جبهته متغضنة بالعبوس وهو يخرج علبة سجائره و يقدم واحدة ل سورنجان . مد سورنجان يده و أخ سيجارة . مر وقت طويل لم يشتر فيه سجائر . لم يكن معه نقود ولم يجرؤ على أن يطاب من أمه . كان خجلا حتى من الذهاب إلى غرفتهما , كما لو أن خطف مايا يقع عليه بالكامل , ربما كان ذلك صحيحا , لأنه قبل أي شيء هو أكثر من أي أحد أراد أن يعتقد الجميع أن هذا البلد غير طائفي . , بالطبع كان خجله أكثر من أي شخص آخر . لم يستطع أن يذهب و يظهر وجهه لأبيه الشريف المثالي . دخن سيجارته على معدة خاوية , لو رأته مايا لاعترضت قائلة :" دادا , أنت تؤذي نفسك ! إذا دخنت على معدة خاوية سوف تموت بالسرطان , ألا تعرف ذلك ؟" لو أنه يمرض بالسرطان , لن يكون الأمر سيئا يستطيع عندئذ أن يرقد في انتظار الموت , على الأقل لن يضطر إلى انتظار تحقيق أية آمال . لم يعرف كاجال ماذا يفعل ولهذا قال :

اليوم أخذوا أختك , غدا سوف يأخذون ابنتي , سيفعلون ذلك بالتأكيد , اليوم ضربوا جوتام على رأسه , غدا قد يكون أنت أو أنا.. هل أتوا إلى هذه الغرفة أيضا .
نعم
ماذا كانت تفعل مايا في ذلك الوقت ؟
يقولون أنها كانت تطبخ الأرز لإطعام أبي
ألم يستطيعوا ضرب هؤلاء الأوغاد ؟
كيف يمكنهم ذلك ؟ كانوا يحملون قضبانا حديدية . في كل الأحوال ليس من حق الهندوس أن يلمسوا المسلمين , أليس كذلك ؟ في الهند الأقلية المسلمة لهل حق الثأر . عندما تصطدم مجموعتان متعارضتان هنا فقط يمكن أن تسمي ذلك أحداث عنف . ما يحدث هنا ليس أقل من إرهاب طائفي , أو حتى تعذيب و قمع و اضطهاد جماعة تعتدي عشوائيا على جماعة أخرى

ألا تعتقد أن مايا ستعود ؟
لا أعلم ضياء

في كل مرة يتحدث فيها عن مايا يشعر أن صوته يختنق و بخواء في قلبه . قال ليغير مجرى الحديث :
كاجال-دا ما الذي يمكن أن يحدث في البلد أكثر من هذا ؟

نظر كاجال إلى السقف و قال :
28 ألف منزل , 2700 محل تجاري , 3600 معبد , وموت 12 شخصا , تقدر الأضرار بملياري تاكا , دمرت القرى واحدة وراء الأخرى , 43 منطقة تضررت , 2600 امرأة اعتدي عليهن .. من المعابد التي لا أمل في إصلاحها جورانجامهابرابهو الذي يبلغ عمره 500 سنة في جنوب سياهبت دمر معبد عتيق عمره مئات السنين .
سأل سورنجان :
هل عرضت الحكومة أي مساعدة ؟
لا , و الأكثر من هذا أنها لم تسمح للمنظمات الإنسانية بالمساعدة , الآلاف والآلاف مشردون يعيشون في العراء بدون طعام أو ملابس , البنات اللواتي تعرضن للاغتصاب إما أصبن بصدمة فقدن معها القدرة على الكلام و إما لا يوجد لهن أثر . رجال الأعمال فقدوا كل شيء . إجمالي الخسائر مليار و700 ألف تاكا , وإذا أضفت المحلات التجارية يزيد المبلغ إلى 220 مليون تاكا أخرى .

أوه لا يمكنني تحمل المزيد

هل تعرف , أسوأ شيء أن الخروج الجماعي من البلد قد بدأ يبدو أنه لا وسيلة لإيقافه . تردد الحكومة دائما أن الهندوس لا يغادرون البلد . ولكن هذا غير صحيح . ربما قرأت عن ذلك في مجلة " ديش " التي تصدر في كالكتا . على الأقل 150 ألف بنجلادشي عبروا الحدود الهندية , و معظمهم لم يعد . في العقدين الأخيرين أكثر من نصف مليون شخص من الأقليات أجبروا على مغادرة البلد .

استمر الحديث عن هجرة الهندوس , خرج كاجال إلى الشرفة ليهدىء مشاعره المستثارة ثم عاد إلى الحجرة و قال:
أرغب في كوب من الشاي . هيا لنذهب , إلى أحد محلات الشاي

كانت ملابس سورنجان متسخة لأنه لم يغيرها ولم يستحم منذ أيام . كما أنه لم يتناول وجبى جيدة منذ وقت طويل ., ولذلك قفز عندما سمع اقتراح كاجال و قال :
هيا لنذهب , الجسم يصدأ من الرقاد هكذا .

واصلا الحديث في الطريق عن هجرة الهندوس و موقف الحكومة من قانون " ملكية الأعداء " في عهد حكومة مجيب , ثم موقف حكومة ضياء الرحمن الذي ألغى مبدأ العلمانية من الدستور , ثم حكومة أرشاد الذي أعلن أن الإسلام و مبادىء القران هي القواعد التي يصاغ الدستور على أساسها . توقفا عند محل للشاي , جلسا في مواجهة بعضيهما . سأل كاجال :

هل تأكل شيئا مع الشاي ؟
هز سورنجان رأسه بالموافقة . بعد أن انتهيا من الأكل طلب كاجال بعض الماء من الصبي الذي يخدمهما :
هل يمكن أن تحضر لنا بعض ال " باني " ؟

فوجىء سورنجان باستخدام كاجال كلمة " باني "
في البيت كان يستخدم دائما كلمة " جال " و لكنه قال اليوم ط باني " هل يستخدم هذه الكلمة في العلن دائما ؟ أم أنه خائف ؟

كان على وشك السؤال لكنه منع نفسه . انتابه شعور بأن عددا من العيون تراقبهم . أسرع باحتساء جرعة من الشاي , هل هو خائف أيضا ؟ ما الذي يخيفه هكذا ؟ حتى أنه " لسع " لسانه بالشاي الساخن . الشاب الصغير الذي يبدو أنه يراقبه من المائدة المجاورة له لحية طويلة و يرتدي طاقية . ‘نه في حوالي الواحدة و العشرين من العنر . شعر سورنجان بأنه لا أحد الذين اختطفوا مايا , وإلا لماذا ينظر إليه هكذا ؟ اعتقد أيضا أن الشاب يبتسم لهما بسخرية . هل يبتسم لأنه يبعث له بريالة :"ما شعورك ؟ " لقد قضينا و قتا رائعا مع أختك " فجأة لم يعد يتحمل المزيد . نهض بسرعة و قال :
هيا يا كاجال-دا فلنذهب , لا أحب هذا المكان
نذهب ! بسرعة هكذا ؟
نعم , لا أستطيع تحمل هذا المكان





جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 10:15 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
eyad 65 غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 689
الإنتساب : Sep 2004
مشاركات : #10
رواية العار أو لاجا لتسليمة نصرين ( كاملة )
اليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم العاشــــــــــــــــــــــــــر


تقلب سورنجان في فراشه طوال الليل . منعه الاكتئاب من النوم . جاءت والدته إلى حجرته في الصباح . وبما أرادت أن تسأله عما إذا كان لديه أخبار عن مايا . هل سيعيشون باقي حياتهم بدون مايا ؟ خلال الأيام القليلة الماضية أصبحت الوالدة خامدة الهمة أكثر فأكثر . وظهرت دوائر سوداء حول عينيها و تجعد وجهها . لم تتكلم أو تبتسم دائما . تظاهر سورنجان بأنه نائم .

على مدار هذه الأيام الرهيبة لم يدع أمه ترى معاناته الداخلية . كانت تترك الطعام له على المائدة كل يوم . أحيانا كان صمتها يثير حنقه

أليس لديها ما تقوله لزوجها المريض عن ابنها الحاضر بالبدن فقط أو عن ابنتها المفقودة ؟ هل أصبحت حجرا لا يستجيب لأي شيء على الإطلاق ؟ أليس هناك شيء تعترض عليه ؟ كم هي غريبة سلبية و قاسية و جامدة المشاعر كما لو كانت جثة .

قرر سورنجان أن ينام طوال اليوم . إنه يحتاج إلى النوم انه لم ينم جيدا منذ وقت طويل . و لكن في كل مرة يغلق فيها عينيه كانت تمتد فيها يد حيوانية هائلة تريد خنقه . ولا واحدة ولكن أيادي كثيرة تندفع نحوه . ببساطة لم يستطع أن يحظى بلحظة من السلام ..





نونيجيبال , أحد أقارب سودهاموي البعيدين لأتى من مانيكجوني مع زوجته و ابنه و ابنته لزيارتهم . لم تبد عليه الدهشة من الخراب الذي حدث لمنزل سودهاموي و لكنه اكتفى بأن يقول :

إذن فهم لم يبق4وا على منزلك أيضا ؟

لوليتا . زوجة نونيجوبال مسحت السيندور- الذي يميز نساء الهندوس- عن مفرق رأسها . وسحبت الساري على وجهها لتغطي أكبر قدر ممكن منه أيضا . احتضنت كيرونموي و بكت بصوت مرتفع . ابنتها لوليتا وقفت تراقبها ببلاهة . لم يستطع سودهاموي أن يتذكر اسمها . كانت في عمر مايا تقريبا , ربما أصغر قليلا . نظر نحوها و امتلأت عيناه بالدموع . مايا لم تعد هنا . لم يستطع أن يقبل هذه الحقيقة التي لا تصدق . كان يريد أن يصدق أن مايا بجواره أو أنها خرجت لتلقي دروسها و سوف تعود في المساء .الحقيقة أن كل شخص في البيت ان يراوده الأمل في أن مايا بعد أن تعب و تغتصب و تضرب , سوف تعود ذات يوم . قال نونيجوبال :

دادا , أعتقد أنه لم يعد يمكن البقاء في هذا البلد . ابنتنا كبرت , و هذا يزيد رعبنا .

أبعد سودهاموي عينيه عن الفتاة و نظر إلى صديقه و قال :

لا تقل شيئا عن الرحيل , لا أرغب في سماع هذا .. أعرف أن عائلة جوتام المجاورة لنا سوف ترحل أيضا .. ماذا تعتقد أنك فاعل ؟ أليس هناك مجرمون في المكان الذي تخططون للهرب إليه ؟ أليس هناك أي شيء يدعو للخوف في هذه الأماكن ؟ الفتيات الصغيرات غير آمنات في كل مكان . هل تعرف أن العشب يكون أكثر اخضرارا في أرض الاخرين ؟ هذه هي مشكلتك .

نونيجوبال أحنى رأسه . كان يرتدي " كوتا " و " يبيجاما " مثل المسلمين . لم يكن هناك ما يقوله أمام غضب سودهاموي و لذلك جلس بهدوء , محني رأسه

فجأة انخرطت لوليتا في البكاء من جديد . لم تقم كيرونموي بأي حركة لتهدئتها أو لتتحدث مع ضيوفها . لم تستطع حتى أن تقول أن مايا اختطفت . نونيجوبال كان تاجر أخشاب . أحرقوا المخزن الذي يحتفظ فيه بالخشب ... لكن حتى هذا لم يخيفه بقدر ما أخافها احتمال اختطاف ابنته أنجالي ز

دادا , لولتا لها قريب في فيني بولاية فرشاندبور . خطفوه و سرقوا كل ممتلكاته ز قتلوه بعد ذلك . في بنغالي خطفوا ميكو ابنة شانتدرا التي تبلغ من العمر أربعة عشر عاما و اغتصبوها , ألا تعلم ذلك ؟ الفتاة ماتت , في فيد هرام خطفوا ناديتا ابنة ماريندرا ديرا , في بانشهارامبور خطفوا لبنة كشيتس و اغتصبوها . في تانجالي اختطف تاجر مسلم ابنة سودهير شاندرا باومان , في رانجبور خطفوا ابنه تنكوري شاها , ألم تسمع عن كل هذا ؟

سأله سودهاموي بضعف :
متى حدث كل هذا ؟
عام 1989
كل هذا حدث منذ سنوات و لاتزال تذكر مل شيء بوضوح ؟
كيف ينسى المرء هذه الأشياء ؟
ألم تسمع عما حدث للمسلمات الباريبانو و أنوارة و مونو وارة و صوفيا و سلطانة ؟ الم يختطفن أيضا و يغتصبن ؟

مرة أخرى نكس نونيجوبال رأسه , وقال بعد برهة :

سمعت أنك مريض , في الحقيقة كنت أنوي أن آتي لأراك منذ أيام , ولكن كلن يجب أن أتأكد أن الوضع امن على أسرتي . قبل الرحيل قررت أن أراك ربما لآخر مرة . سوف نرحل الليلة إلى بنا بول عبر الحدود . لن نستطيع أن نبيع منزلنا و ممتلكاتنا و لهذا طلبت من ابن عم للوليتا أن يبيعها لنا متى استطاع .

أدرك سودهاموي أنه لا فائدة من محاولة إثناءه عن الرحيل . لكن الأمر بقي كما هو , لا يستطيع أن يفهم ما الذي يأمل فيه الناس من وراء الرحيل . إذا تناقص عدد الهندوس في البلد أكثر فسوف يزداد اضطهادهم . في الحقيقة إنه موقف خاسر للذين يبقون و الذين يرحلون أيضا . و خسارة للفقراء و الأقليات .

تسءل سودهاموي : كم بالضبط عدد الهندوس الذين يجب أن يعانوا و يموتوا في هذا البلد من أحل تسديد أخطاء هندوس الهند , سواء أخطائهم في الماضي أو الحاضر ؟ لو عرف ذلك , فربما يستطيع أن ينتحر , حتى يقدم بذلك بعض السلام للهندوس .



في المساء جاءت علية بيجوم , زوجة شفيق أحمد لزيارتهم , من قبل كانت تأتي لزيارتهم يوميا ولكن في الفترة الأخيرة توقف كثير من زوارهم عن المجيء , حتى أبو حيدر و أمه لم يأتيا منذ أيام , أدرك كم أصبحت زوجته وحيدة , عندما فتحت الباب نظرت بدهشة إلى علية بيجوم , كما لو أنها لا تتوقع أن يزورهم أحد بعد الآن . ولماذا يفعلون ؟ منزلهم أصبح صحراء مقفرة لا يناسب سكن البشر , نظر سودهاموي إلى وجه علية بيجوم المبتسم , و ملابسها الفاخرة , و حليها المتلألئة , و تسائل عما إذا كانت زوجته تشعر بالنقص في حضورها . و كما كان يفعل دائما سقط في التساؤل عما إذا كان قد ظلمها !


لقد أتى بابنة أسرة مثقفة و متعلمة و ثرية إلى هذه الأسرة اليائسة المفلسة , و فوق كل هذا حرمها من احتياجات الجسد على مدار الواحد و العشرين عاما الماضية , دائما كانت مصلحته هي الأهم , وإلا لماذا لم يصر على أن تتزوج كيرونموي مرة أخرى . ولكن هل كانت سترحل لو طلب منها ذلك ؟ ألم تكن تشتاق سرا إلى حياة مثل حياة علية بيجوم , تمتلىء بالبريق و النشاط ؟ إنها إنسانة في النهاية ولم يكن سيفاجئه أن ترحل , قال لنفسه ألم يكن خوفه من التواري أمامها هو سبب حبسه لهل على الدوام .

لقد كف عن دعوة أصدقائه إلى بيته و نتيجة هذا أصبح بدون أصدقاء و لكن ليس هذا ما كان يقلقه , الأسوأ من وجهة نظره هو احتمال أن تنجذب كيرونموي إلى أحد أصدقائه :" القادرين " لقد حاول أن يعوضها عن عجزه بحبها بأقصى ما يستطيع , ليقنعها بأنها لا يجب أن تتخلى عن مثل هذا الحب من أجل متع الجسد , ولكن هل من الممكن إرضاء مشاعر أحد بالحب فقط ؟ بعد كل هذه السنوات أدرك سودهاموي أن شيئا أكثر من الحب ربما كان مطلوبا .

رأت علية بيجوم حطام الغرفة و سودهاموي نصف المشلول , وسمعت باختطاف مايا , و عبرت عن تعاطفها و حزنها , وفي لحظة ما سألت كيرونموي ك

بودي , أليس لديكم أقارب في الهند ؟
بللى , كل أقاربنا هناك تقريبا
إذن لماذا لا تلحقي بهم ؟
لأن هذا بلدي

لم تستطع علية إخفاء دهشتها من رد كيرونموي . بعد كل شيء كيف يمكن لها أن تقول بثقة علية نفسها , أن هذا بلدها فهم سودهاموي في تلك اللحظة أن كيرونموي و علية , بالرغم من كونهما امرأتين و مواطنتين في نفس البلد , لا يمكن النظر إليهما بنفس النظرة , في مكان ما هناك , يفصل بينهما خط رفيع من التمييز .



جسدي صدأ يا سادة
02-16-2006 10:16 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  قصة الحضارة - ول وايرل ديورانت . ( لأول مرة - كاملة ، منسقة ، مفهرسة - 42 جزء -) ali alik 2 1,903 06-22-2012 05:33 PM
آخر رد: نبع الحياة
  خماسية نور العادلين - هنري ترويا - الأجزاء الخمسة كاملة . ali alik 0 1,244 01-26-2012 09:38 AM
آخر رد: ali alik
  رواية عالم صوفي/ عرض للدكتور محمد الرميحي بسام الخوري 1 2,457 06-15-2011 08:50 AM
آخر رد: بسام الخوري
  رواية اسمها سورية - 40 كاتب ومؤلف في 1585 صفحة ، ملف واحد بحجم 25 ميجا مع الفهرسة ali alik 11 4,517 04-09-2011 11:21 PM
آخر رد: kafafes
  رواية فنسنت فان جوخ - رائعة ايرفنج ستون في 772 صفحة .. لأول مرة ali alik 2 4,093 12-25-2010 02:04 PM
آخر رد: kafafes

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف