make-money-468x60

إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
سيرة ذاتية
الكاتب الموضوع
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #1
سيرة ذاتية

نصيف الناصري من عائلة فقيرة لم يدخل المدرسة كما الاطفال من اقرانه لكنه تعلم القراءة والكتابة في مدارس محو الامية بعد تجاوزه الخامسة عشر بالاضافة لمساعدة الاخرين له ومن ضمنهم الشاعر الشعبي كريم العراقي في احدى مقاهي مدينة الثورة وبعدها تطور لقراءة دواويين الشعر والروايات الادبية والفلسفية ولم يكتفي عند هذا الحد بل اخذ يكتب الشعر والمقالة وتنشر له الكثير من الصحف العراقية والعربية ... عاش فقيرا مدقعا حياة بوهيمية او صعلوكية امتاز بشخصية غريبة وفوضوية وصريحة لا يخفي شيئا عن نفسه ولا يترك يوما بدون ان يعاقر الخمر يبيع كتبه او اشيائه التي يعتز بها حين لا يجد بجيوبه بعض النقود او من يستضيفه على خمرة او من يقبل ان يداينه مبلغا من المال لكي يشتري بها شيئا من الخمرة...
تعرفت عليه في الغربة عن قرب احترم فيه مثابرته على القراءة الكثيرة والكتابة والنشر
كما انه يحمل روح شفافة وطيبة جدا مسالم جدا...
اضع هنا ما يدونه هو كسيرة ذاتية لبعض جوانب من حياته قد تعجب البعض وينفر منها البعض


[SIZE=5]


[CENTER]سيرة ذاتية

معرفة أساسية :الحرب ، الشعر ، الحب ، الموت

نصيف الناصري[/CENTER]







الفصل الأول
محني الظهر تحت أوامركم


أريد أن أقول إنني لا أتذكر شيئا من صحيفتي العسكرية إلا أيام الغياب والهروبات والعقوبات، هنا يتمشى رجلان تحت مظلة متهرئة ، أيديهما فارغة وهما يستعطفان الرجلين اللذين نراهما إلى جانب تمثال الرصافي عام 1987 كانون الأول في ذروة البرد ، كانا مسلحين ويحلمان بإلقاء القبض علي ، على أي وجه سنقذف بالبصاق ؟ على أي قبر سنكتب أسماء القتلى ؟ إنها لنا هذه الأشجار العالية اليابسة من أجل التوابيت وإحراق الأكاذيب . والآن ، انتهت الحروب وها أنا { عاري الرأس ، أنزع عن قدمي مشبك دراجني ، باحترام وحرج }. عندما أدخن سيكارة ، أضع عقبها في المنفضة ، أنا رجل متمدن ، رقيق ودمث الأخلاق ، في إجازتي الدورية اذهب لزيارة اصدقائي ولا أحقد على أحد ، لكنني عندما أفرط في السكر ، أضع جميع المقدسات في المرحاض ، وشأن كافة المواطنين الصالحين ، أسدل الستائر حال سماع صفارة الإنذار . لم أفعل شيئا يستحق إقامة نصب لي بحيث يخسر بعض المسؤولين ، يوم عمل من أجل تدشينه . هربت من الخدمة العسكرية عدة مرات ، واختبأت في أمكنة سرية كئيبة . حوكمت وسجنت وتبهذلت واعتبرت جرائمي في {قادسية صدام} مخلة بالشرف .والآن أنا عاطل عن العمل ، لا أملك غرفة ولا غيمة ولا حذاء ولا ثمن وجبة طعام . حياتي هامشية ، علمتني صحيفة {القادسية} أن أحب الوطن وأموت من أجل ترابه ، مع إنني لا أملك ذرة تراب واحدة ، وحفظت الحديث الشريف{ أرواح الشهداء تعلق في حواصل طيور خضر من طيور الجنة } ولكي تكتسب ثقافة عالية وتنجح في الحياة ، عليك أن تقرأ كل شهر مجلة وزارة الدفاع { حراس الوطن } بإستثناء بعض الأكاذيب الصغيرة ، حتى الآن ، أنا لا أعرف وزن بندقيتي ، في الليل أجلس على الكرسي في شرفة الفندق وحيدا ، القمر الجميل يلمع في مقدمة حذائي ، أجلد عضوي الجنسي وعلى وجهي ، أكتب حمار ، ليست لي عشيقة ولا أملك نقوداً لكي أذهب إلى المبغى وشكله الشبيه بثكنة . أحيانا أقف ساعات في الطابور ، لو أصبت بالأكزيما بالبثور ، باي مرض جلدي ، فهناك أنواع المراهم . لقد عشت حياتي كما أنا ، الجميع يمكنهم سحب كلماتهم ، لا أقبل شروط أحد ، يتحتم أن أعبر الحشود المكتظة ، عبر أسراب الذباب ، عبر كل الذين عرفتهم واحداً ، واحداً ، ها أنا الآن ، غطيت نفسي بنفايات الفشل ، ورغم إنني أحيا مستقيما فالمرارة ما زالت تحكم حياتي ، أن تكنس العالم من هذه النفايات ، فأنت بحاجة إلى كاسحة نفايات ، خلف هذا العالم وخزائنه هناك نفسي الجائعة ، في أمعائي اجترار اللاشيء ، وفي رئتي عار الذين لا يملكون شيئا ،

مغطى بالهامش

أسود

محني الظهر تحت أوامركم .



9 / 4 / 1991

بغداد



في دفتر خدمتي وصحيفتي العسكرية مدون إنني دخلت الجيش لإداء الخدمة العسكرية الالزامية بتاريخ 5 / 5 / 1979 وتسرحت في 5 / 5 / 1991 ولولا حرب الكويت الأولى لكان الله وحده يعلم متى يتم تسريحي من هذه الخدمة المشؤومة التي أخذت من شبابي 12 عاما بالتمام والكمال ، أنا الحالم في السفر والحب والشعر والحرية والآمال الانسانية الأخرى. في صحيفة {بابل} التي كان يملكها عدي صدام حسين ، نشر رئيس إتحاد الأدباء والسكرتير الثاني لرئيس التجمع الثقافي في العراق ، المدعو رعد بندر { شاعر أم المعارك } بمرسوم جمهوري يوم الإثنين المصادف 30 / 12 / 1991 مقالاً تحريضياً ضدي يتهمني فيه إنني { لم أكتب لا قصيدة ولا أي شيء آخر، يديم روح النصر في المعارك الخالدة بقيادة الرئيس العظيم } ويطلب مني أن { لا أستخدم لقب الناصري لا من قريب ولا من بعيد لأن لقب الناصري خاص بعشيرة الرئيس فقط } وانني { منشغل بالغنائم بعيداً عن خيام الوطن } كان يريد أن يوهم دوائر نظام صدام حسين الأمنية ، أنني أقيم بمحافظة { الناصرية }وبالتالي فإنني مشترك في الإنتفاضة الكبيرة التي قامت ضد النظام بسبب جرائمه الفاشستية و التي قام بها الشعب العراقي في 14 محافظة عراقية ، يا إلهي ، هل حقا أن كاتب هذا المقال هو رئيس إتحاد الأدباء في العراق ؟ ، ماذا أفعل وكاتب المقال في صحيفة عدي هو نفسه سكرتيره الثاني في التجمع الثقافي المزعوم ؟ ذهبت إلى محافظة { ديالى } لألتقي صديقي القاص صلاح زنكنة عسى أن يهربني إلى منطقة { كردستان } وتحدثت له عن رعبي الكبير ، لكنني في اللحظة الأخيرة لم أطلعه على رغبتي في الهروب ، عدت إلى بغداد في اليوم التالي متخفياً والتقيت صديقي الشاعر حسين علي يونس الذي إقترح أن نذهب إلى بار غير البار الذي إعتدنا أن نذهب إليه كل يوم وهو بار { روافد دجلة } في ساحة { النصر }، خشية أن يلقي القبض عليَّ رجال الأمن كما حدث لغيري ، وأقترح عليَّ أن أكتب رداً على رعد بندر وأدفعه إلى صحيفة عدي ، بدا لي الإقتراح غير معقول ، ولكن الشكوك الكثيرة كانت تدوخ رأسي بشدة ، هل ستنشر صحيفة عدي ردي ؟ هل سيتسنى لي أن أدفع هذه الإتهامات اللاإنسانية عني ؟ عموماً ، كتبت رداً طويلاً بعنوان { جروح عميقة ، تصحيحات حول مقال رعد بندر } و دفعته في البريد ، نشر الرد بتاريخ 5 / كانون الثاني / 1992 ، ودافعت فيه حول إتهامي :{ يرفض الكتابة عن الحرب بدعوى الوقت وبدعوى عدم الإستعداد } ودافعت فيه كذلك عن مجمل شعر الشباب ، و أوضحت أن شعرهم غير معني بمصطلحات التعبئة والحماسة وتمجيد البطولة وقلت أن :{ الشعر الثمانيني يواكب التطورات الحاصلة في الحساسية الشعرية الجديدة ، ومازال يواصل البحث المضني عن الخارق والمطلق والجوهر الحقيقي للشعر الذي فرط فيه أصحاب المواهب الضعيفة من أجل تثبيت كيانات اجتماعية لهم على حساب ثورة السياب التي أحرقت مشاعلها ليل الشعر العربي ، } وكتبت أيضاً { ومما يلفت النظر في تجارب شعراء الثمانيينات ، هو أن شعرهم كثير التوغل في المسائل الوجودية التي لها صلة في الحياة والموت والطفولة والتحول والصيرورة، عكس الشعر الآخر الذي هو مجاز جماهيري ، أن الفعل الشعري عند شعراء الثمانينات والذي بسببه يحاربه البعض ويضيق عليه الخناق ، ليس في أنه قائم على رموز وإشارات وإيحاءات وترنيمات متداخلة ،أن هذه إلا أشكاله وعناصره التكوينية، بل هو في اكتشاف الكوى النفسية التي ترتسم لمصائرنا ومخيلاتنا عبر الشقوق والفجوات التي نراها في العالم الواقعي المحيط بنا ، ومن خلال هذه الكوى نفذ هؤلاء الشعراء إلى العالم الأبدي الكامل ، ومنها تطلعوا إلى رحاب فسيحة من الجمال الذي ينشدونه ، ولئن وصل هؤلاء الشعراء إلى هذه النتيجة _ الجمال _ فإن فعلهم الإبداعي ، هو أنهم لجأوا إلى جوهر الشعر وحده ، واتخذوا الشعر إداة تعبير عن أحلامهم المشروعة في التجريب وخرق المألوف } وكتبت أيضا إنني كنت جندياً و : { أمضيت خدمتي العسكرية البالغة 12 عاماً في جبهات القتال واشتركت في المعارك التالية :

1_ المعركة التطبيقية ، حاج عمران / سيده كان 9 / 9 / 1985

2_ معارك الاكتساح العنيف ، سيده كان 23 / 4 / 1986

3_ معارك الغضب الهادر ، حاج عمران 13 / 5 / 1986

4_ معارك حاج عمران / سيده كان 1 / 9 / 1986

5_ معركة جبل كرد مند الثالثة 3 / 3 / 1987

6_ معركة جبل كرده كو 23 / 11 / 1987

7_ معركة جبل أحمد رومي 15 / 1 / 1988

8_ معارك جبال كوجار / كردي هلكان 17 / 3 / 1988

وكتبت في خاتمة الرد { هنا أود القول أن رعد بندر قد أمضى سنوات خدمته العسكرية طوال سنوات الحرب حاسر الرأس في صحيفة القادسية ، وكان ينعم بالراحة والطمأنينة في شقته الفخمة ذات الآثاث الضخم بشارع حيفا ، وينعم بمغانم الإيفادات والسفر إلى خارج العراق ، أخيراً ، آمل أن لا أحسب على جمعية الشحاذين بسبب إعترافاتي الذي اضطررت إلى البوح بها مجبراً ، حمدا لله ، أنا سعيد الآن وصحتي أكثر من جيدة وعندي وظيفة وغير محتاج إلى أي شيء } ومعلوم أن رعد بندر حصل من صدام حسين على شقة فخمة وأثثها له ديوان رئاسة الجمهورية ووظيفة مدير عام في وزارة الثقافة والإعلام وسيارة نوع سوبر ورسالة شخصية يشكره فيها سيده على إخلاصه { لقائد مسيرة العراق في الحرب والسلام } من خلال قصائده العمودية التي كان يمدح فيهاالطاغية صدام .طبعاً في هذه المعارك الثمانية التي إشتركت فيها بصفة جندي { مغاوير} لم أطلق من بندقيتي الكلاشنكوف سوى 4 إطلاقات فقط ، كان ذلك ليلة 15 / 1 / فوق جبل{ أحمد رومي } بالسليمانية عام 1988 والسبب دائماً هو أما التسرب من المعارك أو الإختباء حيث لا يعلم أحد أين أنا إلا الشيطان . من المعلوم في السياقات العسكرية التي كانت تطبق في الحرب العراقية الايرانية ، أن ألوية المغاوير والقوات الخاصة لا تمسك موضعا دفاعيا لمدة طويلة ، ويناط ذلك بألوية المشاة فقط ، وحين تتعرض ألوية المشاة لهجوم كاسح من الجانب المقابل ولا تستطيع صده ، يأتي هنا دور المغاوير في شن الهجوم المقابل قبل أن يتمكن الجانب الآخر من بناء السواتر والتحصينات اللازمة ، وكانت فيالق الجيش العراقي البالغة 7 فيالق ، توجد فيها ألوية مغاوير وبعض هذه الفيالق يمتلك لوائين مثل الفيلق الخامس في { أربيل } والفيلق الأول في { السليمانية }، كنا عندما نصعد الجبال لشن الهجومات المقابلة ، يتأخر الكثير من الجنود في الصعود ويبقون في الخلف بالقرب من نقاط الإدامة خوفا من القتل والقصف المدفعي الشديد ، والكثير من هؤلاء الجنود يجهل أنه ما أن يبدأ زخم الهجوم المقابل حتى تبدأ المدفعية الثقيلة ومدفعية الميدان والراجمات والطائرات في القصف الشديد من أجل إيقاف وعرقلة الهجوم ، وبالتالي فأن شدة القصف تتركز أكثر فأكثر على نقاط الإدامة والطرق النيسمية والطرق المعبدة التي تسير فيها الأرتال والعجلات والدبابات ، وهنا يكون هؤلاء الجنود المساكين عرضة للإبادة التامة ، وأكثر خسائر الجيش العراقي في الحرب العراقية الايرانية بالجبهة الشمالية كانت أكثرها تقع في المواقع الخلفية وليست الأمامية . هناك سياق عسكري متبع في الجيش العراقي ، وربما هو نفسه عند الجانب الايراني ، يقوم هكذا : عند قيام وحدة عسكرية ما بهجوم فأن المدفعية تقوم في البداية بعملية التربيع ، والتربيع مفاده أن تدك المدفعية بقذائفها الجهنمية الهدف المراد إحتلاله دكا من جميع الجوانب وأن تضرب كل ربع متر من الأرض بقذيفة ثقيلة ، أي أربع قذائف للمتر المربع الواحد ، علما أن القذيفة تتشظى لمسافة 500 متر ، حتى لا تبقى بعوضة ولا ذبابة في الجو ولا جرذ في باطن الأرض. في المعارك الأولى اكتسبت خبرة من خلال قراءة كتب السياقات العسكرية التي ترسلها وزارة الدفاع إلى الوحدات العسكرية ، وهذه الكتب لا يقرأها الجنود ولا الضباط ، بإستثناء ضباط الأركان والقادة ، فتعلمت أن الوحدة العسكرية حين تخوض معركة جبلية ، يتوجب على جنودها أن يتقدموا بسرعة نحو الهدف وأن يستتروا خلف السواتر أو في الخنادق ، وأن لايبقوا في الخلف لأن ذلك يعني هلاكهم الأكيد من خلال القصف الذي سيستمر لعدة ساعات ، وتعلمت أيضا أن لا أرمي المجرفة التي يحملها جندي المغاوير لأنها تساعده كثيرا في حفر حفرة والإختباء فيها ، وكثيرا ما كنت أثناء القصف الشديد أبتعد عن تجمعات الجنود وأختبئ وحدي خوفاً من الرصد ، وتعلمت كذلك من بعض الجنود القدماء أن أجعل آمر سريتي أو آمر فصيلي أن يراني حتى إذا أردت التسرب وترك الموضع الدفاعي ، لا يكتب ضدي بعد إنتهاء المعركة محضر تحقيق ويتهمني فيه بعدم التقدم أثناء الصولة ، أو إنه لم يرني لأن ذلك ربما يعرضني لعقوبة الإعدام ، كنت في كل هجوم أتقدم مع الآخرين ، لكن ما أن تبدأ الصولة الأولى حتى أتسرب من ساحة المعركة شأني شأن أمثالي الذين لا يريدون الموت في الحرب . كانت مساجد وكنائس ومقاهي ناحية { ديانا} في أربيل تكتظ بنا نحن الذين نتسرب في الهجومات ، قبل أن تنتبه استخبارات الفيلق الخامس للأمر وتبدأ بمطاردتنا ، وكنا لا نحلق لحانا ولا نغسل وجوهنا ولا نتواجد في المقرات الخلفية لوحداتنا خوفا من الوشاية بنا لإستخبارات اللواء أو الفوج ، ذلك لأن ألوية المغاوير ما أن تبدأ بهجوم وتحتل الهدف المراد احتلاله حتى تبدأ بتسليمه فورا إلى لواء مشاة وتنسحب إلى المقرات الخلفية لإعادة التنظيم ،وإعادة التنظيم تعني تعويض الجنود الذين قتلوا أو أسروا أو فقدوا والأسلحة التي تحطمت أو ما شابه ، وكنا عندما يعود اللواء إلى المقرات الخلفية نندس بين جنوده خلسة ، وإذا سأل أحدنا ، أين كنت ؟ يجيب :

_ { كنت في الفوج الأول ، حاصرنا القصف الشديد ولم أتمكن من التواجد معكم } أو

_ { كنت في السرية الثالثة ، اسألوا فلان وفلان} ، طبعا فلان وفلان لن يشوا بنا لأنهم إن فعلوا ذلك سيعتبرنا الضباط جبناء ، وهكذا اشتركت في 8 معارك وأطلقت 4 اطلاقات فقط ، وجرحت مرة في حاجبي الأيمن فوق جبل { أحمد رومي } في السليمانية.

المعركة التطبيقية ، حاج عمران / سيده كان 9 / 9 / 1985


يتبع

... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-02-2005 03:51 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #2
سيرة ذاتية
اعدام أسرى وجرحى



هذه أول معركة أشترك فيها ، وكنت ملتحقاً منذ 4 أيام إلى آمرية مغاوير الفرقة23 المتمركزة في منطقة {قصري } القريبة من قاطع حاج عمران ، قبل أن تصبح لواء مغاوير الفيلق الخامس الأول فيما بعد ، كنت قبلها في مقر الفيلق الأول { بكركوك } لمدة 6 شهور ، في ليلة 9 / 9 / 1985 ، شن الجيش الايراني هجوماً كاسحاً على مواضع اللواء 98 مشاة في قاطع {حاج عمران} { جبل كوره دي } وعلى مواضع اللواء 604 مشاة في قاطع {سيده كان} { جبل زرار } ، بدأنا هجومنا في الصباح على جبل { كوره دي } قبل أن تتمكن القوات الايرانية المهاجمة من بناء السواتر البديلة وحفر الخنادق ، وكنت كلما تمر القذائف أثناء تسلقنا الطويل للجبل ، أموت من الرعب وأرمي نفسي منبطحاً كالمجنون ، والجنود الذين معي يسخرون مني ويقهقهون ، أخيراً هدأوا من روعي وراحوا يشرحون لي بإشفاق ، أن هذه القذائف من الجانب العراقي وهذه القذائف من الجانب الايراني ، وعجبت ، كيف يعرفون ذلك ؟ والله وحده يعلم كم أخاف حتى هذه اللحظة من صوت أية قذيفة حتى لو كانت قنبرة هاون 60 ملم أو انفجار إطار سيارة ، كانت مهمة وحدتي يساندها لواء مشاة آخر زائداً فوج { جيش شعبي }وبقية مراتب وضباط اللواء 98 ، الهجوم على جبل { كوره دي } وطرد القوات الايرانية التي إكتسحت الخطوط الدفاعية للواء 98 ، بعد أن دكت مدفعية الفرقة 23 ومدفعية الفرق الأخرى مواضع القوات الايرانية ، بدأنا شن الهجوم من عدة محاور ، وبما أن القوة الايرانية المهاجمة لم تكن بمستوى فرقة ، فقد تم طردها بسرعة ، ومعلوم في السياقات العسكرية ، أن اللواء المكون من 3 أفواج يقوم بالهجوم على فوج واحد ، والفرقة المكونة من 3 ألوية تقوم بالهجوم على لواء واحد ، أي أن كل 3 جنود يقومون بالهجوم على جندي واحد ، بعد طرد القوات المهاجمة إكتشفنا أن بعض الجنود والضباط القتلى في اللواء 98 متفحمين تماماً من شدة القصف المدفعي الكثيف ، والبعض الآخر ممزقة بطونهم ، ولأول مرة أشاهد مصارين الإنسان الطويلة الخضر والصفر والحمر ، وبقية أعضاء الجسم البشري ، فشكرت الآلهة أن لنا جلوداً تخفي هذه الأشياء ، كان بعض جنود اللواء 98 الجدد الذين إشتركوا في الهجوم معنا والذين لم تكن لهم خبرة كافية في الحرب ، عندما شاهدوا هؤلاء الجنود الممزقين ، أصدقاءهم ورفاقهم ، أصيبوا بالهستيريا، و اعتقدوا ربما بفعل الحملات الاعلامية الضخمة لنظام صدام حسين التي كانت تصور الجندي الايراني على أنه وحش و{مجوسي كافر} وما شابه ، أن القوات الايرانية قد مزقت بطون رفاقهم بالحراب ، وأحرقت الآخرين بالنار ، ولم يعلموا أن تمزيق بطون هؤلاء الجنود والضباط كان بفعل شظايا قذائف المدفعية التي عادة ما تكون شبيهة بأمواس الحلاقة ، وإحتراقهم كان بفعل شدة النيران التي سبقت الهجوم على مواضعهم وملاجئهم، فقاموا بإطلاق النار على مجموعة من الأسرى وأردوهم قتلى ، ومن ثم راحوا يطلقون النار على الجرحى الذين يئنون ألماً ، ولقد شاهدت أحدهم يطلق 60 اطلاقة من بندقيته الكلاشنكوف على جندي جريح في أحد الخنادق ، طبعا تم دفن الجنود الايرانيين خارج الخنادق وكأن شيئاً لم يحدث ، بعد نهاية المعركة بدأت عمليات إخلاء الجرحى والقتلى من منتسبي وحدتي ، كانت الأوامر العسكرية الصارمة تنص على عدم الإخلاء أثناء الصولة ، قتل من سريتي أكثر من عشرين جندياً وجرح العشرات ، أما أنا فقد اختبأت في شكفتة { كهف } بعيداً عن المواقع المتقدمة ، وكانت القذائف التي تسقط بالقرب مني تجعلني أرتعش كالقصبة في الريح من شدة الرعب ، وكانت أسناني تصطك ، وكنت بالكاد أستطيع التنفس ، في الغروب جاءت الأوامر إلينا من قيادة الفرقة 23 مشاة بضرورة الإنسحاب فوراً إلى المقرات المتقدمة ، سلمنا المواضع التي إستعدناها من القوات الايرانية إلى لواء المشاة 98، وغادرنا إلى حيث إعادة التنظيم والتدريب العنيف الذي سيستمر ليلا ونهارا عدة شهور. في الساعة الثامنة مساء أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية بيانا صاخباً عبر وسائل الإعلام أدعت فيه إننا قتلنا وأسرنا آلاف الجنود والضباط وإستعدنا المواضع التي إحتلها الجيش الايراني وتمت تسمية هذه المعركة { المعركة التطبيقية} بسبب التنسيق بين قيادات فرق الفيلق الخامس كلها ، و تزامن الهجوم في قاطعي {حاج عمران} و{سيده كان}في نفس الوقت ، بعد إسبوع من إنتهاء الهجوم بعثت القيادة العامة للقوات المسلحة برقية فورية إلى قيادة الفيلق الخامس تطلب فيها أن يرفع كل لواء أسماء 30 من الجنود والضباط ممن أبلوا بلاء حسنا وأثبتوا شجاعة عالية لنيل أنواط الشجاعة ، وأسماء 30 من مختلف المراتب لنيل رتبة أعلى ، طبعا سر الكثير من الجنود والضباط الشجعان لهذا التكريم ، حين وصلت البرقية إلى مقر وحدتنا جمع الآمر المقدم عبد المحسن { قتل فيما بعد أثناء هجوم بالسليمانية }الضباط في البهو من أجل التشاور حول إقتسام الغنيمة ، وطلب من كل آمر سرية أن يرشح مجموعة من الأسماء لنيل نوط الشجاعة ومثلها لنيل الرتبة الأعلى ، بعد التحقق والإستفسار وشهادة الشهود وقسم الإيمان الغليظة حول من أثبت شجاعة عالية ويستحق التكريم ، رفع الضباط الأسماء وأرسلت إلى مقر الفرقة لترفعها بدورها إلى مقر الفيلق ، والفيلق يرفعها إلى القيادة العامة للقوات المسلحة ، في اليوم التالي بدأ اللغط يدور حول مجموعة من الأسماء التي رشحت لنوط الشجاعة، والتي لم تشترك في المعركة ، بل كانت مهمتها الدائمة تكمن في البقاء في المقر الخلفي للوحدة في ناحية { ديانا } بالقرب من مصنع الأسمنت ، بحجة العمل في { الإعاشة } أو في مشاجب السلاح أو لحراسة المقرات أو في التوجيه السياسي أو في مكتب الأمن وماشاكل ، وهؤلاء الجنود الذين يتم تنسيبهم للعمل في المقرات الخلفية في كل وحدات الجيش العراقي، معروف عنهم أنهم من العوائل الموسرة والذين يستطيعون أن يلبوا أي شيء يطلبه الضباط منهم مثل تقديم المال والهدايا ، خمور فاخرة ، عطور ، أجهزة كهربائية ، قطع إحتياطية للسيارات وغيرها من الأشياء، ويحصلون مقابل ذلك على أنهم لا يشتركون في أية معركة ، ويتمتعون بالإجازات الطويلة ، ونادرا ما كنا نشاهدهم في وحدتنا ، لا في المقر الخلفي ولا في المقر المتقدم ، أخيرا ، وصل المرسوم الجمهوري الصادر من بغداد بعد إسبوعين ، وتم إبلاغ الجنود والضباط الذين رفعت أسماؤهم في الإستعداد للذهاب إلى بغداد ليعلق القائد العام المزعوم للقوات المسلحة الأنواط على صدورهم ، أما أصحاب الرتبة الأعلى فأمروهم أن يذهبوا إلى حوانيت وحداتهم ويشتروا رتبا جديدة ، أي أن نائب العريف يشتري رتبة عريف ، والعريف يشتري رتبة رأس عرفاء الخ، ما أن ظهرت الأسماء هذه المرة علانية حتى بدأ اللغط يزداد أكثر فأكثر، وشعر أولئك الذين كانوا شجعانا أكثر من غيرهم ولم يتم ترشيحهم بالغبن والخديعة ، كنت أسمع اللغط ولم أستطع أن أعرف كيف توزع هذه الغنيمة :

_ { سوف أذهب إلى مقر قيادة الفرقة وأقدم شكوى ضد آمر السرية محمود ، هل يعقل أن يرشح مهدي النائم في المقر الخلفي منذ سنة ونصف لنوط الشجاعة ولا يرشحني أنا ؟ ، بشرفي كلكم تدرون إنني حصدت أكثر من 100 جندي ايراني في الرباعية { رشاشة ثقيلة لها 4 فوهات }، لقد أطلقت أكثر من 2000 اطلاقة من الرباعية ، ماذا ؟ هل كنت أطلق الإطلاقات في الهواء ؟ هل تراجعت ؟ هل توقفت عن الرمي عندما بدأت الطائرات السمتية الايرانية تقصفنا بالصواريخ ؟ بس هذا أخ القحبة ، مهدي المنيوك ، وين يروح مني ؟ }



_ { بابا هاي غير معقولة ، عير بالتاريخ ، شنو هذا المنيوك فيصل يرشحه نقيب عماد ، هو هذا مال نوط شجاعة ؟ بشرفي نقيب عماد ينيك زوجته }



_{ هسه شلون يقدر الواحد أن يقابل قائد الفيلق أو قائد الفرقة ويقول لهما أن الرفيق سلمان ظل في التوجيه السياسي ولم يشترك في الهجوم ؟ أبو العيورة الآمر، أعطاه نوط شجاعة لأنه إبن خالته ، ألف عير بكس أمه ، القحبة ، القوادة ، الكلب إبن الكلب} ،



جاء مهدي وفيصل من المقر الخلفي إلى المقر المتقدم بملابسهما النظيفة والشبيهة بملابس الضباط ، تفوح منهما العطور الغالية ، اشتروا لنا {عصائر وبسكويت وحلويات } بمناسبة حصولهما على أنواط الشجاعة تكريماً لبسالتهما العالية في دفع الرشوة للضباط ، طبعا ، أغلب جنود الوحدة لم يمدوا أيديهم إلى أي شيء بإستثناء بعض جنود المقر و{ الخدم } ، في الساعة الثالثة فجراً ، كانت هناك عجلة إيفا متوقفة فوق تل يبعد عن سرية المقر مسافة لا بأس بها ، وفجأة تحركت من مكانها وتقدمت بسرعة صوب خيام الجنود وهم يغطون في نوم عميق . بدأ صياح الحراس والجنود الذين سارت فوقهم عاليا ، البعض منا إعتقد إنه تسلل ايراني أحاط بمقر وحدتنا ، والبعض الآخر لا يدري ماهو سبب الصياح والعويل ، والكارثة كانت مقتل شخصين ، أحدهما مهدي الذي كانت إصابته في رأسه حيث تهشمت جمجمته تماما والآخر عريف الإعاشة في سرية المقر غازي كاظم ، ونجا البعض بعد أن تكسرت عظامهم ، تم وضع سائق العجلة سالم دعدوش في سجن الوحدة بانتظار نتيجة التحقيق ، وأرسل الجرحى إلى مستشفى أربيل العسكري . أثبتت نتيجة التحقيق التي قام بها مكتب الإستخبارات في وحدتنا بعد يومين، أن العجلة قد أفرغت من الهواء لا عن قصد ، أطلق سراح السائق ولم توجه له أية تهمة ، لكن الذين سمعوا صاحب الرباعية وهو يهدد ويتوعد لم يستطيعوا أن يزيلوا شكوكهم ووساوسهم حول قيامه بتنفيذ تهديده عن عزم وتصميم بتدبير مقتل مهدي والشخص الآخر . بعد شهر عندما عدت إلى وحدتي من الإجازة الدورية ، جلبت معي الأعمال المسرحية الكاملة لشكسبير { مشروع الجامعة العربية } والذي يبدو أن هذا أجمل مشروع إستطاعت هذه الجامعة العتيدة أن تقدمه لنا طوال تاريخها الخرائي . كنت طوال الوقت صديقا لشكسبير ، كانت الأيام والليالي المملة والرتيبة ، حيث التدريبات العسكرية العنيفة ، بمنطقة { قصري } تجعل الإنسان يشعر بالغثيان ويموت في كل لحظة ، ومما يزيد النفس إنقباضا انها عرصة صغيرة مهدمة وتحيطها الجبال الشاهقة من جميع الجهات ، فأنت أينما تولي وجهك ثمة جبال مثل { سكران } على اليسار إرتفاعه 3000 متر و{ مام روتا } على اليمين وإرتفاعه أيضا 3000 متر وفي الأمام { كوره دي } وإرتفاعه أكثر من 35000 متر وبعيدا في الخلف ثمة جبل لم أستطع معرفة أسمه يبلغ ارتفاعه 4000 متر ، كانت أوقات التدريب مستمرة ليلا ونهارا حتى في أيام العطل والأعياد ، لكن مع هذا كنت نهما في القراءة ، يبدأ بوق النهوض الصباحي في الساعة الخامسة صباحا ، وأحيانا في الساعة الرابعة ، وبالكاد نستطيع حلاقة وجوهنا وتلميع جزماتنا التي يجب أن تكون براقة في ساحة العرض الصباحي ، وهذا سياق انجليزي متبع دائما منذ أن تأسس الجيش العراقي عام 1921 من قبل الفيالق الانجليزية التي إحتلت العراق بجنودها من الهنود في الحرب العالمية الأولى ، أما الفطور فلا أعتقد أن أحدا يفطر بشهية ، ذلك لأنه يقتصر في جميع وحدات الجيش العراقي منذ التأسيس وحتى الآن على حساء العدس فقط ، المطبوخ بطريقة تخلو من أي ذوق ، والشاي الذي عادة يشبه الماء الساخن ، وهو إما أن يكون حلوا جدا أو مرا جدا ، ذلك لأنه يطبخ في قدور الطعام الكبيرة ويوضع فيه السكر منذ البداية ، بعد إنتهاء العرض الصباحي الذي يبدأ من الساعة السادسة ويستمر مع التدريب العنيف إلى الساعة العاشرة ، يعلن بوق التفرق وننسحب إلى المقرات لإستلام الأرزاق الصباحية ، وحصة كل جندي هي { صمونتان } من الذرة وحبة قثاء ، ونصف علبة لبن رائب صغيرة ، وأحيانا تفاحة أو برتقالة ، أو حفنة من التمر زهيد الثمن من ذلك النوع الذي يصلح للحيوانات . بعد ساعة من تسلم الأرزاق الصباحية ، يبدأ وقت التدريب الثاني الذي يستمر إلى الساعة الواحدة ظهرا ، بعدها يعلن بوق الغداء ونذهب إلى مطابخ السرايا حيث الطعام المعتاد الذي لا يتغير أبدا في جميع الفيالق العسكرية العراقية منذ عام 1921 . وعلى الرغم من جميع الإنقلابات الدموية العديدة التي نفذتها المؤسسات العسكرية في تاريخ العراق منذ إنشائه وحتى الآن ، يبقى غداء الجندي هو الرز والمرق فقط ، أحيانا مع اللحم ، وأحيانا من دون اللحم ، وكان اللحم الذي يقدم لنا ، يتم إستيراده من نيوزلندا ، وبسبب عدم طبخه بصورة جيدة من قبل المراتب الذين يتم تنسيبهم بالواسطة والرشوة في المطابخ ، يمتنع أغلب الجنود عن أكله ، ويطلقون عليه إسم { لحم الكنغر } ، أما في أيام الأعياد فيطبخون لنا { حلوى الجيش }وهي تتكون من دقيق القمح مع اللوز والسكر ، بعد الغداء وأخذ قسط ضئيل من الراحة ، يبدأ وقت التدريب الثالث الذي يستمر من الساعة الثالثة ظهرا إلى الساعة السادسة مساء ، وأغلب سياقات تدريباتنا تتركز على الهرولة السريعة المتكررة ، ومن يتأخر توجه له الإهانة والشتائم القاسية المعتادة في قاموس بذاءة الضباط ، مثل { قشمر } التي لا أفهم معناها حتى الآن ، ولعلها كلمة ايرانية أو تركية ، ووقعها عادة ما يكون ثقيلا جدا على الجندي ، أو { مطي } أو { سأسحق رأسك بالحذاء } ومن ثم يتوجب على الجندي الذي يتأخر في الهرولة إعادة الكرة وبسرعة ، بعد الهرولة يأتي الركض إلى مسافات طويلة جدا وعادة نكون بكامل تجهيزاتنا العسكرية مثل السلاح الشخصي وجعب العتاد { إطلاقات الرصاص } للبنادق الرشاشة ، وتشمل الكلاشنكوف وال RBK و ال BKC ، و { قنابر } لمدفع الهاون 60 ملم ، و{ صواريخ } لقاذفات الـ RB7 وقناع الوقاية وزمزمية الماء والمجرفة والحقيبة السفرية والبطانية ، ونقالات إخلاء القتلى والجرحى ، وتكون مهمة الأعداد على الشكل التالي : عدد القاذفة RB7 بالإضافة إلى بندقيته وتجهيزاته ، يجب أن يرافق صاحب القاذفة ويحمل معه جعبة صواريخ إضافية ، لأن صاحب الفاذفة لا يستطيع أن يحمل جعبتين ، وينطبق هذا الشيء على عدد الهاون ، وعدد الـ BKC ، بعد الركض الطويل يسمح لنا بأخذ إستراحة قصيرة لإلتقاط الأنفاس وتدخين سيكارة واحدة ، ومن تم نعاود الركض من جديد صوب ساحة العرض ، لنبدأ الرمي على الشواخص والطعن بالحراب والمصارعة وتفكيك وتركيب السلاح، وأحيانا نذهب بعيدا عن ساحة العرض بإتجاه الجبال للتدريب على التسلق وحفر الخنادق ، أو نقوم بعمليات تسلل وإلتفاف وهمية خلف خطوط مواصلات ومواضع القوات الايرانية ، نعود إلى المقرات بعد سماع بوق التفرق في الساعة السادسة مساء ، لا أحد منا يود الذهاب إلى المطبخ لجلب طعام العشاء ، لأنه في كل وحدات الجيش العراقي على طول جبهات القتال ، يكون العشاء المعتاد هو المرق فقط الذي تم طبخه ظهرا ، نذهب إلى حانوت الفوج ونشتري الخبز و البيض والباذنجان والطماطم ، بعد العشاء أكون منهكا ومتعبا ، أستلقي على فراشي وأدفن رأسي في كتاب ، بانتظار فترة التدريب الرابعة التي تبدأ أحيانا من الساعة الثامنة مساء وتستمر حتى الساعة العاشرة ، لا شيء لدي يعادل متعة القراءة وسط هذه الجبال الموحشة ، وهذه الحياة البائسة التي أحياها هنا والتي لا أدري متى تنتهي ، وبأية طريقة تنتهي ، هل أموت من جراء إطلاق قذيفة مدفع طائشة ؟ هل أموت بصلية رشاشة ؟ هل أموت بفعل إنفجار لغم يمزق أشلائي ؟ والمصيبة إنني لا أعرف أية مهنة ولا أملك شهادة دراسية ، سوى شهادة { محو الأمية } التي حصلت عليها عام 1976 تخولني أن أكون في صنف غير صنف المشاة ، مثل { مأمور مشجب } أو { حلاق } أو { طباخ } أو { سائق عجلة } أو { براد أسلحة }، ماذا أفعل ؟ هل أكتب قصائد حرب تعبوية ، مثل رعد بندر ، أو يونس ناصر عبود ، أو عادل الشرقي ، تمجد دموية صدام حسين وشجاعته المزعومة وأدفعها إلى دائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة و الإعلام ، لتصدر ضمن سلسلة { ديوان المعركة } أو في سلسلة { في الثقافة والحرب }؟ وأطلب بعد ذلك نقلي من وحدتي إلى جريدة القادسية أو مجلة حراس الوطن في وزارة الدفاع ببغداد ، شأني شأن أولئك الذين ينعقون ويهللون لأمجاد القائد الملهم؟ لكن منظر أولئك الأدباء الذين يرتدون ملابس شبيهة بملابس الضباط ورجال الأمن والإستخبارات ، يجعلني أشعر بالإشمئزاز والقرف ، وجوه كالحة ومصفرة ، تزيت الماكينة الإعلامية لنظام صدام ليلا ونهارا من دون خجل أو حياء ، جثث متهرئة تنهي عملها الذي يصب في خدمة السلطة الديكتاتورية في الساعة الثانية بعد الظهر ، سعيدة بخنوعها، وراضية بتدمير البلاد والعباد وتقضي أوقاتها في المقاهي والبارات ، كل ما تملكه من إرث ثقافي لا يتجاوز الثرثرات والترهات التي لا تنتهي ، ولكي تضفي على نفسها طابعا أدبيا ما ، باعتبارها أصدرت الكثير من الروايات والمجموعات القصصية والشعرية { وهذه الوجوه هي التي أعنيها تحديدا }التي تمجد صدام وقادسيته المشؤومة ، تحمل حقائب يدوية مليئة بكتب ، تتمزق أغلفتها دائما من دون أن تقرأ ، ماذا أفعل أنا الشاعر الشاب الباحث عن المطلق والحب والحرية ، والمهموم في الموت و التحول والصيرورة ، والبحث عن أشكال جديدة للقصيدة التي أحلم بكتابتها في المستقبل ، ألم أنطلق في البداية من الشعر الجاهلي وأفهم صراع الشاعر الحقيقي مع الموت والزمن والإغتراب والحب والحنين والأشواق ؟ ألم أتعلم من سعدي يوسف و السياب والبياتي وبلند الحيدري وأدونيس وأنسي الحاج وتوفيق صايغ ومحمود درويش ، أن الشعر مشروع شخصي ويجب الإخلاص له ، وتكريس حياة كاملة له ؟ صحيح إنني أكتب قصيدة النثر ، وأعرف إنها لا تنشر في العراق ، لكنني أستطيع أن أنشرها في الخارج إذا تمكنت يوما ما من ذلك ، وكم أشعر بالإشمئزاز الآن عندما أتذكر الشاعر عادل الشرقي سكرتير تحرير مجلة { الطليعة الأدبية }، الذي أنهى عسكريته في مجلة حراس الوطن و الذي أصدر مجموعة حملت عنوان { 100 قصيدة في حب الرئيس القائد صدام حسين } وأستحق من أجلها شقة فاخرة ، قدمها له محبوبه صدام هدية تقديرا لمحبته إياه . لقد رفض هذا الفطحل أن ينشر لي مجموعة قصائد قدمتها إلى مجلة الطليعة الأدبية في الشهر الرابع من عام 1986 بحجة أنها قصائد نثر سوريالية ، والبلد يخوض حرباً مع ايران ، وبالتالي فإنه لا يستطيع أن ينشرها وطلب مني أن أقدم قصائد حرب تعبوية طالما إنني جندي في جبهات القتال ، وقال : { هات قصائد تعبوية وسأنشرها في العدد القادم ، حتى لو كانت غير موزونة }، طبعا لم أقدم قصائد تعبوية ، لأن ذلك بصراحة يعنني إنني لا أستطيع مهما حاولت أن { أقشمر } نفسي ، أن أكتب ما يخدم الحرب والنظام التي أشعلها ، إنني أكتب قصائد عن الحرب ، حسب قناعاتي وفهمي للحرب التي هي حرب النظام الفاشستي وأسياده من الإمبرياليين الذين دفعوه لإشعالها ، كتبت عن مصير الإنسان وأشواقه وتوقه للحرية وأحلامه المشروعة في عالم تسوده العدالة الإنسانية والطمأنينة ، كتبت عن الجنود العشاق ، عن أنين الجرحى ، عن أولئك الشباب الذين يساقون إلى ساحات الإعدام بسبب رفضهم للخدمة العسكرية ، عن أخوتنا الأكراد الذين يحرق بيوتهم وقراهم الجيش العراقي ويقتلهم في كل آن ، وكنت أعلم أن هذه القصائد التي أكتبها ، لا تصلح للنشر ، ومن الممكن أن { توديني بداهية }، ولكني لم أكترث ، ذلك لأنني أكتب ما يمليه علي ضميري ، ولكي أثأر من هذا الشويعر عاشق صدام وأمثاله ، الذين يتسكعون في شوارع بغداد ، ويثرثرون في المقاهي والحانات بعيدا عن جحيم الحرب ، والإهانات الدائمة ، والقمل والبرغوث ، وطنت النفس على المثابرة المضنية في القراءة ، من أجل فهم أكثر للعالم والزمن والتاريخ ، ومن أجل احترام الذات وتطوير المشروع الشعري الذي كنت وما زلت أعتقد ، أنه لا يتم بالسهولة التي يتصورها البعض، بل في الصبر والبحث المضني والتجريب والمغامرة المستمرة ، أليس الوعي هو زهرة التاريخ ؟ حين يتدفق ويتعرج الحاضر في أنهار الماضي والمستقبل ، وهكذا رحت أستعيد عافيتي القديمة في القراءة العميقة من أجل فجر المستقبل الذي كنت ألمحه عبر الدخان والشظايا التي تقتل الإبتسامة في وجوه الناس ، وتلطخ وجوه الزهور في التراب والسخام ، وأتذكر الآن قصيدتي { ظلال محيي الدين بن عربي } التي نشرتها مجلة الكرمل عام 8 198 العدد 23 حيث كتبت في مقدمة مقطعها الخامس :



_ { هذه الكلمة الحادة ، لا تفرط فيها

لا تدنسها ولا تقايضها بخزائن يوسف



اعضدينا أيتها الكلمة / الوديعة / يا روح الله

لمعانك بلسما لجروحنا العميقة :

بالكلمة سترفع الذهب من مناجم عميقة وساكنة

وتشبع فقراء ومشردين في شوارع ليل العالم ،



هذه الكلمة الحادة ، لا تفرط فيها

لا تدنسها ولا تقايضها بخزائن يوسف



ستبني من خلالها بيوتا للعشاق والمنفيين

وستدحر فيها غزوات يقوم بها مغامرون متعطشون للدماء



منشدة وإياك عذابات البشر الحزانى في الأرض ،



هذه الكلمة الحادة ، لا تفرط فيها .



بعد مغادرتي العراق إلى الأردن في 14 /12 / 1994 ، بمساعدة كريمة من الصديقة الشاعرة أمل الجبوري ، وكنت قد بعت مكتبتي كلها ، وأخفيت مجموعاتي المخطوطة ، أرسلت رسالة إلى صديقي الشاعر حسين علي يونس ، أطلب فيها أن يذهب إلى بيت أهلي ويأخذ مجموعاتي ويحتفظ بها عنده ، ذلك لأن رئيس إتحاد الأدباء في العراق رعد بندر ، جاء إلى العاصمة الأردنية عمان ، موفدا من قبل سيده عدي صدام حسين، يطلب معلومات عن عدد من الأدباء ،و ليطلب أيضاً من الأدباء العراقيين المتواجدين بعمان العودة إلى العراق ، { بأمر الاستاذ } مقابل طبع كتبهم وتوظيفهم في دوائر فيلق الإعلام التهريجي، وراح يهددنا ويتوعدنا أيضا بسبب معلومات وصلت إلى دوائر النظام الأمنية ، حول نيتنا إنشاء { تجمع ديمقراطي للثقافة العراقية } في الخارج ، وفعلا ، ذهب الصديق حسين إلى بيت أهلي وأخذ المجموعات التي ظلت بحوزته لحين سقوط نظام القتلة ، وكان قبل ذلك قد أرسل لي عدة قصائد منها ، بعد شهور من سقوط النظام ، ذهب الصديق الشاعر باسم المرعبي إلى العراق لزيارة أهله ، وإلتقى ببغداد الصديق حسين علي يونس الذي سلمه مخطوطاتي ، عاد باسم إلى السويد وأرسل لي المخطوطات في البريد ، سعدت جدا وشكرته ، ذلك أن القصائد التي كتبتها أثناء الحرب مع ايران ولم أستطع نشرها بقيت ، وسقط النظام وسقطت معه كل ثقافة الدمار والموت والخراب التي ظلت مهيمنة على المشهد العراقي طوال سنوات حكمه الفاشستي ، من هذه المخطوطات ، هناك مجموعة تتكون من 37 قصيدة كتبتها عن جان دمو وقرأتها لمجموعة من الأصدقاء باقتراح من صديقي الشاعر كمال سبتي ، في مقهى { حسن عجمي } عام 1987 ، عنوانها { ولاء إلى جان دمو } ، كانت أختي الكبيرة تقول لي بإشفاق عندما أهرب من الخدمة العسكرية وأعيش متخفيا : { إكتب مجموعة ولاء عن الريس ، حتى يتم نقلك إلى بغداد } ، نشرت هذه المجموعة بعد أن قدم لها الصديق الشاعر كمال سبتي في موقع Kikah ، وبعد شهر نشرت في نفس الموقع 16 قصيدة ، 15 منها ممن جلبها الصديق باسم المرعبي ، منها 5 قصائد كتبتها عن المعارك التي كانت تدور في قاطعي { سيده كان } و { حاج عمران } وواحدة عن جرائم نظام صدام ضد الأكراد في عمليات الأنفال حملت عنوان { الأنفالات 1988 بعض الهوامش } وبقية القصائد عن مناخ الحرب في بغداد وعذابات الناس ، و في الأيام القادمة سوف أنشر بقية القصائد التي كتبتها عن الحرب ، حربي أنا مع نظام القتلة لا حرب القائد الملهم والمحبوب . عام 1986 قدمت إلى خضير اللامي مدير النشر في دائرة الشؤون الثقافية ، في وزارة الثقافة والإعلام مجموعة شعرية عنوانها { جهشات } من أجل النشر ، رحب بي الرجل ووعدني خيرا ، وبعد أيام ذهبت إلى زيارة الكاتب المرحوم موسى كريدي الذي كان يرأس آنذاك تحرير { الموسوعة الصغيرة } ، والمرحوم موسى شخصية جادة وساخرة في آن معا ، ومن سخريته أنه كان يكتب قصائد عمودية عصماء ، وينشرها في صحيفة { الجمهورية } ، وقد قرأنا له مرة قصيدة طويلة ساخرة ، يمدح فيها الصحفي هاتف الثلج إسمها { يا هاتف الثلج } ، وحين سألناه ، لماذا يمدح هذا الشخص في هذه القصيدة ؟ أجاب بسخريته المعهودة بصوت خفيض : { حتى يعرف عبد الرزاق عبد الواحد وأمثاله ، إنني أكتب قصائد أفضل منهم ولكنني لا أمدح فيها صدام حسين كما يفعلون}، وتشاء الصدفة أن يكون هذا الصحفي المتواضع ممدوح موسى ، بعد هزيمة النظام في { أم المهالك } السكرتير الصحفي لصدام حسين ، في ذلك اليوم لم أجد موسى في مكتبه فعرجت على مدير النشر خضير اللامي لأستفسر هل أحال مجموعتي إلى رقيب ممن تعينهم دائرة الشؤون الثقافية ؟ فلم أجده أيضا ، علمت فيما بعد إنهما في إجتماع عمل ، بعد أسابيع أخبرني بعض الأصدقاء الأدباء ممن يعملون في هذه الدائرة ، أن مجموعتي قد ألقيت في برميل نفاية ، قلت لنفسي حسنا ، سأنشر قصائدي بطريقتي الخاصة ، أعددت 4 مجموعات شعرية وكتبتها بخط اليد ، بعد أن إشتريت { حبر صيني أسود } وذهبت إلى مكتب تصوير بالدفلوب يقع في منطقة { الوزيرية }، دفعت راتبي الشهري كله وإستلمت 50 نسخة من مجموعاتي التي ضمها مجلد حمل عنوان { جهشات / 4 مجموعات شعرية}، وزعتها مجانا على أصدقائي الشعراء والكتاب والنقاد داخل العراق وخارجه ، أثمرت النتيجة هنا ، وكان أول الغيث ، أن نشر لي الشاعر والكاتب سليم بركات 7 قصائد في مجلة { الكرمل } عدد {18} 1986 ، وكان هذا أول ظهور أدبي لي ، وبعدها قصيدة طويلة في العدد { 23} عام 1988 ، و شملني الناقد حاتم الصكر بجهده النقدي ، فكتب دراسة طويلة و نشرها في صحيفة { الجمهورية } عام 1989 ، بعنوان { جهشات الغجري الملعون } وفتح لي الباب فيما بعد لأنشر قصائدي في مجلتي { الأقلام } و { الطليعة الأدبية } اللتين رأس تحريرهما في بداية سنوات التسعينات ، وفي العدد الخاص الذي كرسته مجلة { كلمات } التي تصدها أسرة الأدباء بالبحرين للشعر العربي المعاصر عام 1989 ظهر إسمي في هذا العدد إلى جانب عدد من الشعراء العرب والعراقيين . والآن ، بعد كل هذه السنوات ، يحلو لي أن أسأل هذا السؤال : هل كنت أنا الجندي الهارب من الخدمة العسكرية والذي من الممكن أن يعرضني هروبي إلى عقوبة الإعدام ، أتاجر في الخسارة بعملي هذا ، أم كنت أصون وأحافظ على ميثاق الشرف الذي عقدته منذ البداية مع جوهر ، ووظيفة الشعر كما فهمتها منذ البداية ؟ وهنا أود أن أذكر حادثة أخرى تتعلق بالشعر حدثت معي بعمان ، في منتصف التسعينات ، كنت أسكن في غرفة مستأجرة مع صديقين ، لديهما عمل وراتب ثابت ، وكان موعد دفع الإيجار قد حان ولم أكن آنذاك أملك درهماً واحداً ، وهما يلحان حول ضرورة تدبير المبلغ ، ذهبت إلى الصديق الشاعر علي عبد الأمير من أجل أن يسلفني مبلغاً من المال كما هي عادتي معه عندما أفلس تماما ، قال لي علي : { الآن لا أملك مالاً ، ولكن أستطيع أن أعطيك عباءة رجالية ، تستطيع أن تبيعها وتحل شظية من المشكلة } ، بعت العباءة بخمسة دنانير إلى رجل أردني أمام الجامع الحسيني ، وتوجب علي بعدها أن أدبر الجزء المتبقي، ذهبت إلى بيت الأستاذ الشاعر المبدع سعدي يوسف الذي إستضافني ضيافة كريمة كما هو معهود عنه وأعطاني بقية المبلغ ، في الطريق وكان مهرجان { جرش } منعقداً ، إلتقيت صدفة الناقد حاتم الصكر و شخصاً آخر لا أعرفه ، قال لي حاتم : { لدي مفاجأة لك}، وأشار إلى الرجل الآخر، إستغربت مثلما إستغرب الرجل ، وبسرعة قال حاتم : { هذا عباس بيضون } ، ولم أكن قد رأيت صورة لعباس بيضون من قبل ، وهنا رحت أصرخ من السرور وأرحب به ، وهو مندهش من هذه الحفاوة البالغة ، حتى قال له حاتم : { هذا الشاعر نصيف الناصري } رحب بي الرجل ، وعلمت منه أنه قد كتب مقالا عن العدد الخاص الذي أصدرته مجلة { أسفار } وكرسته لـ 39 شاعرا من شعراء الثمانينات عام 1989 ، وقال إنه أشار في مقاله إلى 4 شعراء فقط ، أنا أحدهم ، وطلبت منه أن يعيرني مجموعاته من أجل إستنساخها لأرسلها إلى العراق . ذهبت معهما إلى الفندق وأخذت مجموعات عباس إلى أقرب محل للتصوير والإستنساخ ، إستنسخت المجموعات كلها ، دفعت مبلغ إيجار البيت ثمنا للإستنساخ ، أرسلت من كل مجموعة نسخة واحدة إلى الأصدقاء الشعراء في العراق ، واحتفظت لنفسي بنسخة واحدة أيضا من كل مجموعة . طردت من البيت ، حاولت مع الصديقين ريثما ألتقي المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي في المساء حين يأتي إلى مقهى { الفينيق } ، لكن من دون جدوى ، علمت فيما بعد أن عباس بيضون كان قد كتب في مجلة { الصياد } حين عاد إلى بيروت ، مقالا عن شاعر يستنسخ الشعر بمبلغ إيجار البيت ، لقد كتبت قي مناسبة سابقة حين كنت بالعراق { ينبغي الإهتمام بأصوات الشعراء الجدد من أجل فرز المواهب الطارئة ، وإشعال النار الشعرية في وسطنا الأدبي والثقافي ، إذ ليس من المعقول أن يبقى هؤلاء الشعراء يكتبون إبداعاتهم ويبقون مهمشين ، وتفرض عليهم التوجيهات واساليب الوصاية الفجة دائماً ، أن التهميش الذي مورس ضدنا من قبل الصحف والمجلات ودائرة الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والإعلام وإتحاد الأدباء والكتاب ، ليس هو الذي رسخ أسماءنا في العراق والوطن العربي وفي مجلات أدبية تصدر بقبرص والمانيا ولندن وباريس واليونان ، والإحتفاء بالشاعرين الثمانينين باسم المرعبي وخالد جابر يوسف لم تقم به أية جهة رسمية هنا ، وإنما جاء من دار رياض الريس للنشر بلندن حيث فازا في الجائزة الأولى ، في المسابقة الشعرية التي أقامتها تلك الدار وإشترك فيها شعراء كثيرون من الوطن العربي ،وكذلك الإحتفاء بالشاعرين الثمانينين أيضا طالب عبد العزيز وعلاوي كاظم كشيش ، لم تقم به أية جهة هنا ، وإنما جاء من مجلة اللوتس ، وهي ليست الأديب المعاصر مجلة الإتحاد العام للأدباء والكتاب بالعراق ، وإنما مجلة إتحاد أدباء آسيا وافريقيا } .




يتبع:


... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-02-2005 03:54 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #3
سيرة ذاتية


معارك الاكتساح العنيف ، سيده كان 23 / 4 / 1986



موت الطيور والفراشات واليراعات






كان الجيش الايراني في بداية الشهر الرابع من عام 1986 قد سحب الجزء الأعظم من قطعاته المتمركزة في القاطع الشمالي للجبهة وخصوصا قاطع {سيده كان} ونقلها إلى القاطع الأوسط والقاطع الجنوبي بغية شن هجمات كبيرة على مواضع وحدات الفيلق الثاني في محافظة {ديالى} ووحدات الفيلق السابع في محافظة {البصرة} ، بدت هذه المناورة مكشوفة منذ البداية للقيادات العسكرية العراقية ، ومنذ أن بدأت القوات الايرانية في الحركة والتنقل تم وضع جميع القوات العراقية في القاطع الشمالي في حالة إنذار قصوى ومنعت الإجازات ، وتم أيضا تحريك اللواء 64 قوات خاصة بقيادة العقيد علي العربيد ، فجاء مسرعا من {ديالى} إلى قاطع {سيده كان} وكانت مهمته هي إستعادة عارضة {كوشينة} العالية جدا ، وكانت القوات الايرانية قد احتلتها في العام 1983 أثناء هجومها الكبير على كل قاطع {حاج عمران} ، كانت الخطط التي أقرت في القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية هي أن تقوم جميع فرق الفيلق الخامس وبقية القطعات المتجحفلة معها مثل ألوية الجيش الشعبي ولواء 64 قوات خاصة بمدفعيته الميدانية في الهجوم العنيف على مواضع القوات الايرانية في كل قاطع {سيده كان} ، في الليلة التي سبقت الهجوم تم نقل وحدتي ليلا من منطقة { قصري} في قاطع {حاج عمران}إلى منطقة أخرى في قاطع {سيده كان}، وكنت حالي حال بقية الجنود في الوحدات الأخرى ، لا أستطيع أن آكل أو أن أتكلم ، التدخين بشراهة فقط هو ما يمارسه الجندي حين يتم وضعه في الإنذار في ليلة الهجوم ، لكن ما أن تبدأ الصولة في الدقيقة الأولى من الهجوم ، حتى يتلاشى الخوف والحزن والإنقباض ، وتبدأ الأشياء السوريالية الأخرى مثل ،

_ { سيدي ، سيدي ، فلان استشهد ، كان مختبئاً مع البغال }

_ { لك دير بالك ، خرب الله ، فلان انقطعت رقبته بشظية كبيرة }

_ {هذا بلاع العير يصوب على القمة ، هسه تقصفنا المدفعية } ناهيك عن الضحك والشتائم والنكات والصيحات الصاخبة الخ

كان الهدف الذي كلفت وحدتي في الهجوم عليه هو مواضع أحد الأفواج الايرانية في الحافات الغربية لجبل { حصاروست } ، حددت لنا وللقوات المهاجمة الأخرى ساعة الصفر في الساعة الثالثة فجراً ، قبلها كانت وحدات المدفعية في جميع قواطع الفيلق الخامس والراجمات قد ابتدأت تصب حممها على مواضع وتحصينات القوات الايرانية منذ الساعة الثانية عشرة ليلا ، بدأ الجو أشبه بيوم الدينونة ، ويعرف الذين أمضوا خدمتهم في القاطع الشمالي ، ماذا تفعل قذيفة مدفع حين تسقط على الصخور أو بالوديان ، أو على السفوح ، كان رجال الهندسة أثناء القصف قد بدأوا عملهم في إزالة وتدمير حقول الإلغام ، بعد أن استطلعوا الأماكن برفقة فصائل الإستخبارات في الليلة التي سبقت الهجوم ، بدأنا تقدمنا وتسلقنا الحافات الغربية لجبل { حصاروست } تحت أمطار من القصف الشديد ، كنا في غاية التعب من جراء التسلق الطويل ، البعض منا تخلص من البطانيات ، والبعض الآخر رمى المجارف وأقنعة الوقاية من الغازات الكيمياوية وحتى الخوذ التي تحمي الرؤوس، أما أعداد الهاون 60 ملم ورشاشات الـ BKC وقاذفات الـ RB7 فقد تخلص الكثير منهم من أعتدتهم الاحتياطية ، وحين إقتربنا من الهدف المراد مهاجمته ، خف القصف شيئا فشيئا لنباشر القيام في الصولة ، علت الأصوات واختلط الحابل بالنابل، صالت الأرتال ، وبدأ النشيج يسمع من أولئك الجرحى الذين سقطوا في أول صلية وصلت إلينا من المواضع الايرانية المهدمة ، يا إلهي ، لقد بدأت الأرض تحترق ، الدغل ، الأشجار ، الصخور ، الملاجئ ، السواتر ، لم يعد ثمة ما يشي في النجاة من هذا الهول العظيم ، بالنسبة لي ، لا خيار لي سوى التقدم صوب الجحيم ، أطلقت ساقي للريح وهرولت راكضا عبر دروب نيسمية مع ثلة من جنود خائفين مثلي صوب أماكن اعتقدناها أكثر أمانا ، أمطرت فوقنا السماء في الطريق شظايا مثل رؤوس الشياطين ، هذه المرة إحترق الجو أكثر من الأرض ، تحطمت آلاف النجوم وسقطت متهاوية فوق القمم ، وعلى السفوح ، وفي الكهوف ، أيضا سقطت الآلاف من الطيور والفراشات واليراعات ميتة في الطرقات الجبلية الوعرة ، بعد ساعة ونصف من بدء هجومنا على الهدف إستطعنا إحتلاله وتطهيره من الوحدة الايرانية ، لم تكن خسائر سريتنا كبيرة ، كان هناك قتلى وجرحى لكن لا يمكن مقارنة عددهم بخسائر المعركة الأولى ، وكم شعرنا بالأسى لمقتل جندي من سريتنا إسمه حردان ، كان بدويا ووحيد عائلته ، قتل أثناء القصف على نقطة الإدامة ، بدأنا بحفر ملاجئ وسواترجديدة برفقة سلاح الهندسة تمهيدا لتسليم الهدف إلى لواء مشاة ، وكانت قيادة الفرقة 23 قد أرسلت على الفور وحدات هندسية مختلفة ، جاءت بلدوزرات لشق طرق جديدة واصلاح الطرق التي تهدمت ، جلبوا الأسلاك الشائكة وراحت وحدات هندسية أخرى تحاول زرع حقول ألغام جديدة في السفوح الممتدة بيننا وبين القوات الايرانية المتمركزة خلف الأرض الحرام . كانت القوة التي تمكنا من طردها من الهدف هي فوج مشاة ، وكانت تبدل منذ عام 1983 مواضعها مرة قي الصيف ، ومرة في الشتاء ، ذلك لأن جبل { حصاروست } وهو أعلى جبل في العراق ، يبلغ إرتفاعه 5000 متر، لا تستطيع الوحدات العسكرية البقاء فوق قمته الصاعدة صوب السماء في فصل الشتاء بسبب قلة الهواء و تراكم طبقات الثلوج الكبيرة فوقه على مدار العام ، وتدمير الطرق من جراء هطول الأمطار الغزيرة والتي لا تكاد تنقطع أبداً ، لذلك كانت هذه القوة تنزل في فصل الشتاء إلى الحافات الغربية لجبل { حصاروست } وفي فصل الربيع حين تبدأ الثلوج بالذوبان تصعد مرة أخرى إلى مواضعها التي تركتها سابقا فوق القمة ، كانت الخطط العسكرية التي أعدها قادة الفرق وضباط الأركان في الفيلق الخامس تقضي بوضع لواء مشاة في القمة من جهة قاطع {سيده كان } ويباشر الصعود والتحصن في المواضع الجديدة بعد العمليات التي سيقوم بها سلاح الهندسة تمهيداً لإعداد الطرق وبناء السواتر والملاجئ وتحصين مقرات الضباط وخطوط التموين ونقاط الإدامة ووحدات الميدان الطبية ، قبل أن نسلم الهدف إلى لواء مشاة ، علمنا أن لواء القوات الخاصة 64 أستطاع إحتلال عارضة { كوشينة } العالية جدا عبر عمليات التفاف ، و إنزال بالطائرات وإنقض على اللواء الايراني المتحصن في الهدف منذ 3 سنوات ، خلال ساعات قليلة ، ومعروف أن هذا اللواء كان يعتبر من أفضل ألوية الجيش العراقي خلال الحرب العراقية الايرانية ، وقد أحرز المرتبة الأولى في اللياقة والتدريبات القتالية عام 1988على جميع وحدات الجيش العراقي في كل الفيالق ، أثناء تقييم نتائج التدريب السنوي التي أعدتها وزارة الدفاع ، وهو مكون من 4 أفواج عكس الألوية الأخرى التي عادة ما تتتكون من 3 أفواج ، ويملك بطرية مدفعية ميدان متوسطة ، لا تملكها الألوية الأخرى ، لأغراض دعائية سميت هذه المعارك التي دارت في قاطع { سيده كان } ليلة 23 / 4 / 1986 بمعارك { الاكتساح العنيف } وقد أشار البيان العسكري الصادر في صباح اليوم التالي لأول مرة خلال سنوات الحرب ، إلى أسماء قادة الفرق وآمري الألوية وصنوف وأرقام الوحدات العسكرية التي قامت بتنفيذها ، ، وكانت وحدات جرارة أخرى من المشاة ، قد قامت بإستعادة جبال ومناطق كانت القوات الايرانية قد إحتلتها في العام 1983في { سيده كان } ، وقد تم طرد آخر جندي ايراني من جبل { ز رار } وسواه من الجبال الأخرى في هذه الليلة ، بعد أن فرت القوة الايرانية وتركت الهدف بما فيه من معدات وأسلحة وتجهيزات ، صدرت آوامر المقدم عبد المحسن آمر وحدتنا بضرورة الإسراع فوراً بدفن جثث الجنود والضباط الايرانيين القتلى خارج السواتر والملاجئ ، باشرنا على الفور بحفر القبور ودفنا الجثث ، وقد أثار فزعي مشهد ضابط ايراني برتبة ملازم أول قتل في أحد الخنادق بفعل سقوط قذيفة مدفع ، لقد وجدناه يقف على رجليه وظهره محني ورأسه إلى الأسفل ، كانت الشظايا قد حفرت رأسه وصدره ، ولم يسمح للموت أن يجعله يسقط أرضاً ، ويبدو لي أنه كان شجاعاً جداً ، كان من ضمن القتلى الكثير من الجنود الكبار في السن ، وأظنهم من المتطوعين ، وليس من الجيش النظامي . في مساء اليوم التالي صدرت الأوامر إلى وحدتي بتسليم الهدف إلى لواء المشاة 23 والتحرك إلى المقر المتقدم في { قصري } لإعادة التنظيم وإحصاء الخسائر والمباشرة بالتدريبات العنيفة إستعداداً لمعارك أخرى ، لا ندري في أي قاطع آخر ستفتح فيها جهنم هاويتها ، في المقر المتقدم بعد أن سلمنا الهدف إلى لواء المشاة 23 و سمع الجنود والضباط بيان القيادة العامة يثني على شجاعتهم وينوه بذكر أسماء قادتهم ، راح الجندي هادي مكوطر يدعي أنه استطاع قتل أكثر من 10 جنود ايرانيين كانوا يتحصنون ويطلقون النار من أحد المواضع بقذائف هاونه عيار 60 ملم ، ويحدد الهدف الذي يدعي قصفه ، ونائب العريف حاتم يقول أنه أسر 4 جنود وقام بتسليمهم إلى إستخبارات الفيلق ، وعلي عجاج يقول أنه دمر بصاروخ قاذفة RB7 موضع رباعية مع جميع أعدادها ، بعد ثلاثة أيام من إنتهاء المعارك ، تم تعميم برقية من القيادة العامة للقوات المسلحة ، إلى كافة القطعات التي خاضت معارك الاكتساح العنيف في قاطع { سيده كان } تعلمها أنه تقرر أن يحصل القادة والضباط ونواب الضباط وجميع المراتب في كل الصنوف على رتبة أعلى ، وهكذا أصبح المقدم عبد المحسن آمر وحدتي برتبة عقيد ، وأنا برتبة جندي أول ،

بعد أيام قليلة وصلت برقية أخرى تقول : { تقرر منح جميع القادة وضباط الأركان وآمري الألوية ثلاثة أنواط شجاعة لكل واحد منهم }، وتطلب أيضا أن يرشح كل فوج أسماء 20 مقاتلا من مختلف الرتب والصنوف ، لنيل نوط شجاعة واحد ، رفعت الأسماء إلى قيادة الفرقة . علي عجاج ، حين رفع إسمه آمر السرية الملازم محمود { قتل فيما بعد في هجوم على جبل كرده مند } ، طار فرحاً ، وراح يتشقلب في الهواء ، ساحة العرض الصباحي في اليوم التالي ، خلت من هادي مكوطر ونائب العريف حاتم الذي أصبح عريفا الآن ،

_ { وين هذوله القشامر ، لماذا لم يأتيا إلى التدريب } ؟ ، سأل آمر السرية الملازم محمود بحدة ،

_ { سيدي ، لقد هربا } ، أجاب رأس عرفاء سريتنا التركماني زين العابدين ،

_ { طز فيهم ، القشامر ، جبناء} ،



كانت التدريبات العنيفة والإهانات التي لا يتحملها حتى { المطي } التي يوجهها لنا الضباط ، والشعور بالغثيان وحالات الكآبة والخوف من القتل في هجوم قادم ، جعلتني هذه المرة أفكر في الهروب من الخدمة العسكرية ، وعندما إستلمت إجازتي الدورية بعد أيام كنت قد صممت على الهروب من هذا الجحيم الذي لا يطاق ، ورحت أحدد الأماكن التي سأختفي بها ، لكن أين سأختفي ؟ فبيت أهلي بمدينة { الثورة } ويجاور { مدرسة الجبل الأخضر الإبتدائية } التي تضم مقر منظمة حزب البعث ، ورجال الحزب وأعضاء الجيش الشعبي في كل مكان ، والمصيبة أن لهم مقرا آخر غير المدرسة ، وهو { مضيف } كبير يقع عند الشارع العام ، { شارع الجوادر } ، ويستطيعون توقيف أي شخص وتدقيق هويته ونموذج إجازته الدورية ، ناهيك عن مفارز الشرطة التي يقودها وزير الداخلية المجرم سمير الشيخلي و المنتشرة في كل شبر من مدينة { الثورة } التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من مليوني نسمة ، وتبلغ كامل مساحتها 64 كلم متربع ، بعد أن إنتهت إجازتي التي عادة ما أقضيها برفقة أصدقائي الأدباء والشعراء ، لم ألتحق بوحدتي ، كنت أمضي معظم وقتي في الصباح بمقاهي صغيرة عند ساحة { الميدان } بعيدا عن عيون مفارز الإنضباط العسكري { الشرطة العسكرية } التي تجوب شوارع بغداد ليلا ونهارا ، أقرأ بنهم ، قبل أن أذهب إلى مقهى { حسن عجمي } حيث يتقاطر الأصدقاء بعد الساعة الثانية ظهرا ، وفي المساء أغادر المقهى باتجاه إتحاد الأدباء ، سيرا على الأقدام ، خشية أن تلقي القبض علي وأنا في باص أو تاكسي مفرزة شرطة أو ، جيش شعبي أو نقطة تفتيش حزبية ، أو سيطرة إستخبارات ، في إتحاد الأدباء لا شيء سوى جلسات السكر المعتادة والعراك والثرثرة الفارغة التي تستمر حتى الساعة الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل ، أجلس مع صديقي الشاعر كمال سبتي الذي كانت مائدته تضم أكثر شعراء الثمانينات وأحتسي نصف قارورة عرق . إستضافني في هروبي هذا أولا ، الصديق الشاعر ركن الدين يونس الذي كان يستأجر غرفة تقع خلف مقهى { حسن عجمي } مباشرة ، ذلك لأنني لا أستطيع الذهاب إلى بيت أهلي والمبيت فيه ، بسبب وجود السيطرات الأمنية المنتشرة على طول الطريق ، والتي توقف جميع السيارات وتفتش ركابها ، بداية من منطقة { الباب المعظم } مرورا بساحة { النهضة } فساحة { فلسطين } فمدخل { قناة الجيش } فساحة { مظفر } إلى ساحة { 55 } حيث بيت أهلي في القطاع التاسع ، كان ركن الدين جندياً مثلي ، لكن وحدته العسكرية لم تكن في جبهة الحرب ، وكان يأتي إلى بغداد ربما مرة واحدة في الإسبوع ، وكانت مكتبته لا بأس بها ، يا للسعادة ، أي شيء أجمل من غرفة بعيدة عن جبهة الحرب ، ومكتبة صديق مثلي يهتم في الشعر ؟ أخبرت كمال سبتي بعد ذلك بهروبي من الخدمة العسكرية ومبيتي في غرفة ركن الدين ، فاقترح علي أن أنتقل للسكن في القسم الداخلي لطلبة كلية الفنون الجميلة { بالباب المعظم } حيث يسكن هو وبالقرب من قسمه يسكن الأصدقاء الشعراء الطلاب باسم المرعبي وصلاح حسن وعبد الحميد الصائح وقال لي أن القسم الداخلي أكثر أماناً ولا يتعرض للتفتيش من قبل عناصر حزب البعث في المنطقة ،



وهكذا سكنت هناك لمدة قصيرة ، إلتحقت بعدها بوحدتي العسكرية بموجب عفو سري عن الهاربين من الخدمة العسكرية . ومفهوم العفو السري ، لم أكن أفهمه في البداية ، وكان يبلغ من قبل المنظمات الحزبية ، وينص على أن يعفى الجندي الهارب من الخدمة العسكرية من العقوبة القاسية المترتبة على هروبه ، ولا يحال إلى محكمة عسكرية ، وكان يصدر عادة عندما يخطط جنرالات القيادة العامة للقوات المسلحة لهجومات واسعة في بعض جبهات الحرب ضد القوات الايرانية ، والذي لا يلتحق تطبق ضده عقوبة الإعدام في حال إلقاء القبض عليه من قبل المفارز الأمنية المختلفة ، حين إلتحقت بوحدتي ، أيقنت أن الإستعدادات الحربية الكبيرة التي تقوم بها وحدات الهندسة في الفيلق الخامس ، وحركة الأرتال وتحريك الألوية من قاطع إلى قاطع ، وعمليات الرصد والإستمكان التي تهدف إلى تدمير مواقع المدفعية الايرانية ، ودوريات الإستخبارات في العمق ، والكمائن الليلية المستمرة في الأرض الحرام ، كل هذه الأشياء علامات أكيدة تدل على قرب هجوم كبير سيحدث بعد ذلك ، ضمن المناخ الحربي السائد في سماء العراق آنذاك ، ومشاهد الموت والدمار في كل مكان ، بدت هذه الأشياء إعتيادية بالنسبة لي ، لكن أشد ما كان يجعلني أشعر بالغثيان والإحباط ، هو منع وحجب كتابات كمال سبتي عن الكتابة والحساسية الجديدة في الصحف ، ومطالبته الملحة إيجاد أشكال ومفاهيم شعرية تجترح أشياء أخرى غير الأشكال والمفاهيم السائدة في الوسط الثقافي ، و تلك المهرجانات التهريجية التي كانت تكرسها دوائر النظام الإعلامية للشعر الحماسي والتعبوي ، العمودي والشعبي والرجز والبند والهوسة ، وجوه شعراء عجائز تظهر في جهاز التلفاز على مدار اليوم ، وتنعق بمناسبة ومن دون مناسبة بقصائد محنطة وذليلة ، تمجد { القائد الضرورة } وتسبح وتتغنى ببطولته وعدالته وإنسانيته المزعومة ، والأقسى من هذا عندما تعرف أن هذا الناعق خليل الخوري يترجم بودلير كاملا ، ويترجم رامبو كاملا أيضا ، ويظهر في التلفاز ، يقرأ قصيدة عمودية عن { بطولة وخصال القائد الإنسانية }، وياسين طه حافظ الذي يرأس تحرير مجلة { الثقافة الأجنبية } ويترجم الشعراء الذين حصلوا على جائزة نوبل في كتابه { القمم العالية } ، يكرس مجموعة تعبوية كاملة عن الحرب ، يشتم فيها { الشبح المتشح في السواد } ، أما سامي مهدي الذي يترجم جاك بريفير وهنري ميشو ، فيكتب عن { أمير القلوب } صدام حسين ، ناهيك عن الإمتيازات والعطايا والشقق الفخمة والسيارات والألقاب التي تمنح بمراسيم جمهورية على شاكلة : { شاعر القوات المسلحة } وشاعر { أم المعارك } وشاعر { الشعب }الخ ، ماذا يفعل شاعر شاب وجندي مثلي في هذا الزمن الأسود ، وهذا المناخ المعادي لكل أشياء العالم ؟ هل يتركني جلاوزة السلطة أن أنشغل بتضميد جروحي وخيباتي ؟ الكثير منا يتذكر { منتدى الأدباء الشباب } و إقامته مهرجان { الميلاد العظيم } للشعراء الشباب في 28 نيسان عام 1992 الذي خصص لتمجيد الطاغية صدام حسين في عيد ميلاده المزعوم ، ولو عدنا الآن إلى صحف نظام صدام الصادرة قبل اسبوع من هذا التاريخ ، سنجد أن المنتدى قد وجه الدعوة إلى الشعراء المشاركين في هذا العرس التهريجي ، وراح ينشر الأسماء وهي 25 إسما ، بين يوم وآخر ولم يكن إسمي من بين هذه الأسماء ، ولم توجه لي الدعوة في المشاركة ، بسبب موقفي الذي يعرفه رئيس المنتدى عدنان الصائغ ، وكنت مطمئن البال لكوني بعيداً عن { عرس الواوية } هذا ، لكن في الليلة التي سبقت إقامة المهرجان تمت الوشاية بي من قبل جلاوزة النظام إلى وزير الثقافة والإعلام حامد يوسف حمادي - الذي كان يشغل قبل هذا المنصب ، منصب سكرتير صدام للشؤون الأمنية منذ عام 1979 وكانت له الصلاحية الكاملة في التوقيع على قرارات الإعدام التي تصدرها { محكمة الثورة } - على إنني أرفض المشاركة في { عيد ميلاد القائد }، فسألهم الوزير : { هل عند نصيف الناصري موقف ما ضد السيد الرئيس ؟} أبلغوني ما قاله الوزير أولئك الذين وشوا بي ومنهم رعد بندر ، ماذا أفعل ؟ لماذا يقيم رئيس المنتدى عدنان الصائغ هذا المهرجان ؟ ، كتبت قصيدة نثر جنجلوتية في نفس الليلة وأبلغتهم موافقتي على المشاركة في التغني بميلاد قائدهم وحبيبهم صدام حسين ، في اليوم التالي جاء الوزير وافتتح المهرجان ، قرأ رباح نوري قصيدة عمودية ، وقرأت لهيب عبد الخالق قصيدة تفعيلة ، وقرأت أنا قصيدة نثر كانت مناسبة تندر أكثر مما هي قصيدة مديح للطاغية صدام ، غادر الوزير بعد إنتهائي من القراءة ، ورفعت الجلسة الأولى ، على أن يستأنف المهرجان جلساته الأخرى في المساء ، وفي اليوم التالي ، بعد شهر من نهاية هذه الزفة الصاخبة التي حشد لها المنتدى كل وسائل إعلام الطاغية صدام ، كرس رئيس المنتدى عدنان الصائغ عدداً خاصاً من مجلة { أسفار } التي يصدرها المنتدى ، للقصائد التي ألقيت في مهرجان { الميلاد العظيم } ووضع قصيدتي بعد الكلمة الافتتاحية للعدد ، ليثأر مني بسبب سنوات خدمته العسكرية مشرفاً ومحرراً في صحيفة { القادسية } ومجلة { حراس الوطن } بوزارة الدفاع وأصدر في سلسلة ديوان المعركة مجموعته الثالثة { العصافير لا تحب الرصاص } عام 1986 ومجموعته الرابعة { سماء في خوذة } عام 1988 و في سلسلة { كسر الحصار الثقافي } صدرت مجموعته { غيمة الصمغ }عام 1993 ممهورة بكلمة { طبعت على نفقة الأستاذ الفاضل عدي صدام حسين } ، واثناء رئاسته لمنتدى الأدباء الشباب التابع لدائرة المنظمات الشعبية في ديوان رئاسة الجمهورية ، كانت له سكرتيرة وفراش وسائق خاص . وحتى الآن لا أفهم كيف يستطيع شاعر أن يقوم بهذه المهمة التي تتعارض تماما مع جوهر ووظيفة الشعر التي هي البلسم الشافي لمحنة الإنسان في عالمنا الذي تدمره الحروب والقسوة والوحشية ، لكن عدم فهمي هنا سرعان ما يتبدد إذا ما عرفنا أنه أستطاع لاحقا أن يقتع الهيئة المشرفة على جائزة { ضحايا الاضطهاد } أنه كان مضطهدا في العراق من قبل نظام صدام حسين ، وبالتالي فقد منحوه هذه الجائزة التي طبل لها كثيراً ، مع إنها منحت بعده للشاعرفاضل الخياط والشاعرة دنيا ميخائيل ولم يطبلا لها كما طبل هو ، والآن أقرأ في صحف تصدر بالعراق لأسماء مستعارة تكتب وتحاول أن تضفي طابع المعارضة لنظام صدام حسين على مجموعته { نشيد اوروك } وتقول هذه الأسماء التي هي لشخص واحد معروف للجميع ، أن هذه المجموعة كتبت باليمن والسودان وبيروت وسوريا وسواها من البلدان ، وإنها حوربت ومنعت من قبل قوى دينية معينة ، لكن الحقيقة إنها كتبت بالعراق وقدمها للمسرح في التسعينيات المخرج غانم حميد أثناء مشاركته في العرض السنوي لمنتدى المسرح ببغداد تحت عنوان { هذيانات جمجمة زرقاء } وكان منتج العمل منتدى الأدباء الشباب الذي يرأسه عدنان الصائغ ، ويتذكر الكثير من الأصدقاء ، أنه حين كنا في الأردن عام 1995 ، أمره المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي أن يعرضها على مجموعة من الشعراء قبل أن يدفعها إلى النشر ، وهكذا أشار عليه الشاعر علي عبد الأمير بحذف 70 صفحة والشاعر محمد النصار بحذف كذا صفحة ، أردت من هذا القول ، أنه عندما جاء موفدا من قبل وزارة الثقافة والإعلام العراقية إلى مهرجان { جرش } الذي يقام بالأردن ، كان قد جلب مجموعته هذه التي كتبت بالعراق معه . كانت حالة الإنذار { ج } القصوى في وحدتي هي أشد ما يصيب شعور الجندي بالرعب العظيم ، خصوصاً عندما تصدر الأوامر إلينا بعد الساعة الثانية عشرة ليلا ، أن نصعد عجلات { إيفا } بكامل تجهيزاتنا العسكرية ونبقى في الإنتظار ، لحين صدور الأوامر النهائية إلينا في التوجه إلى ساحة المعركة وشن هجوم على مواضع القوات الايرانية ، وبما أن هذه الحالة كانت تتكرر كل ليلة ، فقد كنا نموت كل يوم ألف ميتة ، وتبقى مصائرنا وأحلامنا معلقة بالهاوية ،

... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-04-2005 12:13 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #4
سيرة ذاتية
كم هي بشعة ومؤلمة تلك الذكريات التي تعيدنا لايام الحرب العراقية - الايرانية ... حين اتذكر تلك المعارك التي عشت وشاركت بجوانب من تفاصيلها في شرق البصرة وسربيل زهاب ونهر جاسم والعمارة وسيف سعد ومهران ووو...
وخسارة الكثير من الاصدقاء وغيرهم الكثير الذين ذهبوا بثمن بخس دون ان تحترم تضحياتهم من قبل نظام سافل وقذر تنازل عن اراضي ومياه عراقية بمعاهدة ثم عادة ليلغيها ويشعل حربا كارثية ثم بعد ثماني سنوات عاد ليوافق عليها وكأن الحرب لثماني سنوات بكل كوارثها وما تحمله العراق والعراقيين من ثمن باهض لم يكن الا شيء تافه والحديث يطول ....
نعم يا عراقيون ويا عراق كم انتم شامخون ببعض رغم كل ما مر ويمر عليكم من دمار وخراب ونهش حاقد وحقير وسافل....
وبالرغم من كل ذلك ستشرق شمسك من جديد ويبدا يوما جديد اكثر اشراقاوجمالا ....





الفصل الثاني



معارك الغضب الهادر ، { حاج عمران } 13 / 5 / 1986


رغبات مؤجلة





دامت هذه المعارك التي كانت غايتها طرد القوات الايرانية من قاطع { حاج عمران } عدة أيام ، كانت معارك دامية وشرسة إلى أبعد حدود الشراسة. وكانت خسائرها البشرية كبيرة جداً. ومن المعلوم أن قضاء { حاج عمران } الذي يضم أجمل المصايف العراقية قد احتلته القوات الايرانية كاملاً عام 1983 بعد أن ألحقت بالقوات العراقية خسائر فادحة - أتذكرون قصيدة سعدي يوسف { إعلان سياحي عن حاج عمران } عام 1983 ، التي قرأناها مستنسخة في العراق ؟- فظل منذ ذلك الحين تحت سيطرتها . وبسبب سيطرة القوات الايرانية على القمم العالية لجبال { كرده مند وكرده كو وأوراس } المطلة على الشارع الرئيس والوحيد هناك ، فقد كانت حركة القوات العراقية مشلولة تماما في هذا القاطع . وكانت عمليات الرصد والإستطلاع والقنص والإستمكان والدوريات القتالية والكمائن من قبل الجانب الايراني المستمرة ليلاً ونهاراً توقع الكثير من الخسائر في الأسلحة والمعدات والأرواح بين القوات العراقية ، ولم تنفع جميع المحاولات السابقة في إستعادة أي من هذه الجبال من القوات الايرانية . كان مجرد عبور سيطرة { كلي علي بك } وسيطرة { جنديان } والتوجه صوب { حاج عمران } يجعل أي جندي أو ضابط يشعر بالقشعريرة والإنقباض بسبب المشهد المألوف للتوابيت الملفوفة بالعلم العراقي والتي تتكرر في كل يوم وتمر من هاتين السيطرتين . أما إذا توغلنا في العمق وإجتزنا قرية { دار السلام } ولاح لنا جبل { كرده مند } بقمته الصخرية الجرداء فإن الموت الأسود يظهر معرى من جميع أقنعته . كانت المدفعية الايرانية عيار 106 ملم المحمولة على السيارات الصغيرة فوق الجبال ، لاتترك المجال لعبور العجلات والأرتال ، وكانت حركة الأشخاص لاتتم إلا ليلاً بسبب القنص و القصف المستمر و المركز. أمام وضع كهذا قررت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية بسبب كثرة شكاوى قيادة الفيلق الخامس من الخسائر اليومية الكبيرة و المستمرة منذ عام 1983 ، أن تخطط لاستعادة هذا القاطع وطرد القوات الايرانية عبر هجوم كبير تهيء له كل الإمكانيات العسكرية اللازمة . في البداية كانت الأوامر تصدر إلينا بضرورة الصعود في العجلات مع كامل تجهيزاتنا كل يوم بعد منتصف الليل مباشرة وانتظار ساعة الصفر للتوجه إلى جبهات القتال للمباشرة في الهجوم ، لكن قيادة الفيلق غيرت خطتها هذه بعد ذلك ، وقررت أن يقوم كل فوج على حدة ، بعمليات استطلاع لمدة أيام . وهكذا صدرت إلينا الأوامر أن نباشر بعمليات الإستطلاع ، ومعنى هذا أن نتوجه في العجلات إلى منتصف الطريق ومن ثم نترجل ونسير على الأقدام إلى الخطوط الأمامية عبر الطرق النيسمية ونتسلق الجبال الوعرة ، ونتجنب التماس المباشر مع القوات الايرانية ، وأن لا ندع مشاعل التنوير تكشفنا ، وكل هذا يجب أن يتم بعد أن تقوم الوحدات الهندسية التابعة للفرقة 23 بعملها المتمثل بإزاحة الألغام وفتح ثغرات في الأسلاك الشائكة ، وأن تقوم مفارز الإستخبارات بأسر وخطف مجموعة من مراتب القوات الايرانية لاستنطاقهم ومحاولة كشف ومعرفة عدد الوحدات العسكرية ونوعيتها ، ومعرفة صنوف الأسلحة وأماكن عتادها ، ونوعية التجهيزات الخ .

ليلة 8 / 5 قبل الهجوم المباشر الكبير بخمسة أيام وأثناء مهمة إستطلاع لفوجنا على أحد سفوح جبل { كرده كو } بعد الساعة الثالثة فجرا ، اصطدمت سريتي بكمين ايراني ، فالتهب الجو من شدة إطلاق مشاعل التنوير ورمي الإطلاقات من مختلف البنادق صوبنا . كانت الأوامر التي تلقيناها قبل هذا تنص على أن نختفي وننسحب فورا حال إصطدامنا بكمين أو دورية قتالية ، وأن لا نجعل العدو يتمكن من معرفة صنف قوتنا وتسليحها وعدد أفرادها . وبسبب كثافة إطلاق النيران علينا من قبل قوة الكمين الايراني ، فإننا لم نرد عليها ولو بإطلاقة واحدة بسبب الأوامر الصادرة إلينا ، على الرغم من أن قوتنا كانت سرية مغاوير كاملة ، وقوة الكمين الإيراني لا تتجاوز قوة مفرزة أو حضيرة . انسحبنا من دون تنظيم ، وخوفاً من القصف المدفعي الذي ربما سيستهدفنا ونحن فوق السفح المغطى بأعشاب الصيف فقد إنفرط العقد ، ولم يكن انسحابنا على طريقة { الرهط }أو { الرتل } ، ولم تنفع معنا صيحات الضباط بضرورة التزام الهدوء والتحلي بالشجاعة . انسحب كل فصيل وكل حضيرة كيفما إتفق بإتجاه نقطة الإدامة المحددة لنا عند مدخل فتحة { ناونده} المقابلة لجبل { كرده مند } مباشرة . في اليوم التالي ، أثناء العرض الصباحي في المقر المتقدم بمنطقة { قصري } كان جميع مراتب سريتي ، بما فيهم رأس عرفاء السرية الذي يكون مقره عادة عند نقطة الإدامة ، هدفاً لمدافع شتائم آمر الفوج وآمر السرية وآمري الفصائل الأربعة التي تتكون منها السرية ، وأنحوا باللائمة علينا واتهمونا بالجبن والتقصير والتخاذل لانسحابنا غير المنظم . سبب غضبهم كان الخوف من توبيخ آمر اللواء ، أو استدعائهم إلى مقر إستخبارات قيادة الفرقة والتحقيق معهم وإتهامهم بعدم الكفاءة ، وهي تهمة قاسية تؤثر على ترقيتهم رتبة أعلى في المستقبل ، مع أنهم مهما عاشوا فسوف يقتلون في معركة ما .في اليوم التالي و اليوم الذي تلاه قمنا باستطلاعنا المعهود بلا أية مشكلة ، لا كمائن ولا دوريات قتالية ايرانية في الأرض الحرام . كانت مهمة فوجي الأساسية فوق جبل { كرده كو } ، يرافقه فصيل استخبارات من الفيلق ، هي محاولة كشف قوة العدو وتحديد مواضعه وخنادقه وصنوف أسلحته ، وتبقى المهمة الأساسية والملحة هي الوصول بأقصى سرعة ممكنة مهما كانت الخسائر والتضحيات إلى أبعد وأعلى ربيئة فوق الجبل وهي الربيئة المسماة { 17 تموز } . قبل الهجوم الرئيسي بيومين صدرت إلينا الأوامر بإستطلاع جبل { كرده مند } الذي يقع على الجهة اليمنى ، قمنا بتنفيذ الأوامر لكننا بسبب أوامر جديدة لم نتوغل أكثر في الأرص الحرام بسبب قوة الرصد المعادي وسياقات القصف اليومي المستمر الذي يبدأ عادة بعد صلاة الغروب ويستمر أكثر من ساعتين ، يتوقف بعدها ليعاود السياق السابق من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل إلى الساعة الثالثة فجراً. وهذا السياق المعهود لدى القوات الايرانية معروف لدينا ، ذلك أنهم كانوا يخشون عمليات الإلتفاف والتسلل التي ربما نقوم بها ضدهم . ليلة 13 / 5 صعدنا العجلات بعد منتصف الليل بكامل تجهيزاتنا كما هي العادة المتبعة قي الليالي التي سلفت ، والتي ستوصلنا إلى منتصف الطريق ومن ثم نترجل و نسير على الأقدام إلى حيث الأهداف والواجبات المحددة لنا . لكن الأوامر التي صدرت إلينا هذه المرة كانت تلزمنا وبإلحاح بضرورة فحص أقنعة الوقاية بدقة والتأكد من مستلزماتها وخصوصا الإبرة التي يستخدمها المقاتل حين يتعرض إلى هجوم بالأسلحة الكيمياوية ، ويدخلها في فخذه لحين نجدته من قبل مفارز الميدان الطبية ، كما أمرونا أن لاننسى ضماد الميدان. فتأكدنا أن لحظة الهجوم الكبير ستبدأ الليلة . قبل هذا الوقت كانت كل المقرات الخلفية لقاطع { حاج عمران } قد امتلأت بقطعات عسكرية من شتى الصنوف والأسلحة ، ألوية وقوات جرارة منتخبة ، جيء بها من الفيلق الأول والفيلق السابع والفيلق الثالث وباشرت أيضاً عمليات الإستطلاع في جبال أخرى ، وبطريات مدفعية ثقيلة بعيدة المدى اتخذت مواقعها في المقرات الخلفية بناحية { ديانا } وقضاء { جومان } وقرية { دار السلام } و{ كلاله } ومنطقة أخرى نسيت إسمها تقع ما بين جبل { تاتان } وجبل { كلاو حسن } من الجهة الثانية للقاطع ، إضافة إلى الدبابات والراجمات ومدافع عيار106 ملم . يا إلهي ، أحقاً ستقوم القيامة الليلة ؟ هل سأقتل فوق جبل ؟ هل ستظل جثتي قرب مواضع العدو فيبلغون أمي من أن جثة ابنها لم تُخلَ لقربها من مواضع العدو كما حصل لأصدقاء أعزاء فقدتهم إلى الأبد في جبهات أخرى من الحرب ؟ طبعاً هذه الأسئلة لم أجد لها أجوبة في تلك الليلة المشؤومة . والمصيبة الأعظم التي كنا نعرفها نحن الجنود ، هي أن الجانب الايراني كان على علم بما يدور في هذا القاطع من خلال إستخباراته وطلعات طيرانه الحربي الذي كان يقصف بشدة مواقعنا ومقراتنا الخلفية ، وقد إستطاع قبل أيام قصف وتدمير المرصد الفلكي فوق جبل { زوزك } وعدة ربايا لأفواج من صنف المشاة والجيش الشعبي فوق قضاء { راوندوز } . وبالتأكيد فأن المعارك التي ستدور هنا لن تكون سهلة كما في المعارك السابقة ، عندما التحقت بموجب العفو السري إلى وحدتي كئيباً ويائساً ورأيت الاستعدادات الحربية الكبيرة في جميع وحدات القاطع ، انتابتني حمى الكتابة ، وهي حالة تتلبسني دائما كلما حاصرني شبح الموت ، فكتبت مجموعة من القصائد لم تعجبني أبداً لكنها كانت البلسم الشافي لتضميد نفسي الجريحة آنذاك ، وما بين أشواقي وآمالي الخائبة أمام شتائم الضباط الكريهة وإهاناتهم لي بسبب هروبي من الخدمة العسكرية ، تذكرت قصيدة عدنان الصائغ { صباح الخير أيها المعسكر } التي طبل لها جلاوزة السلطة من النقاد طويلاً في صحف النظام وإعتبروها فاتحة الشعر التعبوي الجديد وقد كتب يوسف نمر ذياب عنها أول مرة ثم الناقد مدني صالح في مجلة { ألف باء } محيين عدنان الصائغ عليها. لكنني عجبت كيف يحيي الشاعر ، أي شاعر ، ويصبّح بالخير على المعسكر ؟ لماذا لا يحيي الهاوية المحدقة بنا أو الحديقة أو حتى الجحيم ؟ وهنا أود أن أثبت مجموعة من تلك القصائد التي كتبتها لا لجودتها بل لأعطي فكرة عن المناخ الذي كتبت فيه :



يتبع :


... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-06-2005 04:58 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #5
سيرة ذاتية




سنواتُ شبابي إضمحلت


يدي مشلولة

ورأسي دائخ

وكآبتي أعمقُ من بئر ،

منكِ جئتُ أطلب العزاءَ أيتها القصيدة

إرفعيني من الهاوية

من سديمها الدامي والشراسات

سنواتُ شبابي إضمحلتْ

والذين أحبهم ماتوا

والدرب وعر وضيقة مسالكه

لا أهل

لا أحباب

لا أرض رحيمة تأويني .



قبر سردار


الحائك الكرديّ سردار، ميت منذ عام 1973

تحت صخرة كبيرة ، في سفح أحرقته قذائف المدفعية

يرقد المسكينُ بعيداً عن أهله وأصوافه ،

في الصباحات الشتائية الوحشية تجيء امرأة في الأربعين

حاملة أنوالاً وأطعمة ، تبكي مرتلة رثاءً غير مفهوم

وتلطم صارخة : { سردار ، سردار ، عد إلى الأنوال عزيزي سردار }

وحين تصب دموعَها في صحن المقبرة ، تعود إلى القرية

مخضرة العينين ،

في الليل يتسللُ جنود من ربيئة ويلتهمون طعامَ الميت

ساخرين من خبلِ امرأة تؤمن ببعث الأكراد .



رغبات مؤجلة


قلت لأبي : أعطني نقوداً لأسكر

فتح فمَه فخرج منه أسد جائع

قلت لحبيبتي : أعطني قبلة

فتحت فمها فخرجتْ منه لبوة

قلت لآمر سريتي : أعطني إجازة يا سيدي

فتح فمه فخرجتْ منه دبابة ،

الأسدُ الجائع

واللبوة

اصطحبتهما معي في نزهة على الدبابة

ثم عدتُ إلى السجن مصدوع الرأس .



مجيء اللص


تحلم الزوجةُ بمجيء الزوج

والأمُّ بمجيء الإبن

والفتاةُ بمجيء العاشق

والخزانةُ بمجيء اللص ،

الزوج يكتب رسائلَ من السجن

الإبن تلدغه حنينات في الخندق

العاشق يغني في الأسر

اللص يتسكع مخموراً في الشوارع ،

الزوجة ترملت وذهبت إلى مدينة بعيدة

الأم تجهش بالبكاء

الفتاة تترقب كحديقة مهجورة

الخزانة امتلأت من جديد حالمةً بمجيء لص آخر.




زمن الفقاعات

هنا زمنُ فقاعات

زمن قرود وبول قرود

الكلّ هنا فقاعة

كل الأشياء فقاعات

الماءُ فقاعة

الهواءُ فقاعة

اليد

السطوة

الكلام

القبلة .

.....................



حشرجة إنسان

أم طنينُ حشرات في ليل الشجرة ؟

اللوعة التي إنحفرتْ في أرض الروح

لوعة اليأس الذي يعلو في كل آن

هي نحيبنا المتكسّر في جحيم المعسكر .

....................

خرجنا من ليل يمد أذرعه ، فيحضنه ليلٌ أشد لوعة

منه للقاء نحيبنا ، ونحن في الظلمة التي تحنو علينا

حنوَّ أمٍّ ، نتثاءب ، نتمطى في بيوت العناكب

موتى من دون موت أو عصف رحيم ، نترقب ضوء

الصاعقة ونحلم بالريح الجديدة .







ماذا تفعل البلاد حين يغادرها الشعراء ؟


الشعراءُ أطفأوا نيرانهم وغادروا البلاد

أغلقوا أبوابَ الحدائق والنوافذ وتركوا أحلامهم

وترابَ قصائدهم ،

البلاد / الجنة

تهدمتْ وعصفتْ فوق أنقاضها الرياح

ماذا تفعل البلاد حين يغادرها الشعراء ؟

ماذا يفعل الشعراء حين يغادرون البلاد ؟

- يحفرون أرضاً جديدة ويبنون المدن / اللهب

لا تأوي إليها الحروب ولا الصرخات المكممة ،

تباركت مدن يبنيها الشعراء

وتباركتْ جنة هدمها القتلة .





إلى الشعراء الخصيان


لا نريدُ من ينابيعكم الآسنة التي عطرتها الشمسُ بعفونات

جثث منتفخة

{ لسنا أولاد كلمات وحيوانات فظة

وآباؤنا ليسوا خيالات تافهة على الطريق}

الله ينسى قصائدكم كعجائزَ في مأتم

ويحفظ قصائدنا كفتياتٍ في عرس .





قبر في الذاكرة



كنتُ أحفر قبراً ، قبراً مهيباً في مدفن العائلة ، أعمقَ من جميع

القبور وشواهدها التي علاها الصدأ والنسيان ،

كانت جهشاتي تفيض ينابيعَ تلبط فيها الأسماكُ والطيور ،

كانت عيناي محمرتين كصيدلية

وعندما تعبت من الحفر ، توقفت ريثما يطلع الصباح

في اليوم التالي

كنت أشعر بصدع عظيم ، استيقظتُ فلم أجد القبر

بحثتُ في جميع الأماكن التي من الممكن أن أدفن فيها الخالة العزيزة،

في المساء شاهدتُ أفعى رقطاءَ فوق شجرة صفصاف تتسلل بحذر

وتقتنص عصفورة نائمة ،

يا إلهي

لقد كنتُ أحفر القبرَ في الذاكرة .





العائلة في النهر


الأبُ في النهر

النهر شبكة

الأم في النهر

النهر سمكة

الولد في النهر

النهر نورس

البنت في النهر

النهر نورسة

الشرطيّ في النهر
النهر سمكة قرش .



مجانين الملك


الملك : أيها الوزيرُ ، هات قائمةً بإسماء جميع المجانين في مملكتي

الوزير : أمركَ يا صاحبَ الجلالة

..................

الوزير : { بعد ثلاثة أيام } هذه قائمة بإسماء جميع المجانين في مملكتك

يا صاحب الجلالة.

الملك : { مصعوقاً } ولكن لماذا وضعتَ إسمي في أول القائمة ؟

الوزير : لأنك يا صاحب الجلالة أعطيت الأغرابَ الذين استقبلتهم

نهارَ الأمس ، ذهباً كثيراً

الملك : { بعصبية } تباً لك أيها الأبله ، هؤلاء تجار ماشية وسوف

يجلبون لي أبقاراً كثيرة ، كثيرة

الوزير : حين يعودون بالأبقار ، الأبقار الكثيرة ، سوف أشطبُ اسمَ

جلالتك وأضعُ اسماءَهم .



لقاء الملوك


في مدينةٍ مبادة ومخسوفة ، التقيتُ ملكَ سدوم

وملكَ بابل

وملكَ غرناطة

وملكَ مصر

وامبراطورَ إثيوبيا

والسلطانَ التركيَّ سليمان القانوني

{ كفَّ عن سن القوانين منذ أمد بعيد طبعاً }

وبدلاً من أن أحييهم بإجلال وفخامة

شتمتهم واحداً واحداً وتزحلقتُ فوق عمائمهم الحريرية

الشبيهةِ بأعشاش لقالق .



موتُ الرجل الوقور


الرجلُ الوقور

الرجلُ المهذب

وقف على شاطئ النهر يلقي الخبزَ لطيور النورس ،

تكاثرت النوارسُ الجائعة مسرورة

الرجلُ الوقور مسرور أيضاً

رمى المزيدَ من الخبز

منحته النوارس صخبَها

منحته حنينها وأغنياتها

فكر الرجل المهذب مسروراً لرؤية أسراب النوارس متجمعة أمامه ،

- هذه النوارس مُلكٌ لي ، قال الرجل ، كلها لي

أخيراً، حين نفد الخبز والنوارس شعرت بالنعاس

أخرج حجراً ثقيلاً من جيب معطفه

ورماهُ بقوة صوب السرب النائم ،

سقط الحجر على صورته في الماء

مات الرجل الوقور

مات جريحاً بغطرسته .



ناس 1


إتركوا أوهامكم وثرثراتكم عن الأيام الرومانسية

سنحضنكم عراةً ونعلمكم القفز فوق مصطلحات جديدة

أين حماساتكم العالية يا من انكسرتم من فضة الأسلحة ؟

هاهي قناديلكم مطفأة ، ثم هذا اللغو والموت الذي يغلي

في خوذة الفولاذ ، هل تريدون إنجابَ المزيد من الأطفال ؟

سنرسل لكم برقياتٍ تعزية ، نحن الذين نرسمُ مصائركم

ونحافظ على الشموس ، إتركوا بهجاتكم الزائفة

النزوحات ستدلكم على جواهرَ جديدة

المباني الفخمةُ والإيقاعاتُ المضبوطة ستمنحكم مشاعرَ

تبرهن على كراهياتكم الوحشية لنا

لا نأسفْ عليكم بصراحة

ستبقون أكثر حباً للدحرجات والضرب بالجزمات

لا قشعريراتكم

لا إيماءاتكم

ستطرد دخانَ المدافع

وتذكاراتِهِ القديمة .



ناس 2


عبرَ الشمسِ المتشظية ، عبر الصخور المقصوفة

والغيوم الجامحة ، حيث الحياة العمياء

سيبدأ الطنينُ في إخلاد البهائم ،

في ليلنا الغائب بسبب القصف المدفعي الكثيف

حيث الحشرات هي الآمنة فقط ، نكتب خطاباتٍ لن تصل

إلى أمهاتنا ،

لا شروقات

لا أكمام

حتى الرعاة الذين يغنون فوق السفوح

لم يتركوا أثراً لأقدامهم الموسيقية ،

يموت الغنج دائما

بفعل الخمودات .




يتبع :


... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-11-2005 12:11 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #6
سيرة ذاتية


موتي البستان


هذه علامةُ الموت

الجنود يعلقون بنادقهم فوق حائط الأحلام ،

في الخنادق المقصوفة كنت أمشي بين أنياب موت وحشي

وألبد وسطَ أدغال آلامي ،

من ذكريات عزيزة ثكلى وطفولة يضمدها السراب

حفرتُ قبراً وانثنيت ، علقت شاهدة على بابي

جاءت آلاف العصافير مكسوةً بالدم ،

هل أصعد هاوية تحضن مصيري ؟

يا موتي البستان

متى تنضج ثمارك ؟



في الساعة الثانية بعد منتصف ليلة 13 / 5 / 1986 بدأت لحظة الانفجار العظيم .أتذكرون خليل حاوي في قصيدته سدوم :

{ ودوت جلجلة الرعد

فشقت سحباً حمراءَ حرى

أمطرتْ جمراً وكبريتاً وملحاً وسموم

وجرى السيل براكين الجحيم } ..؟

فتحت مئات المدافع بعيدة المدى أشداقها وراحت تطلق قذائفها الثقيلة صوب مواضع القوات الايرانية في العمق والخطوط الأمامية ، ودمرت الراجمات والطائرات السمتية والطيران الحربي السواتر والخنادق والملاجئ المحصنة والربايا وطرق المواصلات ، وبدأ هجومنا على كل قاطع { حاج عمران } وقامت ألوية المشاة 33 و 98 و604 تساندها سرايا مرتبة وأفواج من الجيش الشعبي ، هجومها على جبل { كرده كو } فإكتسحت مواضع القوات الايرانية المتحصنة فيها منذ عام 1983 وقد تكبدت هذه الألوية والوحدات المتجحفلة معها خسائر كبيرة جداً في الأرواح والتجهيزات والمعدات بسبب شراسة ودفاع القوات الايرانية من جهة ، والقصف المدفعي المعادي الكثيف الذي كاد أن يوقف زحفها من جهة ثانية ، أما وحدتي لواء المغاوير الأول في الفيلق الخامس فقد كلفت بشن هجوم على جبل { كرده مند } بمعية لواء المغاوير الثاني في الفيلق الثاني ، ولواء مشاة آخر من الفيلق السابع ، دام هجومنا عدة ساعات واستطعنا في النهاية طرد القوات الايرانية وإستعادة الجبل الذي التهم الآلاف من الجنود والضباط منذ لحظة احتلاله في عام 1983. كانت نقطة إنطلاق وحدتي قد بدأت بالتقدم نحو الهدف من أسفل الجبل ، بمحاذاة الشارع العام القديم . إستمر تسلقنا فترة من الوقت تحت قصف كثيف من أسلحة مختلفة عراقية وايرانية . أبدت القوات الايرانية بسالة عالية ودافعت عن الهدف دفاعاً مستميتاً ، لكنها ما أن عبرت وحدتنا والوحدات المهاجمة معنا السواتر الأمامية وإخترقنا خطوط دفاعاتها حتى تركت الهدف وفرت هاربة ، مخلفة وراءها مئات القتلى والجرحى والأسرى ، كانت الأوامر التي صدرت إلينا تلزمنا بإحتلال القمة الصخرية للجبل أولا ومن ثم التوغل نحو العمق بإتجاه الحدود الايرانية ثانياً. شاهدنا في القمة شيئا لن يخطر على بال إنسان أبداً ، ولا في الأحلام والهلوسات : مجموعة من الجنود الايرانيين ملتصقة أجسادهم الدامية و المتفحمة على أحد الجدران العالية للقمة الصخرية ، ويبدو أن شدة عصف القذائف الثقيلة قد رفعتهم من الأرض وعلقتهم هناك ، ولا يمكن التعرف عليهم بسبب التشوه الكامل ، حيث إختلطت الوجوه بالظهور بالأمعاء بالأفخاذ . بعد إحتلال الهدف تقدمنا مباشرة إلى الأمام واخترقنا الخنادق و الدفاعات الخلفية للقوات الايرانية ، وقبل أن نتمكن من حفر الخنادق البديلة وإنشاء التحصينات اللازمة - وكان زخم هجوم وحدتنا قد ضعف بسبب الخسائر في الأرواح وحالات إيذاء النفس الكثيرة التي قام بها بعض الجنود ، وحالات التسرب من المعركة وترك المواضع الدفاعية - قامت قوات المغاوير الايرانية الإحتياطية بشن هجوم كبير مقابل علينا ، ولم نستطع الصمود ولا دقيقة واحدة ، تبعثرنا شذر مذر وهربنا إلى الخلف بإتجاه السنون الصخرية والملاجئ المحصنة التي تركتها القوات الايرانية بجبل { كرده مند } ، حيث أنشأنا تحصيناتنا القوية تحت قصف جهنمي لا ينقطع . في هذا الهجوم الذي شنته وحدات المغاوير المعادية ضدنا ، كانت خسائرنا في الأرواح كثيرة جداً ، ولقد ظلت جثة آمر فوجنا { الفوج الأول} الرائد سردار أحمد هادي وجثث الكثير من المراتب قرب مواضع القوات الايرانية ولم نستطع أن نخليهم بسبب شدة القصف وزخم الهجوم الايراني الكبير. بالنسبة لي ، فقد اختبأت مع صديقي الجندي جبار عسل في سن صخري ضيق يشرف على أحد الوديان الواقعة في { حاج عمران } وعندما كانت القذائف تعبر من فوق رؤوسنا ، كنت أتجمد من الرعب وأموت ألف ميتة. حفر بعض الجنود حفائر صغيرة لهم تحت السن لتقيهم قصف مدافع الهاون 120 ملم المرعبة ، وتكاثر عددهم في الأيام التي تلت ، مما جعلهم طعماً سائغاً للقصف . تركنا السن الصخري وزحفنا عبر شقوق مكشوفة صوب الملاجئ . في اليوم الثاني تم تعويض وحدتنا بجنود جدد من مواليد 1967 ، جيء بهم من معسكرات التدريب لم يعرفوا الحرب من قبل ولم يسمعوا صوت أية قذيفة ولم يطلقوا إطلاقة واحدة من بندقية . وصلوا منهكين وخائفين ، تم توزيعهم على السرايا لسد النقص ، وطلبوا منهم أن يتحصنوا في الخنادق والملاجئ مع الجنود القدامى. لكن البعض منهم كان عندما يشتد القصف المدفعي المعادي ، يترك بسبب الخوف العظيم الملجأ أو الخندق ويذهب للاختباء تحت الدبابات التي ترمي صوب المواضع الايرانية ظنا منهم أن الدبابة ثقيلة وتستطيع حمايتهم من القذائف ، ولم يدروا أن الدبابات هي صيد ثمين و مستهدف من قبل الطائرات السمتية ومدافع 106 ملم ، وصواريخ الدبابات الايرانية التي تذيب الحديد والحجر. في اليوم الثاني كلفتْ وحدتي بمسك موضع دفاعي يطل على أحد الوديان ، خشية من تسلل قد يقوم به الجيش الايراني . شيدنا الملاجئ وحفرنا الخنادق والشقوق وانشأنا التحصينات بمساعدة وحدة هندسية ، والقصف الايراني الشديد ما يزال مستمراً منذ اللحظة الأولى لهجومنا وحتى الآن . في المساء أثناء السياقات الايرانية في القصف المدفعي على سريتي، قتلت أحدى قائف الهاون 82 ملم 4 من الجنود في ملجأ ، أحدهما ابن عمة صديقي الشاعر سلام كاظم ، وفي اليوم نفسه قتلت قذيفة أخرى مجموعة من الجنود في وحدة مجاورة ، وكان من بينهم ابن الكاتب عبد عون الروضان ، ما العمل الآن ؟ يبدو أن وحدتي لن تسلم الموضع الدفاعي إلى وحدة مشاة في القريب العاجل . هل سنبقى فوق جبل { كرده مند } إلى ما لانهاية ؟ لم يتبق إلا الهروب من ساحة المعركة وترك الموضع الدفاعي . انسللت في الليل خلسة وسلكت أحد الطرق النيسمية باتجاه فتحة { ناونده } حيث نقاط المثابة ، لكن لجان متابعة المتسربين { لجان الإعدامات المكونة من الحزبيين وعناصر الإستخبارات في الفيلق الخامس } كانت تقف متيقظة على طول الطريق . عدت مرة أخرى وصعدت الجبل إلى حيث مواضع وحدتي. اقترح عليَّ صديقي جبار عسل أن نتسلل عبر الشارع العام وأخبرني أنه مرصود بالكامل ، لكن على الرغم من هذا فإننا نستطيع التسلل إذا توقف القنص و سياقات القصف المدفعي بعد الساعة العاشرة ليلاً. انسللت وصديقي جبار وهالنا مشهد مئات الجثث لجنود وضباط من الوحدات العراقية وعشرات العجلات المحترقة والمحطمة ومئات البغال التي قتلها القصف . ورأينا الكثير من البغال الأخرى محملة بالعتاد والأطعمة تسير صوب القمة من دون أن يقودها أحد . ويبدو أن الجنود الذين كلفوا بها كانوا يخشون القصف فتركوها تصعد وحدها . أثناء التسلل وجدنا ضابطاً برتبة { ملازم ثان } جريحاً ويئن من شدة الألم جراء إصابة لحقته في فخذه الأيمن . طلب مساعدتنا وقال أن المفارز المكلفة بإخلاء الجرحى قد اختفت بسبب شدة القصف المدفعي . رفعناه وأوصلناه إلى عربة إسعاف . بعد أسابيع من نهاية المعارك هذه وكنت هارباً من الخدمة العسكرية ، تعرفت إلى هذا الضابط في مبنى كلية الفنون الجميلة ، كان يعرج وبيده العكاز ، سألته عن وضعه الصحي وكيفية إصابته فوق جبل { كرده مند } ليلة 13 / 5 ودهش ، كيف أعرف أن إصابته حدثت هناك ، عرفت حينها أنه الفنان عبد الخالق مختار وكان يؤدي خدمته العسكرية الإلزامية . واصلنا سيرنا ، ثم ، ويا للهول ، وجدنا في أحد ممرات الطريق نائب الضابط الحربي { رتبة بين نائب الضابط والملازم الثاني تعطى للحزبيين } نبراس آمر الفصيل الثاني في سريتنا ممزق البطن وفاقد الوعي ومصارينه مرمية على الأرض . ما الذي جاء به إلى هنا ؟ لا ندري ، لم نرد إخلاءه في البداية لأنه كان مكروهاً في السرية ويشتمنا دائماً بسبب أو من دون سبب ، كان ذا طباع وحشية ومنحطة . اقترح جبار مساعدته . لففناه ببطانية وانتظرنا عجلة إسعاف ، جاءت العجلة ، حضنه جبار ليتلطخ بدمه ويصعد معه بعد تظاهره بالإصابة المميتة وليجد نفسه في مستشفى الميدان بناحية { ديانا } بعيداً عن عيون لجان عناصر الحزب والإستخبارات في نقطة المثابة ، وليهرب من الخدمة العسكرية حتى نهاية الحرب مع ايران . بعد ذهاب جبار ، جاءت مجموعة من الجنود من فوجي ومن أفواج أخرى ، تحاول الهروب مثلي من هذا الجححيم . سلكنا أحد الطرق النيسمية الطويلة ووصلنا إلى المقرات المتقدمة ، في { قصري } حيث المقر المتقدم لوحدتي أخبرت الحراس بأنني ومجموعة من الجنود قد تم تكليفنا من قبل آمر الفوج بنقل أعتدة وبنادق ايرانية نوع G C إلى مقر قيادة الفرقة ،{ كان الجيش الايراني يستخدم هذه البنادق الأمريكية بينما هي لا تستخدم في الجيش العراقي ، ذلك أن الجيش العراقي يستخدم بنادق كلاشنكوف الروسية . } وأخبرتهم أيضا إنني سأعود إلى الموضع الدفاعي مع عجلات الأرزاق ليلاً . في المساء أشفق عليَّ مسؤول حانوت الفوج ، العريف نعمة وكان يحب الشعرالشعبي ويكتب الأبوذية والدارمي ، وكنت أعيره بعض الكتب ، وقال لي : { إذا تأخرت هنا وشاهدك أحد عناصر حضيرة الإستخبارات ، سيسلخون جلدك } قلت له ما العمل ؟ قال : { اذهب الآن وانتظرعجلة الحانوت خارج مقر الفوج ، سأذهب إلى أربيل للتسوق وآخذك معي } عبرنا سيطرة { كلاله } فسيطرة { دار السلام } فسيطرة { جنديان } فسيطرة { كلي علي بك } فسيطرة { خليفان } فسيطرة { عين كاوه } ولما وصلنا أربيل ودعت نعمة وشكرته على مساعدته ، فتمنى لي أن أصل بغداد بسلام وشدد على أن لا أسلك طريق بغداد – كركوك ، بل طريق الموصل – التاجي لأن سيطراته أقل تفتيشاً من الطريق الأول . وهنا تحضرني الآن قصيدة حسن النواب { سيطرات } التي شرح فيها معاناته مع السيطرات أثناء هروباته المتكررة من الخدمة العسكرية . سلمت بندقيتي إلى مأمور المشجب بموقع أربيل العسكري وأخبرته إنني سأهرب من الخدمة العسكرية ، حدثني وهو يقدم لي كوب الشاي بأسى عن عشرات الجنود الذين ألحقوا بأنفسهم الأذى ، وقال : { إن استخبارات الفيلق ستقوم بعد معالجتهم بإيداعهم السجون ومن ثم تحيلهم إلى المحاكم العسكرية الخاصة . وعرفت منه أن حالات إيذاء النفس في هذه المعارك كانت متشابهة ومكشوفة في مستشفى أربيل العسكري ، قلت له كيف ؟ فراح يشرح لي أن الجندي المصاب يتفق مع جندي آخرعلى أن يطلق النار على يده أو على ساقه من مسافة قريبة ومن ثم يخلي نفسه إلى طبابة الميدان ويدعي أنه أصيب بالموضع الدفاعي من قبل الجانب الايراني ، وبما أن هذه الحالات كانت متشابهة ، فقد قام آمر مستشفى أربيل العسكري بكتابة تقرير إلى قيادة الفيلق أوضح فيه أن الأطباء بعد أن قاموا بفحص الإصابات ، وجدوا آثار بارود في الأعضاء المصابة وهذا يعني أن عملية إطلاق النار كانت من مسافة قريبة جداً } ، وحين هممت أن أنهض قال لي مأمور المشجب كمن يذيع علي سراً : { المفروض إذا تمت عملية إطلاق النار من مسافة قريبة ، أن يلف الجندي يده أو ساقه بكيس من القنب ، حتى لا تظهر آثار البارود ، بس هذوله قشامر ربما سيشنقون } ، وهنا أود أن أسأل ، هل عالجت المجلدات الضخمة المسماة { قصص تحت لهيب النار} والروايات والمجموعات القصصية وودواوين المعركة في{ قادسية صدام } المشؤومة هذه الحالات ؟ كم من الجنود تم شنقهم خلال سنوات الحرب بسبب حالات إيذاء النفس ورفضهم للحرب ؟ لا أحد كتب عن هذه الحالات أبداً ، كان أغلب الكتاب والشعراء ممن كتبوا عن الحرب ومجدوها ، يصورون الجندي العراقي أقوى من سوبرمان ، لا يشعر بالخوف ولا بالضعف ولا تستطيع مجابهته كل صناديد العالم . وكانوا يكتبون و يمجدون الحرب وفق المواصفات المطلوبة التي يحددها مكتب الثقافة والإعلام القومي التابع لحزب البعث ، وتوجيهات وزير الثقافة والإعلام لطيف نصيف جاسم الذي كان عام 1979 وزيرالزراعة وله كراس بعنوان { مسائل في العمل الزراعي } .وكانت مواصفات العرض والطلب تتم على هذا النحو : عند إعلان مسابقة ما وما أكثرالمسابقات خلال سنوات الحرب ، تعطى للذين يفوزون المبالغ المالية الضخمة والسيارات والشقق الفاخرة والمسدسات والمنح الدراسية خارج العراق كما حصل مع ضياء خضير الذي فازت قصته { نسر بين الجبال } بجائزة عام 1983 فاستحق من اجلها مبلغ 3000 دينار وسيارة تويوتا يابانية ومنحة دراسية مجانية في احدى الجامعات الباريسية حيث عاد إلى العراق يحمل شهادة دكتوراه ، وكان قبل فوزه بهذه الجائزة يكتب الشعر العمودي . واستحق جمال حسين علي الذي كان يشترك في كل مسابقات القصة أن يسرح من الجيش حيث كان يؤدي خدمته العسكرية في دائرة التوجيه السياسي ، ويحصل على منحة دراسية مجانية أيضاً في موسكو. واشترك كثير من الكتاب المعروفين والكتاب الجدد في مسابقات قادسية صدام المتكررة للقصة القصيرة ، ثم تنوعت المسابقات لتشمل مسابقة قادسية صدام للشعر ومسابقة قادسية صدام للكتابة الحربية السردية التعبوية (مذكرات ، يوميات) وقد فاز فيها شعراء وكتاب مختلفون(يستطيع القارىء الكريم أن يطلع على أسمائهم في كتب قادسية صدام التي طبعتْ في بغداد أو في كتاب الكاتب سلام عبود المعنون : ثقافة العنف). والذي لا يحالفه الحظ بالفوز في هذه المسابقات ، تقوم دائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والإعلام بطبع بضع آلاف نسخة من كتابه وتمنحه المكافأة المالية المقرَّرة. ولم يبتعد عن هذا الارتزاق والاشتراك في حفلات مسابقات بيع الضمير إلا أدباء العراق الحقيقيون (بأجيالهم المختلفة) ممن آثروا صعوبة الحياة وشرف الأدب على الجاه والمال. وكنت أنا والكثير من الشعراء والكتاب الشباب لا يسمح لنا بدخول مبنى وبار اتحاد الأدباء والكتاب إلا بمعية عضو يمتلك بطاقة الانتساب للاتحاد ، وأن نسجل أسماءنا كل يوم في سجل الضيوف . فلكي نكون أعضاء ، يتحتم علينا أن ندفع مبلغاً معيناً من المال وأن نقدم مع طلب الانتساب ، كتابا مطبوعاً . لكن من أين نأتي بالكتاب المطبوع وكتبنا غير صالحة للنشرعند دائرة الشؤون الثقافية ؟ وحتى لو أردنا أن نطبعها على حسابنا الخاص ، فستقوم دائرة الرقابة في وزارة الثقافة والإعلام بإحالتها إلى رقباء وخبراء من الذين لا يرحبون بإبداعنا . وقد أحالت دائرة الرقابة المجموعة الأولى لصديقي الشاعر والفنان ناصر مؤنس إلى جبرا ابراهيم جبرا ، حيث كتب في معرض تقييمه لها إنها تشوه الخط العربي . وكان ناصر قد كتب مجموعته بطريقة تشكيلية عرف فيها فيما بعد . وامتنع الخبير عن إعطاء رأي بخصوص إجازتها لتطبع . ويتذكر الكثير منا معاناتنا اليومية الشديدة مع موظف استعلامات اتحاد الأدباء المدعو أبو قتيبة ، السائق السابق لرئيس مخابرات صدام ووزير داخليته المجرم سعدون شاكر، فقد كان يصردائماً على أن نبقى في الانتظار لحين قدوم عضو ، حتى يسمح لنا بالدخول ضيوفا عليه . وحتى الآن لست أدري من الذي جاء بهذا الشرطي ليشغل وظيفة موظف استعلامات في إتحاد الأدباء ؟ وعلى ذكر الرقابة ووظيفة الرقيب الذي كان يسمى جزافا { الخبير } فأود أن أوضح هنا بعض الأمور التي كانت تحكم عمل هذه الدائرة البائسة . عند وصول مطبوع يصدر خارج العراق ، ترسل الدار التي أصدرته نسخة منه إلى هذه الدائرة للبت في صلاحية إجازته ، لكن النتيجة غالبا ما تكون في غير صالح الكتاب . مثلا ، أحالت دائرة الرقابة { أناشيد مالدورو } للوتريامون عام 1982 إلى رزاق ابراهيم حسن الشاعر العمودي ومؤلف أكثر من 7 كتب عن النقابات العمالية في العراق . مُنِعَ الكتاب من النزول إلى المكتبات بحجة أن لوتريامون يتغزل بالرياضيات والقملة في نشيدين منه . وعندما أعارتنا الشاعرة دنيا ميخائيل نسخة منه وقمنا بتصويرها عام 1992 ، طلب هذا الخبير بعد 10 سنوات من منع الكتاب نسخة منه ، بعد أن ألغى صدام حسين بقانون سوريالي مفهوم الطبقة العاملة في العراق ، ليصبح رزاق ابراهيم حسن ناقدا أدبياً ويتخلى عن كتابة الشعر العمودي ، وادعى بعد ذلك أنه لم يمنع الكتاب قطّ . ولك أن تقيس على هذه الشاكلة ، كم من مطبوع تم منعه بهذه الحجة أو سواها ، أما إذا أجازت دائرة الرقابة هذه كتاباً للطبع فإنها تأمر بصرف كمية من الورق تصل إلى بضع آلاف نسخة مجاناً للمؤلف فيتفق مع أحد المطابع الخاصة على أن يطبع 2000 نسخة منه ويبيع كمية الورق المتبقية إلى الناشر ليقوم هذا بدوره بطبع كتب الطهي والأبراج وماشابه . هل سمعتم بكتاب صدر بهذه الطريقة في مجلدين في الثمانينيات لشاعر ومدير تلفزيون البصرة وحمل عنوان { قوة البلاغة في أحاديث السيد الرئيس صدام حسين } ؟ ولست أدري هل كان هذا الشاعر { يقشمر } دائرة الرقابة أم { يقشمر } نفسه ؟




يتبع :



... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-13-2005 08:46 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #7
سيرة ذاتية
الفصل الثالث


معارك { حاج عمران } { سيده كان } 1 / 9 / 1986




بدل حياتي يا غناء ، بدل النشيج


بعد هروبي من المعارك الطاحنة في قاطع { حاج عمران } وتركي الموضع الدفاعي ليلة 14 / 5 / 1986 . سلكت طريق {الموصل – التاجي} حسب نصيحة العريف نعمة مسؤول حانوت الفوج ، وكل أعضائي ترتعد خشية توقيفي في إحدى سيطرات الطريق من قبل عناصر الاستخبارات أو الانضباط العسكري . وتوقيفي من قبل أولئك الضباع والذئاب متسرباً من الموضع الدفاعي أثناء معركة ، يعني إرسالي مخفوراً على الفور الى سجن آمرية انضباط الموصل ، لترسلني هذه بدورها الى سجن استخبارات الفيلق في أربيل . ومن ثم سوقي الى محكمة عسكرية خاصة لتأمر باعدامي وفق القوانين العسكرية الصارمة المعمول بها ، والتي كان يصدرها القائد العام للقوات المسلحة صدام حسين . عندما اقتربنا من بغداد ترجلت من السيارة قبل الوصول الى سيطرة { التاجي } بكيلومترين واتخذت طريقاً ترابياً يبعد مسافة لا بأس بها عن عيون الضباع والذئاب التي تترصد الطريق في السيطرة . وعندما عبرت هذه الوحوش التي لا تعرف الرحمة أبداً . أوقفت سيارة تاكسي وطلبت من سائقها أن يوصلني الى مدينة {الثورة} حيث بيت أهلي . كنت طوال الطريق أنظر الى الأمام بعينين مترقبتين خوفاً من سيطرة أخرى ، وحين وصلت البيت وجدت أمي تلطم وتصرخ ولم تستطع أكل لقمة طعام واحدة منذ ليلة البارحة ، لأنها سمعت ورأت عبر جهاز التلفاز البيان العسكري اليومي يعلن عن قيام معارك في القاطع الشمالي ويظهر البرنامج الدعائي المصوَّر{ صور من المعركة } جثث القتلى من القوات الايرانية ويثني على شجاعة وبسالة قواتنا التي { لم تخسر خلال اليومين الماضين إلا بضعة جنود } . والغريب في الأمر أن البيان شأنه شأن البيانات الأخرى التي كانت تذاع كل يوم طوال سنوات الحرب العراقية - الايرانية ، يقول بعد البسملة وذكر آيات من القرآن : إن رجال قواتنا المسلحة قد { قاتلوا قتال الصحابة في هذه المعارك التي تشيب لها رؤوس الولدان } . ويبدو أن كاتب البيان عبد الجبار محسن الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة والاعلام سابقاً ، و اللواء ومدير دائرة التوجيه السياسي الآن ، يعتقد أن الصحابة كانوا لا يُقتَلون في المعارك التي تشيب لها رؤوس الولدان . أقسمتْ أمي بعد أن أخبرتها بأنني هارب من تلك المعارك بأنها لن تدعني ألتحق مرة ثانية بوحدتي العسكرية مهما كلف الأمر، وقالت إنها في حال القاء القبض عليَّ وإعدامي في مكان غير جبهة الحرب ، ستكون مستعدة لدفع مبلغ الاطلاقات الـ30 التي ستطلق عليَّ الى {الحكومة} والبالغ 30 ديناراً ، لأن ذلك أهون لها من أن تبقى جثتي قرب مواضع العدو وتموت من دون أن تدفنني بيدها.

بقيت في البيت رهين مكتبتي ، لا أقف في الباب ولا أصعد السطح إلاّ في الليل خشية من وشاية أحد بي إن رآني الى مسؤولي المنظمة الحزبية.

بعد أيام جاء لزيارة بيت أهلي ابن عمتي الأصغر كريم وهو جندي مشاة مثلي في إحدى وحدات الفيلق الثاني وسألني ان كنت أتمتع باجازة دورية فأجبته : نعم . لم يصدق ، وقال : { كيف يمنحونك إجازة والمعارك مستمرة في قاطعكم منذ أيام ؟ }، قلت له : { اذهب الى الجحيم ، إنني هارب من هذه المعارك } فاقترح عليّ أن يساعدني في ايجاد وسيلة أستطيع من خلالها أن أخرج من البيت والذهاب الى حيث أريد . قلت له : { هل تستطيع أن تدبر لي نماذج اجازات دورية مختومة مقابل مبلغ من المال ؟ } وكان الكثير من ضباط الجيش العراقي يقومون أثناء الحرب بختم هذه النماذج بأختام الوحدات التي يخدمون فيها ، ويبيعونها سرا للجنود الهاربين من الخدمة العسكرية عن طريق وسطاء ، وعادة مايكون هؤلاء الوسطاء خدمهم ، { يخصص لكل آمر وحدة أو آمر سرية أو آمر فصيل في الجيش العراقي خادم يكلف بخدمته ليلاً ونهاراً ويسمى المراسل} ومن المعلوم أنه كان يمنع منعاً باتاً في كافة أنحاء العراق صنع أي ختم لدائرة أو مصنع أو مدرسة أو وكالة عمومية او ورشة حدادة أو بقالة أو ما شابه إلا بموافقة مديرية الأمن العامة مع شرح الغاية من صنعه وتقديم الكفالة الملزمة و الشروط والأدلة والبراهين المطلوبة حتى تتم الموافقة عليه . قال : { لدي ختم وحدة عسكرية واشتريت نماذج اجازات من سوق مريدي وأنا الآن هارب منذ ثلاثة أشهر} . سررت كثيراً وقلت له : { من أين سرقته ؟ هل سرقته من وحدتك ام من وحدة أخرى ؟ } . قال : { لم أسرقه . بل صنعته بنفسي } . قلت بدهشة كيف ؟ قال { عملية معقدة . اشتريت من سوق مريدي جزءاً من ختم مدرسة مكسور . يوجد فيه العدد والتاريخ فقط ، وأحضرت علبة أمواس ماركة ناسيت فارغة ، وهي بحجم ختم الوحدات العسكرية تماماً . وفي مرة أخرى اشتريت من نفس السوق أيضاً ختماً مسروقاً من مصنع لخزانات الماء مكتوباً فيه : رقم الوحدة لخزان الماء كذا وكذا . ثم قمت بقص كلمة رقم الوحدة والرقم المرسوم في الختم ، والآن عندما أختم أي نموذج إجازة . أقوم أولاً بوضع علبة الأمواس على الحبر ، ثم العدد والتاريخ ، ثم كلمة رقم الوحدة وبعدها الرقم ، فيصبح لدي ختم وحدة عسكرية حقيقي} . قلت له : { هل أوقفتك مفرزة انضباط أو شرطة أو استخبارات او دورية حزبية طالبةً نموذجَ إجازتك ؟ } . قال بفخر: { عدة مرات . في الثورة والباب الشرقي وعلاوي الحلة والباب المعظم وسلمان باك} . ذهبت معه الى بيت عمتي العليلة وشبه الميتة منذ سنة 1980 بسبب نواحها المستمر ليلاً ونهاراً على ابنها الأوسط كاظم الذي فقد في الشهورالأولى للحرب في احدى جبهات القتال ، بالقاطع الجنوبي ولم تعرف أي خبر عنه ، على الرغم من زيارتها المستمرة قبورَ الأولياء والنذور الكثيرة ولقاءاتها بالسحرة والمطوعات وقارئات الغيب . ختم لي كريم عدة نماذج من دون مقابل على الرغم من جهده الذي استمر فترة لا بأس بها ، وقال : { الآن تستطيع أن تضع التواريخ التي تشاء ، ولكن يجب أن تحتاط من الجيران والناس الذين يعرفونك في منطقة سكناك . حذار من أن تظهر في فترة شهر أكثر من 7 أو 9 أيام أمامهم ، لا تدع أحداً يشك في أنك هارب من الخدمة العسكرية ولديك نماذج إجازات مزورة . ممكن أن يبلغَ عنك مكتب المعلومات الأمني في المنطقة أو المنظمة الحزبية } . عدت الى البيت وتشاجرت مع أمي التي رفضت بقوة أن أخرج بنموذج إجازة مزور، لئلا تلقي الذئاب القبض عليَّ وأساق الى ساحة الاعدام بتهمة الهروب من ساحة المعركة وترك الموضع الدفاعي . ورغم عويلها ولطم خدودها خرجت قاصداً مقهى { حسن عجمي} للقاء الأصدقاء الأدباء والفنانين . أصر صديقي الشاعر ناصر مؤنس في المقهى أن نترك الكسل وننجز مشروعنا الشعري المتعثر سوية مع المرحوم الشاعر رياض ابراهيم . وهذا المشروع الذي كان من الممكن أن ننجزه في عام 1983 . كان أحد أحلامنا الجنونية في الشعر ، وكان يتمثل في أن نقوم بإعداد مجموعة شعرية مشتركة لنا نحن الثلاثة ، ونكتب في مقدمتها بياناً شعرياً نارياً ننسف فيه حسب ادعاءاتنا آنذاك كل المفاهيم البالية والسائدة في الشعر العربي ، ونطبعها خارج العراق على حسابنا الخاص . كانت أعمارنا أنا وناصر تتراوح ما بين 20 و23 سنة ، وكنا نغوص في أحلام الحداثة والتغيير والمغامرة والفرادة والابداع واجتراح المعجزات قبل أن نستكمل ذخيرتنا المعرفية والحياتية . وكان الدافع الأساسي الذي يدفعنا الى هذه الأحلام هو الركود الثقافي والشعري الضحل الذي هيمن على واقعنا العراقي بسبب مناخ الحرب ومهرجاناتها الدعائية التافهة التي كانت تكرسها السلطة لأبواقها من المتشاعرين والناعقين .مهرجانات الشعر العمودي والعامي المكرسة لتمجيد الحرب والتي كانت تقام على مدار الأسابيع والشهور بانتظام في الاذاعة والتلفزيون والجامعات والمسارح والنوادي وفروع اتحاد الطلبة واتحاد العمال واتحاد النساء . وظهور سلسلة { ديوان المعركة } الشهيرة التي راحت تصدر مئات المجاميع الشعرية لكل من هب ودب ، والتي تمجد الموت والخراب في { القادسية } وتثني على شجاعة { قائدها المنصور } بسبب من اغراءات المكافأة المادية والوجاهة الاجتماعية . فقد أصبح هؤلاء الأدعياء من أصحاب الحظوة والنفوذ في المجتمع ، عندما ظهر منهم عدد لا يحصى من شعراء العمود الطبالين برعاية رسمية الذين كانوا يتزاحمون على حضور المهرجانات الرسمية وغيرهم من شعراء التفعيلة أيضاً مثل يونس ناصر عبود الذي طبع مجموعة شعرية اسمها ( دم وبرتقال) فأصبح شاعراً وعبد المنعم حمندي الذي كان يصدرالمجموعات الشعرية الواحدة تلو الأخرى حتى أصبح رصيده حتى عام 1993 ، 5 مجموعات شعرية صدرت عن دائرة الشؤون الثقافية ، ودخل بعد ذلك في عب عبد الأمير معلة رئيس اتحاد الأدباء فجعله مديرا للشؤون الادارية والثقافية وأمين المكتبة ورئيس النادي في الاتحاد وكان يصول ويجول في مهرجانات وأعراس الحرب. أما النموذج الآخر فهوالشاعر الشعبي جواد الحطاب الذي تحول الى الكتابة بالفصحى و أصدر مجموعة حملت عنوان { سلاماً أيها الفقراء } قبل الحرب ثم راح طوال سنوات الحرب يرفد الصحف والمجلات بريبورتاجات ويوميات تضفي على حرب صدام طابعاً خاصاً من القداسة والمشروعية ويحصد جوائز المسابقات التعبوية ليتشرف بعد ذلك بمقابلة سيده الطاغية ويحصل منه على شقة فاخرة وعطية مالية سخية ، ومن بعدها يتم تكليفه برئاسة تحرير مجلة { الزمن } لصاحب امتيازها الطاغية الصغير عدي صدام . والأدهى من ذلك ، قام وسط هذا المناخ الملوث برائحة الدجل والكذب والخيانة لكل القيم الموضوعية للثقافة العراقية وتاريخها وانجازاتها ، مداح الطاغية المدلل لؤي حقي المدير العام في مكتب المنظمات الشعبية التابع لديوان رئاسة الجمهورية ورئيس منتدى الأدباء الشباب عام 1983 بتكليف من{ جهات عليا } بإقامة { مهرجان الأمة الشعري } بسبب فشل مهرجان المربد الشعري عام 1982 الذي كانت تُشتَرى فيه ذمم الكثير من الشعراء العرب المعروفين. بداية من نزار قباني الذي كان يصرخ في إحدى دورات المهرجان : { ذهب الفرس وجاء العرس } فسعاد الصباح التي كانت تصرخ أيضاً : { أريد أن أتزوج سيفاً عراقياً } على الرغم من أن المدافع والدبابات كانت تقتلنا في كل آن والطائرات كانت تدك المدن والقرى ، ولا سيف هناك ولا { هم يحزنون } ومحمود درويش ومحمد الفيتوري وشعراء من مصر، ومن لبنان ، ومن المغرب ، ومن الأردن ، ومن تونس ، ومن الجزائر ، ومن موريتانيا، ومن بلدان الخليج ، ومن كل بلدان العالم . ولقد فشل المربد عام 1982 بسبب هزيمة القوات العراقية في قاطع { عربستان }. والغزو الاسرائيلي لبيروت وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان ، واختلاط الأوراق . وقام لؤي حقي الذي لم ينشر سوى قصيدتين خلال سنوات الثمانينات في مديح ولي نعمته صدام ، و حصل على امتيازات كبيرة شملت الدراسة الجامعية والمنزل الفاخر والسيارات غالية الثمن والمكرمات المالية الضخمة ، بتنظيم مهرجان تهريجي آخر أطلقت عليه لأغراض دعائية في حينه تسمية {مهرجان الأمة الشعري} وهيأت له دوائر النظام جميع مستلزمات النجاح الضرورية الخاصة بالرشاوى وشراء الذمم ، وحضره أكثرمن 1500 شاعر وكاتب جاءوا من بلدان عربية وأجنبية مختلفة . وهنا أود أن أوضح بعض الأمور عن هذا الدعي لؤي حقي : لقد تعرفت إلى لؤي حقي صيف عام 1980 بمقهى {البرلمان} عندما كان يقرزم الشعر العمودي ، وبعد أيام التقيته في بناية منتدى الأدباء الشباب الواقعة بمنطقة {راغبة خاتون} أثناء اقامة أمسية شعرية . وبما أنني وصديقي الشاعر ناصر مؤنس كنا نحب المشي لمسافات طويلة آنذاك ، فقد تمشى معنا بعد نهاية الأمسية في طريق العودة. وحين وصلنا الى منطقة {الباب المعظم} دعوتهما الى العشاء في بيت أهلي. بعد العشاء طلب مني أن أعيره بعض الكتب المعينة وادعى أن هذه الكتب مفقودة في المكتبات وغالية الثمن وهو لا يمتلك النقود لكي يشتريها فأعرته 12 كتاباً ، أذكر منها الكتاب المقدس ومذكرات بابلو نيرودا وديوان السياب وديوان المتنبي بتحقيق عبد الرحمن البرقوقي ومجموعة أدونيس أغاني مهيار الدمشقي وكتباً أخرى نسيت عناوينها . وطلب مني أيضاً أن أسلفه 100 فلس ليتمكن من العودة الى بيت أهله الواقع بمنطقة {حي العامل} في الباص ، وكانت أجرة الركوب في الباص آنذاك هي 50 فلسا . وهكذا صعد لؤي أولا الباص 63 من الثورة الى الباب المعظم ومن ثم الباص 98 من الباب المعظم الى حي العامل . حين ودعناه قال لي ناصر : { لماذا أعرت كتبك لهذا الأمي ؟ . لن يقرأها ولن يعيدها اليك} ولقد صدقت نبوءة ناصر بعد ذلك . في مرة حصل لؤي حقي من صدام حسين على سيارة نوع تويوتا سوبر ومكافأة مالية ضخمة من دون أن يعرف أحد ماهي المناسبة . حضر بعدها الى بناية منتدى الأدباء الشباب الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة والاعلام عبد الجبارمحسن . يطلب من الأدباء الشباب ترشيح لؤي حقي لمنصب الرئيس بدلا من الشاعر زاهر الجيزاني . رفض الجميع ترشيح لؤي لمنصب الرئيس .غادر بعدها الوكيل الأقدم بناية المنتدى وتمت بعد أيام عملية نقل منتدى الأدباء من وزارة الشباب الى مكتب المنظمات الشعبية في ديوان رئاسة الجمهورية وصدر مرسوم جمهوري بتعيين لؤي حقي مديراً عاماً ورئيساً لمنتدى الأدباء الشباب ليعج المنتدى بعد ذلك برجال حماية الرئيس ، ويتذكر الكثير منا صداقة لؤي لطيار صدام الخاص وزوج أخته ومرافقه الأقدم أرشد ياسين . عام 1986 قام لؤي بطبع مجموعة الشاعرة سعاد الصباح {فتافيت امرأة} على نفقة المنتدى بمبلغ 8000 دينار عراقي . وفي عام 1988 بعد نهاية الحرب مع ايران صدر قرار من قبل صدام يقضي بفتح خط هاتفي في جميع المستشفيات بالعراق و يتصل بالقصر الجمهوري مباشرة لتلقي شكاوى الاعتداءات التي يتعرض لها الأطباء كما أعطى صلاحيات واسعة لوزير داخليته آنذاك سمير الشيخلي . وفي سهرة صاخبة بنادي الصيد حضرها لؤي وابن لعبد الرزاق عبد الواحد ببغداد اضطروا لأمر ما نقل ابن عبد الرزاق عبد الواحد إلى المستشفى الذي رفض أطباؤه بسبب تعليمات شديدة معالجة الشخص المصاب إلا بجلب محضر تحقيق من الشرطة فثارت ثائرة لؤي وتشاجر مع مدير المستشفى بالضرب المبرح الذي اتصل بوزير الداخلية سمير الشيخلي. في النهاية تم استدعاء الشرطة وأخذوا الجاني الى التوقيف . أمر صدام حسين بحبس لؤي من دون محاكمة في سجن {أبو غريب} 45 يوما وطرده من منصبه . خرج بعدها وذهب الى منتدى الأدباء الشباب ليضرب الشاعر علي الشلاه ضرباً مبرحاً ويشج جبينه بأخمص مسدسه أيضاً . في شتاء عام 1992 نشر رسالة مفتوحة في صحيفة {القادسية} الى سيده صدام يذكره فيها بأنه كان أحد جنوده الأوفياء في {القادسية المجيدة} . تولى الرد عليها السكرتير الشخصي للرئيس عبد الجبار محسن . رضى صدام عنه ومنحه منصباً جديداً {مدير عام في مكتب المنظمات الشعبية} مرة أخرى في ديوان رئاسة الجمهورية . وعندما كان يزور خالد مطلق رئيس المنتدى فيما بعد مع مرافقه الخاص الملازم أول علي وسائقه . كان يرعب جميع الأدباء الشباب حتى وصلت أخباره الى عدي صدام رئيس التجمع الثقافي في العراق عن طريق رعد بندر. والغريب أن عدي على الرغم من نزواته وقسوته الشديدة لم يكن يتحرش به أبداً خوفاً من أبيه الطاغية . بعد عام 2000 عينه صدام حسين رئيسا لمؤسسة السينما والمسرح وقد شاهدناه أثناء الحرب الأخيرة التي أطاحت بنظام صدام عبر التلفاز يقود الفنانين العراقيين بساحة {الفردوس} للتغني بصمود وبطولة {أبو الحواسم} ، وحين سقط نظام سيده الى الأبد ، ذهب بعد أيام ليباشر عمله بمؤسسة السينما والمسرح فتم طرده من قبل أولئك الذين كان يجبرهم على التغني ببطولات القائد المهزوم ،وظل حبيس بيته بحماية أقاربه خوفاً من الانتقام . ولقد أجرت معه احدى الصحف الأجنبية مقابلة في هذه الفترة . ترجمت صحيفة {القدس العربي} فقرات منها ، ذكر فيها أنه كان يحب صدام ويكره ابنه ، وقال انه أراد الذهاب مرة الى أمريكا فذهب الى مقابلة صدام الذي أعطاه 30000 دولار لتغطية نفقات سفره.قبل إقامة مهرجان الأمة الشعري بشهور كلف القسم الثقافي بمجلة { اليمامة } السعودية صديقنا الكاتب حميد المختار أن يقوم باعداد ملف عن قصيدة النثر بالعراق . يشمل حوارات مع عدد من شعراء قصيدة النثر وتقديم مختارات من كتاباتهم ، ويصدر في عددين متتالين وقد قام حميد المختار باجراء حوارات مطولة مع عدد منا عن وظيفة الشعر الأساسية في عالمنا الراهن والحداثة والكتب والابداع والاحلام والجمال. نشرت هذه الحوارات الملتهبة والصاخبة في عدد ، وفي عدد تلاه نشرت مختارات من قصائدنا . وفي مناخ الاحتقان الذي كان سائدا آنذاك في الأوساط الشعرية والثقافية بالعراق استطعنا عبر هذا الملف أن نطلق بعض مافي نفوسنا من هموم سببتها ماكينات التزوير والتهريج التي كانت تعمل ليلاً ونهاراً في العراق .

كان طوافنا اليومي أنا وباقي أصدقائي الشعراء حول المكتبات لا ينقطع أبداً . بحثاً عن الجديد في الشعر والثقافة وسائر فروع المعرفة الأخرى ،وكانت نقاشاتنا الصاخبة لا تنقطع هي أيضاً حول الشعر والسينما والمسرح وبقية الفنون . ومرة أثناء تجوالي اليومي ، وكنت مع ناصر مؤنس ورياض ابراهيم ، في شارع { الرشيد } قاصدين احدى المكتبات أوقفتنا مفرزة أمنية كانت مستترة في زقاق ضيق يرتدي عناصرها الملابس المدنية وطلبوا بطاقات هوياتنا ، قدم لهم ناصر ورياض بطاقتي هويتيهما وقدمت أنا لهم بطاقة هويتي ونموذج اجازتي المزور مرعوباً ، وبالكاد أمسكت أعصابي . بعد أن دققوا النظر في بطاقاتنا سمحوا لنا بالمرور.



يتبع :



... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-18-2005 01:05 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #8
سيرة ذاتية



في فترة هروبي هذا كنت أقضي معظم الوقت خارج البيت وأنام في الليل عند صديقي الشاعر محمد النصار في غرفته المستأجرة في أحد فنادق ساحة {الميدان} أو عند صديقي الشاعر كمال سبتي كما في هروبي الأول.وكانا يمنحانني الكتب والمال .

بعد شهور ألقت احدى مفارز الاستخبارات القبض على ابن عمتي كريم في احدى مناطق {الثورة} بسبب شكهم في حقيقة نموذج اجازته، واقتادوه الى الشعبة الخامسة فوراً وبعد التحقيق معه ذهبوا الى بيت عمتي وفتشوا البيت وصادروا الختم المزور. وهنا قامت قيامتي حين جاءت عمتي الى بيت أهلي تولول . ماالعمل الآن؟ سوف يقوم جلاوزة الشعبة الخامسة المرعبة بتعذيب كريم واستنطاقه حول عدد وعناوين أولئك الجنود الهاربين من الخدمة العسكرية الذين ساعدهم وسهل لهم عملية ختم النماذج المزورة . اتخذت قراراً بالالتحاق الى وحدتي العسكرية( نادماً) ..خشية من القاء القبض علي واعدامي ، وتضرعت الى الآلهة أن تخفف عقوبتي عندما يتم تقديمي الى محكمة عسكرية .

في التحاقي الى الوحدة هذه المرة ، رايت الأجواء ذاتها التي رأيتها في التحاقي السابق . عشرات الوحدات العسكرية من صنوف مختلفة كانت تقوم بالتدريبات العنيفة ومهمات الاستطلاع والاستمكان والرصد ، والطيران الحربي لا يكف عن طلعاته المستمرة ليلاً ونهاراً ضد مواضع وتجمعات القوات الايرانية . قدمني رأس عرفاء سريتي زين العابدين الى آمر سريتي الجديد الملازم أول جاسم الذي تم تنسيبه بدلا من آمر السرية السابق الملازم أول محمود بعد مقتله في اليوم الرابع من معركة جبل { كرده مند} التي بدأت في ليلة 13 / 5 . لم يوبخني هذا الضابط ولم يشتمني بسبب هروبي ووعدني بأنه سيمنحني إجازة لمدة 3 أيام بعد اسبوع لطمأنة أمي . في مكتب قلم السرية أخبروني بأنهم لن يرسلوا محضر تحقيق حول هروبي الى المحكمة العسكرية الدائمية 23 في الموصل . وقالوا إن ارسال المحاضر التحقيقية الخاصة بحالات الهروب من الخدمة العسكرية الى المحاكم متوقف الآن بموجب برقية من القيادة العامة للقوات المسلحة في هذا القاطع . وبعد أيام تم اعفاء الجنود السجناء في كل سجون الوحدات العسكرية بمواقع {أربيل} و{الموصل} و{دهوك} من بقية فترات العقوبة المطبقة بحقهم . ودارت بسبب اعفاء الجنود السجناء من بقية فترات العقوبة ، والاستعدادات العسكرية الكبيرة في عموم قاطعي {حاج عمران} و{ سيده كان } شائعات كثيرة حول هجوم ايراني كبير وشيك على هذين القاطعين. اذن ، ستفتح جهنم أبوابها مرة أخرى لتلتهم الآلاف من الضباط والجنود فوق الجبال الجرداء. كان أغلب مراتب سريتي هذه المرة من الجنود الجدد الذين جيء بهم لتعويض النقص الذي حصل بعد الاصابات الكثيرة وحالات الهروب وايذاء النفس وكثرة أعداد القتلى . وعندما كنت أسأل الجنود القدامى في سرايا فوجي الأخرى عن فلان وفلان وفلان ، كانوا يخبرونني بأنهم قتلوا من جراء القصف أو القنص أو أعدموا لتسربهم من المواضع الدفاعية .

بعد اسبوع منحني آمرسريتي إجازة قصيرة لمدة 3 أيام كما وعدني عندما التحقت نادماً. وعندما استقبلتني أمي دامعة العينين في البيت لم أخبرها بما كان يدور في قاطع وحدتي . سألتها عن كريم . قالت :{ أن أهله لايعلمون عنه شيئاً ، ولا يدرون هل تم ارساله الى وحدته العسكرية مخفوراً أم لا ؟}. لكن كريم الذي أمضى فترة قصيرة في سجن الشعبة الخامسة بالاستخبارات العسكرية ، أرسِلَ الى وحدته بعد أن تم تسميمه بسم الثاليوم . ولقد أصيب المسكين ابن عمتي بنوبة قلبية حادة في يوم وصوله مخفوراً الى وحدته ومات بعمر التاسعة عشرة ، لتموت من بعده عمتي حزناً وكمداً عليه وعلى ابنها الآخر المفقود منذ بداية الحرب مع ايران الى الآن بسبع ميتات .




يتبع :




... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-21-2005 02:55 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #9
سيرة ذاتية
بدل حياتي يا غناء . بدل النشيج
{تحية الى محمد مظلوم – فاطمة}


يدي التي مددتُها لأقطفَ ثمار حروبكم. يدي الشقراءُ كالليل خالية الآن إلا من

الجروح. حياتي حقلُ رماد، ويدي موشومة بشظايا قذائف ثقيلة. جائع ودائخ .

بدلْ حياتي يا غناء ، بدل النشيج. أنا الغجريّ . قصائدي عرباتي ، ولعناتهم

ذهبُ حياتي. لا نجوم مشعة كما في ليل الغجري. ثريات من المديح تشع على

أحزانه الضخمة . هل نستطيع العيشَ بسلام مع ذكريات طفولتنا ؟

للعزلة

للفقر

للعنات يقدم الغجر ذبائحهم .

آه يا بغداد . يا أمنا الثكلى . هنا قناديل جمالك العظيمة تحيا مثل الديدان .

مذهبة بالقتل والرماد قناديلك الأسيرة . الآن يتنهد الخرابُ مع تنهداتك التي

يبتلعها الظلام . الشمس فوق رأسك . غابات من المسامير والربيع يحني رأسه

متعباً من صراخ الملائكة . بدل حياتي يا غناء . بدل النشيج .

هل أنا المسيحُ عندما مسحت دموعَ الجنود القتلى فوق جبال {حاج عمران }

تحت القصف المدفعي الكثيف . جريحاً ودائخاً . لا أملك سوى رماد حياتي ؟

- أيها الغجريّ . تذكّر الأمجادَ الزائلة وصن قصيدتك .

انخيدوانا . أيتها السلحفاة التي تنام على ضلعها الأيمن . الآن كم أنا بعيد جداً

عن ولائمك الحقيرة . هل يتوجب عليَّ أن اذهب لأحصد أكاذيبك حين

تفوح الروائح العفنة ؟ حياتي حرة . حرة كطريق العوسج .

أمامي الآن ذئاب جائعة . هذه الذئاب تمجد فرائسها حتى حولت القتل ركاماً

متشظياً من الغدر . الآن في أيام العواء وصحراء من الجوع حيث الفاقة بأجنحتها

السود تحجب الشمس . أنظر الى تلك المجازر التي تصنعها الذئابُ وظلال الموت

التي تلف دروبي . آه . الجوع في جوفي كما في السماء . الجوع هو عواء الذئاب

والظلام يستقبلني كقبر ضخم . لماذا أحمل معي الاثم مثل الكتب وتطاردني لعناتكم

كقطعان فيلة هائجة ؟ لماذا يبتعد عن سمائي القمر مثل خطيئة ؟

بدلْ حياتي يا غناء . بدل النشيج . بدل حياتي فهي أقسى من دوي المدفع وألعن من

معصية وأحقر من المال وأكثر عواء من عاصفة وأبرد من خسارة .

حياتي تمضي أينما حلت في خريف من الفقر والاستعباد . دعني أسير في طرقات

غجرية لتتكدس الثمارُ والغيوم فوق رأسي . دع حياتي أيها الصديق التعيس ، فقد

متَّ مثلي وقد خيم علينا السديم .

بعد الآن لا أسمي الذهب قمحاً

ولا العواء انشاداً

ولا الحب سماءً

ولا الضرع نبعاً

ولا النار طريقاً

ولا{الناصرية} رحماً

ولا الثور إلهاً

ولا العشب قلادة

ولا انخيدوانا شفيعة

آه يا انخيدوانا . لقد ذبحت حياتي ورأيت دمها يسيل فوق السفوح حيث يتوارى

هناك القمر الجريح خلف الجبال المقصوفة .

بلا رماد لا توجد نوارس

بلا مناديل لا يوجد وداع

بلا حدائق لا توجد أسلحة

بلا أكفان لا يوجد جنود.

العام الماضي ذهبت الى قبر صديق في {راوندوز}

ماذا وجدتُ فوق سفحه ؟ وجدت الرمادَ يتشظى ، وجماعات جماعات يسير

الدود متخماً . أواه أيها العزيز . لأجلك أشعلتُ قمحي وأيقظتُ الخنازير النائمة

في مستنقعات ليلي . والآن – لا شاطئ لآلامي في انطفاء سطوعك القوي .

أشجار الفضة

ورياضياتُ الشمس المعلقة فوق السطوح

ومرايا زند الصباح

كلها تنطفئ أمام عيني .

هل كان موتك دولاب حياتي؟

لا رفيقَ لي سوى عواء متقطع يلتصق بي منذ ليلة 13 / 5 / 1986

ليلة الهجوم الايراني على جبل { كرده مند} .

ليكن للميت ريش أيام ظالمة . ليكن لقبره عطر من الأمواج والأبواق الشجية .

هذه الأرض الأسيرة والجريحة التي أكلت نهاراتنا . تترقب يأسك ونشيجك

الذي يعري ليل العشب . حياتي الثكلى تربي ثآليلها في ليل العدم .

الفتى الذي يبحث عن النساء

الشاب الذي يبحث عن الذهب

الكهل الذي يبحث عن التقوى

كلهم حزانى من أجل قبر في {راوندوز}.

هذه الدموع التي تنهمر الآن ، هي ذكريات سهادات عشناها معا .

المنفى واللامنفى

شعلتان تستعران

والشاعرُ بستان مليء بأشجار محملة بالأصفاد . هل يهتك الشاعر الأسرار ؟

هل تروض كلماته الجريمة ؟ رماد على قبعات الورد . عينا غراب ، آلام أكثر

رطوبة من النار . جنود يجرجرونَ مدافعهم في السماء ، وأنت وحدك تتقدم في

عظمة ترملك صوب نخلة بآلاف الأذرع . الشعر والناصرية . تنام بينهما الأمواجُ

وطيور الدراج ، وتزحف الأقاليم على الأقاليم . عريان . ربيعك مثمر بالحب وشموس

حواجب ورعد وشموع عليلة. هل الموت يعاش؟ هل يمنحني بريق المجد السلطان

على الألم؟ من أنا ؟ ما اسمي؟ لا اسم لي . لا صورة فوتوغرافية . لا بيت . لا سماء

أصعد اليها ولم أسترح في ظهيرة تحت ظلال جنائن بابل ولم أحلم أن أكون

في يوم ما جنرالاً في جيش الملك سنحاريب ، ولم أصعد حصاناً وأسير فوق

جثث القتلى ولم أرتكب حماقات . أشياء كهذه لا تبهرني {حياتي محطمة ولا

أمل لي بمستقبل أفضل}. طالما فكرت في الماضي . في حروب طويلة وشعوب

منكوبة تعبرالجبال في هجرات كبرى . في قبائل مبادة عظامها مرفوعة في

الصحراء . في ذبح الانسان لأخيه الانسان . {لأن المجد ليس بدائم ولا التاج}.

حاملاً نعشي أعود من طروادة مدمى. تطن في أذني جحيماتُ مدافع وراجمات .

أبحث عن أصدقائي تحت أنقاض بيوت مهدمة . مستشفيات. شوارع مقصوفة .

هذه الأغصان اليابسة أظنها عظامهم أحرقتها قذائف. هذه الحشرجات أظنها

احتضاراتهم . لتذهب جميع النساء الى الجحيم . لا أحلامَ عندي الليلة. لا سهرات

لا لطافات . ميتة ، ميتة ذات كابوس طويلة منذ عام 1980 ، حيث رائحة البارود

في الشفاه والمال والطعام والمصافحة . الطعنات السرية والميتات السرية والخوف

من الخوف والتنكيلات والاستلابات والتوابيت .

هنا في هذا الرأس . جميع الأفكار لها سواد الزفت . هنا النهيقُ الذي يخدش الاذن .

هنا كل شيء يعوي في هذا الرأس ودهاليزه المتفحمة . كل كلام لا معنى له حين

تحتجب الشمس . شمس حياتنا . كل كلام لا معنى له حين تبتسم في وجه القاتل

وتحدق في وجه القتيل قائلا : {أن الحياة جميلة كشمس من الزفت} . كل كلام

لا معنى له حين تتنزه السياطُ في جسد الشاعر ، وحين نذهب الى حرب ونأكل

بلا شهية . لا أحب اللص الذي يسرق المياه من بيت الشمس . لا أحب الجنرال .

لا أحب الأسلحة الخضر . لا أحب القاتل في الصيف . لا أحب الليل في الوادي .

لا أحب الكاهن في البيت . لا أحب الدبابات في الحديقة . لا أحب الجنرالات في

المدينة . لا أحب أوامرهم . لا أحب خرائطهم . لا أحب مدافعهم . لا أحب معاطفهم.

لا أحب أنوفهم المعمارية . لا أحب أي شيء سوى موتي الذي أحيا فيه وجهشات

النساء الأرامل التي تصدح حولي كجناح نعامة يشق طريقه في الظلام . كل جنرال

مع قتلاه ونياشينه التي تلمع مثل العار. كل منفي مع حنينه ومستقبله . كل مجد يزول

ويأخذ لون الرماد شأن الأكاذيب . لا مكان آخر سوى الصمت والمضي برأس غجري

في الريح يتأرجح كشمعة . تحت أشجارالربيع التي يهزها نسيم البحر والحرية .

يزرع الشاعر الغجري فجراً كوكبياً ، والفضاء يشع عذوبة. المال والنساء والأطفال

الذين يتزحلقون على مرايا كبيرة . يرحبون بي أنا القادم :{مساء الخير أيها الغجري

الملعون . ستعود الى وطنك على غيمة}. سأهتف متذكراً ميتاتي بين عرائن الجبال وفي

الدروب المليئة بالذئاب:{ اشرقي. اشرقي يا شمس على جنازي . قشعريرات القتل ولت

وولت حقارات حياتي }. ما سبب حزن الغجري؟ ما سبب انطفاء الشعلة؟

هذه الزهور والينابيع التي تجف في يدي الآن . تحجبني عن هواء العالم . هذه الكتبُ

التي لوثت حياتي سأحرقها كلها. الجنود الذين ماتوا في الهجوم الماضي . الجنود

الذين سيموتون في الهجوم القادم. لم يأكلوا شيئا ولم يكتبوا رسائل الى أمهاتهم .

لديهم ما يكفيهم . عندهم الندم والحسرات والوصايا التي لم تكتمل ، والمراثي التي

ستكتب باجلال فخم والأضرحة التي شيدت بأبهة والشموع والزهور والاحتفالات

التذكارية. عندهم الأرائك والأنهار والنساء الفردوسيات وأشجار المدفعية التي ذللت

تذليلاً . عار يلطخكم لعناتكم لي ، أيها الأوغاد السفلة . هذه الأقنعة . أقنعتكم سوف

تفضح عفوناتكم . ستكون هوامشي وعواءات حياتي . أغنيات في الحدائق المستقبلية .

انخيدوانا

انخيدوانا

سأبقى عائشاً في صعلكاتي حتى أشهد تفسخاتك .

هذه الجروح الساهرة لن تنام .

فوق أشجارك العاطلة

تذرق الغربان .



20 / 1 / 1993

بغداد



يتبع :




... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-24-2005 01:59 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
oskar غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 183
الإنتساب : Jun 2002
مشاركات : #10
سيرة ذاتية



بعد طرد القوات الايرانية من قاطعي {حاج عمران} و {سيده كان} في الشهور الماضية وتكبدنا خسائر كبيرة جدا في الأرواح والمعدات . تم اعفاء الفريق الركن طالع الدوري عضو المكتب العسكري لحزب البعث من قيادة الفيلق الخامس بسبب الأخطاء الكثيرة التي قام بها وتكليفه بقيادة الفيلق الثالث، ومعروف عن هذا الفريق الركن كثرة لا مبالاته بأرواح الجنود والضباط ولقد تم توبيخه وطرده من قيادة الفرقة المدرعة التاسعة عام 1983 بعد أن دمرتها القوات الايرانية بقاطع {ديزفول} وألحقت بها خسائرمهمة بالأرواح والمعدات . وحين أعيد بناء هذه الفرقة المدرعة بعد ذلك . اسندت قيادتها الى العقيد الركن عبد الجليل عضو المكتب العسكري أيضاً. بعد أن تمت ترقيته الى رتبة لواء . وبما أن هذا القائد كان لا يمتلك خبرة كافية في قتال القطعات المدرعة . بسبب تواجده الدائم في المكتب العسكري واشرافه على احدى اللجان الحزبية المكلفة بمتابعة المعلومات عن كل ضباط الجيش العراقي في هذا المكتب الذي يرأس أمانة سره صدام حسين . فقد تم تدميرالفرقة المدرعة التاسعة مرة أخرى في أول معركة خاضتها مع القوات الايرانية في قاطع { كيلان غرب} . وقام صدام حسين بعد ذلك بتوجيه اللوم والاهانات القاسية الى هذا القائد وطرده من عضوية المكتب العسكري واحالته على التقاعد برتبة عقيد . ومن ثم أعيد بناؤها مرة ثانية وتم تكليف المقدم كامل عضو المكتب العسكري أيضا بعد ترقيته الى رتبة عميد بقيادتها . لكنها تم تدميرها أيضا في أول معركة خاضتها مع القوات الايرانية بعد بنائها بقاطع {سومار} في الفيلق الثاني بسبب عدم خبرة قائدها في الحرب . وتم أيضا طرد هذا القائد من عضوية المكتب العسكري واحالته على التقاعد برتبة مقدم . كانت خطط القيادات العسكرية في الفيلق الخامس التي يشرف عليها الفريق الركن طالع الدوري . ترفع مباشرة الى القيادة العامة للقوات المسلحة ببغداد للموافقة عليها ، وكانت الأوامر العسكرية الدونكيشوتية الصارمة التي تأتي الى هذه القيادات من قبل صدام حسين . تلح في كل مرة على أن يوضع لواء مشاة أو أكثر وأفواج من الجيش الشعبي وسرايا مرتبة فوق كل جبل بقاطعي {حاج عمران} و{سيده كان} حتى لو لم يكن هناك أي هجوم ، لكي لا تتمكن القوات الايرانية من احتلال أي جبل مرة أخرى . وهنا كانت أغلب ألوية المشاة العراقية في هذين القاطعين تتكبد الخسائر اليومية الجسيمة فوق الجبال بفعل القصف المدفعي الذي لا ينقطع . ومن المعلوم أن السياقات والنظريات العسكرية التي كان قائد القوات المسلحة العراقية {المهيب الركن } صدام حسين لا يفهمها أبداً - على الرغم من الدجل والتطبيل الذي لا ينقطع عن عبقريته العسكرية الستراتيجية وحنكته المزعومة - تؤكد دائما على أنه عند حصول معارك جبلية كهذه واحتلال الأهداف . يجب أن توضع مدافع عيار 106 ملم بعجلاتها المتحركة فوق الجبال وتباشر قصفها ضد القوات الايرانية . بالإضافة الى الأسلحة الأخرى التي تباشر الرمي والقصف من المواقع الخلفية والمتقدمة . دبابات . رباعيات. مدفعية 120 ملم . مدفعية 82 ملم . مدافع ثقيلة عيار150 ملم . لكن بدلاً من تطبيق النظريات والعلوم العسكرية التي كانت تدرس في { جامعة البكر العسكرية} و{ الكلية العسكرية العراقية} فقد كانت أوامر وبرقيات صدام حسين الفورية تؤدي إلى أن نكون نحن الجنود طعماً سائغاً لقذائف وصواريخ مدافع ودبابات وطائرات القوات الايرانية التي كانت تحصدنا ليلاً ونهاراً من دون هوادة فوق كل جبال قاطعي {حاج عمران} و { سيده كان} . وكان المشهد المؤلم في كل مرة . يتم على هذا النحو . يتم تكليف لواء المشاة 604 بالصعود الى جبل {كرده مند } ومسك المواضع الدفاعية. وحين تقوم المدفعية الإيرانية بعمليات {التربيع} ضد مواضع هذا اللواء وتباشربقصف كل متر من الأرض ب4 قذائف ثقيلة . تتشظى كل قذيفة لمسافة 500 متر. تكون النتيجة بعد اسبوع على أقل تقدير. هي تدميراللواء 604 بالكامل والحاق الخسائر الكبيرة في الأرواح والمعدات. لتأتي أوامرصدام حسين مرة أخرى بتبديل اللواء المدمر وتكليف لواء المشاة 97 بالصعود الى الجبل بديلا عنه . وهذا اللواء يتم تدميره أيضا بنفس الطريقة السابقة التي دمر فيها اللواء 604 . ومرة ثالثة يكلف لواء المشاة 98 بالصعود ومسك المواضع الدفاعية المهدمة بديلاً عن اللواء 97 ، ليتم بعد ذلك تدميره وقتل مراتبه وضباطه وهلم جرا . ولك أن تقيس على هذه الشاكلة . كم لواء تم تدميره في قاطع {حاج عمران} وقاطع{سيده كان} بسبب هذه الأوامر القاصرة والبعيدة عن العلم العسكري وتطبيقاته الأخرى التي كان صدام يلزم فيها جنرالاته المستعدين دائما لتنفيذ أوامره ؟. التحقت الى وحدتي بعد نهاية اجازتي القصيرة خائباً ومحطم الآمال. لكن كان هناك ثمة ما يشيع الدفء والأمل في نفسي بعد أن دفعت الى الشاعر زاهر الجيزاني المحرر في مجلة الطليعة الأدبية 12 قصيدة من أجل النشر. وعدني زاهر بنشر قصائدي هذه المرة وكنت متأكدا من صدق وعده . كانت سياقات التدريب العنيفة في فوجنا. تمنح الجنود شعوراً بانهم مثل الخراف التي يراد تسمينها من أجل الذبح . فالجندي هنا يجب أن يكون مدرباً تدريباً عالياً ويتمتع بلياقة بدنية وقتالية كبيرة . حتى يكون قادراً على خوض المعارك الجبلية الصعبة وبقية الواجبات الأخرى. وبما أن الكثير من الجنود الذين تم تنسيبهم الى وحدتي الآن من المواليد التي التحقت بالخدمة العسكرية حديثاً وبحاجة الى تدريبات ومهمات عنيفة . فقد كانت أيامنا شاقة حد اللعنة . وكانت برقيات استخبارات الفيلق المنشغلة بالاستعدادات الضخمة لصد ودحر الهجوم الايراني الوشيك على مواضع وحداتنا والتي كانت ترسل الى الفرق والألوية والأفواج . تبدل أوامرها باستمرارحسب السياقات التدريبية والأمنية المعهودة عندها . وهذه السياقات التي كنا نعرفها نحن الجنود القدماء . بدت غريبة على هؤلاء الذين باشروا الخدمة حديثاً . ومن ضمن هذه السياقات الداخلة في الانذار {ج} . هو سياق {اليقظة والحذر الشديد} ويقضي بأن يكون الجندي على أهبة الاستعداد دائما لأي هجوم أو تعرض تقوم به الوحدات الايرانية على مواضع قواتنا فوق الجبال . ولكي تترسخ مضامين وأوامر برقيات الاستخبارات في أذهان هؤلاء الجنود الجدد ، فإن الاستخبارات كانت تلجأ وضمن عملياتها النفسية الى أنواع من الحيل التعبوية والتدريبية و التي سرعان ما تنكشف لهؤلاء فيما بعد . ومن ضمن هذه البرقيات ،هي البرقية التي ترسل بين آونة واخرى وتشدد على أن {البيشمركة} أو {الأنصار} سيقومون بهجوم على الربيئة الفلانية أو على الموضع الفلاني . وبالتالي فيجب أخذ الحيطة والحذر في التصدي لهجومهم . وكنا نحن الجنود القدامى نعرف أن {البيشمركة} أو {الأنصار} اذا أرادوا الهجوم على موضع ما فإنهم لا يسمحون للاستخبارات بأن تعلم خططهم وتوقيت هجومهم أبداً. والسياق السوريالي النفسي الثاني الذي يجب أن يترسخ في ذهن الجندي الجديد في الأسابيع الأولى من خدمته في القواطع الجبلية ، لكي يبقى متيقظاً باستمرار لكل نأمة . هو أخذ الحيطة والحذر من حيوان الدب . مع أنني لم أشاهد في يوم ما بجبال العراق دباً واحداً . والمسألة تكون على النحو التالي . عند الانتقال الى مقر جديد أو في الليالي المظلمة تماما . يبلغ الجنود أن الدببة ستظهر بعد الساعة الواحدة ليلاً وتقوم بمهاجمة الجنود الذين يهملون واجبات الحراسة والرصد . وتطلب منهم برقية الاستخبارات أن لا يستسلموا للنوم أو التراخي أو الجلوس في نقاط الحراسة . لأن ذلك من الممكن أن يجعلهم يتعرضون للقتل من قبل هذه الحيوانات الشرسة . وكانت اللعبة كثيراً ما تنطلي على بعض الجنود الذين يشعرون بالخوف الشديد . فيبقون في نقاط الحراسة على أتم الاستعداد لكل طارئ . ومرة في سياق تدريبي طلب آمر فوجنا الجديد الرائد علي حسين . من رأس عرفاء الوحدة نائب الضابط زينل بعد الساعة الواحدة والنصف ليلاً . أن يقوم هو وآمر دورية الحراسة بجولة حول المقر للتأكد من جدية الحراسات في الوحدة . وطلب منهما أن لا يوقظا أي جندي إذا وجداه نائما . وعادة ما كانت الدورية تأتي بصورة غير مكشوفة الى النقطة المراد تفتيشها للتعرف على مدى يقظة الحارس . عاد زينل وآمر الدورية من جولتهما وأخبرا آمر الفوج بأن الجندي الجديد منشد كان نائماً في نقطة الحراسة فتركاه و لم يوقظاه . اقترح آمر الفوج أن يرتدي جندي الانضباط الخفرغازي { فروتين من فراء القماصل العسكرية } ويجعل من نفسه دباً ويذهب الى نقطة الحراسة التي يتواجد فيها منشد ، ويرمي عليه من أجل ايقاظه واخافته عدة أحجار مع اطلاق أصوات حيوانية ثم يهرب . ما أن تم اطلاق أول دفعة من الأحجار على منشد وسمع صوت الدب الذي بدأ يقترب منه . حتى ارتعدت فرائصه و بادر باطلاق صلية من رصاص بندقيته وأردى الدب قتيلا . أودعوا المسكين منشد السجن وتمت كتابة محضر تحقيق في الحادثة . تولى مكتب استخبارات فوجنا ارساله الى مكتب استخبارات اللواء وقام اللواء بارساله الى استخبارات الفرقة التي أرسلته الى استخبارات الفيلق . بعد أيام وأثناء هجوم القوات الايرانية على قاطع {جاج عمران}. سقطت قذيفة معادية على بناية سجن الفوج الواقعة بمنطقة {قصري} وقتلت منشد السجين الوحيد هناك ، وبعد شهر من مقتله أرسلت استخبارات الفيلق برقية فورية تؤكد على اطلاق سراح الجندي السجين منشد فوراً بأمرمن قائد الفيلق الفريق ضياء الدين ومنحه 10 أيام اجازة ومبلغ 50 دينارا تصرف من نثرية مكتب التوجيه السياسي في فوجكم وذلك ليقظته وشجاعته العالية . كما اعتبرت الجندي غازي الذي قتله منشد خطأ شهيداً تصرف له كافة الحقوق التي نص عليها القانون.



يتبع :




... احتضن الوعي حبّاً فهام القلب وَجداً
و صبا العقل مجداً
... فلا القلب ارتوى و لا العقل اكتفى
بل ناشدا الفن مذهباً و الجمال عقيدة
02-27-2005 02:23 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  سيرة الحب السيد مهدي 2 591 02-17-2013 10:29 PM
آخر رد: السيد مهدي
  سيرة أبي نواس بين عبث الرواة ومكائد الورّاقين يجعله عامر 2 1,018 07-02-2008 09:46 PM
آخر رد: مظفر
  عالية في سيرة عن أنثى جديدة سيناتور 0 638 06-11-2007 04:52 PM
آخر رد: سيناتور
  سيرة ذاتة لكاتم صوت محارب النور 1 773 04-27-2007 05:39 AM
آخر رد: السيّاب
  الوليد بن يزيد , سيرة خليفة متهتك eyad 65 2 755 04-21-2006 07:43 PM
آخر رد: مونيكا

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف