نادي الفكر العربي

نسخة كاملة : من دفتر يومياتي
أنت حالياً تتصفح نسخة خفيفة من المنتدى . مشاهدة نسخة كاملة مع جميع الأشكال الجمالية .
الصفحات : 1 2 3
قررت ان اكتب الان قبل ان تتلاشى قواي تماما واسقط صريعا في غيابة بئر عميقة لا قرار لها.

يوم مرير آخر مر علي في غياهب المدرسة، لكم اكره ذلك المكان القاتم السواد

ذلك الجب المغلق، تلك الزنزادة المنفردة، محكمة الاغلاق. الحصة الاخيرة كانت بائسة الى ابعد الحدود. اثناءها شعرت بدوخة.. لا ارى احدا من الاولاد. لا اميز بين هيئاتهم. نسيت اسماءهم. انمحت ذاكرتي تماما. اضحت الوجوه الصغيرة والخبيثة سيان. كان المشترك بينها النيل مني وانتهاك سلطتي المتهاوية.. انتظر قرع الجرس. اتنفس بعمق ، اشعر بالقرف من هذه المهنة. التي ما وجدت الى لتحقير صاحبها في اعين الشياطين الصغار، اولئك المتامرين على مدرس غلبان مهدود الحال، يرقص على الحلبة كطائر ذبيح. هل سيقرع جرس النهاية قبل ان اخوض اي عراك او مواجهة مع احدهم او احداهن اه... ان كيدهن عظيم!!.

لا بد من المواجهة.مع الطلاب والصراخ والغضب والتهديد والوعيد وفي النهاية.. كظم الغيظ.. اي ابتلاع المهانة والسكوت، سكوتي انا، انا المعلم طبعا .. على اثر المواجهات المدمية لروحي اولا اشعر بالحنق والحزن والوجع اللذيذ .. التماهي والانصهار مع الشقاء الابدي، الذي لا خلاص منه. انهار تماما تتضاءل معالم الاشياء في عيني. لا ارى شيئا انوء تحت حمل ثقيل. الى متى سأرزح تحت هذا العذاب، ذاك التراجع القهقري، الموت البطيء. ان اكون مدرسا للصبيان؟.

قرع الجرس. انطلق الطلاب الى امكنتهم. لملمت حطام كرامتي التي مرغت في الوحل منذ ان وطأت قدماي المدرسة قبل عقد من الزمان. كان يوم اسودا.

دخلت الى داري. نفضت غبار التعب والارهاق عن وجهي وملابسي، اكلت طعام الغداء. واستسلمت لحمام دافىء لعله يغسل عني وجع الروح والامها اللا متناهية..

فحصت بريدي الالكتروني لا جديد سوى رسالة مقتضبة من المحاضرة المشرفة على رسالة الماجستير. علي الاسراع في الكتابة....

ابحث عن الراحة. او القليل منها. القيت بنفسي على السرير. نمت اكثر من ساعة. اين انا؟ سالت نفسي بعد ان نهضت من الفراش، اثناء النوم، ابتعدت كثيرا عن الكوكب الارضي. اه انه الارهاق والتعب النفسي... يمزقان نفسي.. لجات الى جهاز الحاسوب .. باحثا عن الاخبار في الشبكة الدولية. لا جديد. تكرار لمقولات تافهة واخبار عادية نتناولها مع فنجان القهوة كل صباح وكل مساء. قتيل في حادث طرق، صاروخ غراد يسقط في بحر غزة. فيديو "كلب" جديد يكسر السوق ويجنن الصبايا والشباب.

بعد الغروب خرجت من الدار لاتمشى واروح عن نفسي او كما يقال... تجولت في الحواري المقفرة. والازقة المظلمة. استمرت جولتي الليلية اكثر من ساعة. مزيد من التجهم والياس والقنوط. اطفال حفاة يمشون فوق عري الاسفلت البارد ليلا. يصرخون، يتشاتمون ويسبون اعراض اخوات بعضهم البعض، انزوى احدهم يقضي حاجته بمحاذاة الشارع وسط صخب رفاقه. بعض الدكاكين ما زالت مفتوحة الابواب. الصبية يتكاثرون في الشارع. ينادون علي، يرمونني بوابل من الشتائم اتجاهلهم وامشي مطاطا الراس. اتامل معالم البلدة الصغيرة. التي بدات تتوارى وراء ستار كثيف من الظلام. مزيد من الشتائم، ازداد عيار قبحها هذه المرة. اعود ادراجي. اجلس قبالة داري ادخن سيجارة .انظر الى بيت الجيران، تظهر سلمى بنت الجيران على الشباك، مفاتنها ظاهرة للعيان في الغرفة المنارة. مشهد جدير بالاهتمام. اقبع مكاني ولا ابدي حراكا.
ثمة عودة لكتابة هذه اليوميات, بعد الانقطاع الذي لا اعلم له سببا, ثمة عودة عبثية كسولة .. اثناء الغياب فكرت كثيرا في لغتي واسلوب الكتابة الذي انحو, كثيرا ما اتهمني البعض بالمبالغة في استعمال المحسنات البيانية, من تشبيهات واستعارات, وخاصة السجع, وكانني بصدد كتابة مقامة تشبه مقامات بديع الزمان الهمذاني, عندما كتبت بعض القصص القصيرة نصحني البعض بالابتعاد عن اللغة العربية الكلاسيكية, والكتابة بلغة مبسطة. بشكل عام اعتقد ان منتقدي قد اصابوا في نقدهم فانا اكثر من استعمال لغة مزخرفة تحفل بالمحسنات البلاغية والسجع, اعتقد ان كتابتي تضج برطانة بلاغية زائدة عن الحد. ان هذه الرطانة لهي ميزة لكثير من الكتاب العرب (وانا هنا لا ازعم انني بمحاولتي البسيطة والساذجة في بعض الاحيان استحق لقب "كاتب") كثيرا ما نقرا مقالات نقدية او مقالات صحافية تحتفل بالبلاغة ولا نكاد حتى نفهم معنى الكثير من المفردات, مثلا هل تذكرون مقالات الكاتب وضاح شرارة, ان بلاغته سرعان ما تتحول الى انتي بلاغة. يدعي البعض ان الرطانة وزيادة عيار البلاغة تضعف النص وتاتي على حساب المحتوى او التنظير, هل البلاغة نوع من التنظير؟
هل كل كتابة تحتفل بالبلاغة هي كتابة ضحلة ولا تفي بالمطلوب؟ ليس دائما!! هل الكتابة البسيطة والمباشرة دائما ناجحة ومعبرة؟ ليس دائما, هذه تساؤلات اطرحها على نفسي في سبيل انتقاد لغتي التي لا تعجبني البتة, اسال نفسي كثيرا لماذا استعمل البلاغة رغم ان اكثر قراءاتي تصب في مجال الرواية والشعر العربي الحديث, اذا ما قارنا بين قراءاتي الكلاسيكية مع قراءاتي الحديثة فسيكون هنالك انتصارا ساحقا للادب الجديد من قصة ومسرح ورواية وشعر. اذا اين الخلل؟
قرات مؤلفات المغربي الراحل محمد شكري اكثر مرة لكي اتاثر من لغته البسيطة والمعبرة والتي عكست نبض الشارع المغاربي في فترة زمنية مصيرية من تاريخ المغرب الحديث تحت الاستعمار الفرنسي. على ذكر القراءة في هذه الايام اقرا الملهاة الفلسطينية للمبدع ابراهيم نصر الله, مجموعة روايات تستحق الحياة.
نمت اليوم حتى التاسعة..بعد اليقظة شعرت بدوار حتى الظهر, كان ذلك بسبب النوم الغزير اذا ما جاز التعبير. قرات صفحتين بالانجليزية في احد المقالات النقدية. كان المقال صعبا. عند الظهيرة عاودت النوم من جديد. لم اجد بدا من ذلك في ايام الجدب هذه, لا قراءة جدية ولا تقدم في الكتابة. ثمة شعور بالاحباط. حالة الاحباط انعكست علي تصرفاتي مع محيطي اصبحت نزقا وعصبيا لا اطاق. نمت حتى الثالثة . فجاة دخل علي وليد الصغيرغرفة المكتبة حيث كنت اقبع نائما وخاطبني اثناء نومي ان اخوه ورد قد استيقظ غضبت وزمجرت. اهذا خبر يا وليد اتيقظني من نومي بسبب تافه كهذا, ولى وليد هاربا اما انا فعرفت ان سبيل النوم قد انقطع. تقلبت على الفراش يمينا و يسارا , تباطات في الذهاب الى الحمام. ولجت باب الوادي المقدس. واغتسلت بماء بارد. اعدت لي زوجي كاسا من القهوة العربية. شربته على مهل. اخذت زينتي, بعد ان حلقت وتعطرت. مستعدا للاشتراك في عرس صديقي وطن, لقد بلغ من العمر عتيا ولم يتزوج الرجل حسب مفاهيم القرية, اقترب من السنة التاسعة والعشرين, تزوج اخيرا, كنت فرحانا وطربا اكثر من يوم زفافي. فوطن اقرب شخص لي على الاطلاق. نروح ونغدو معا نجلس في المقاهي ونسافر الى الجامعة, ونتبادل الحديث والشجون والهموم. اثناء حفل العشاء في بيت اهل العريس والذي خصص للرجال فقط (النساء يجلسن في مكان خاص بهن وياكلن ايضا مثل الرجال) كان وطن هادئا كعادته, يجوب المكان بخطوات واثقة. يسلم على هذا ويرحب بذاك, تناولت طعام العشاء. ارز ولحم عجل. كان الطعام شهيا. بعد ان اكلت قليلا من الارز, فانا رياضي احافظ على قوامي, توجهت الى البيت وارتديت ملابسي الرياضية وركضت حوالي نصف ساعة ثم قمت بتمارين الليونة لقدمي وعدت الى الدار. لاختم بحمام دافىء اعقبته بكاس من الشاي مع قليل من السكر. قررت ان اكتب القليل في رسالة الماجستير بعد ان انهي كتابة هذه اليوميات ..الان سافعل
تحياتي
لم امارس الرياضة. كتبت صفحة كاملة في رسالة الماجستير, عند المساء قضيت بعض الوقت مع الزوجة والاولاد, قرات حوالي عشرين صفحة في رواية ابراهيم نصر الله "زيتون الشوارع" ليتني املك مزيدا من الوقت لاقرا الكتاب دفعة واحدة لا شك ان نصر الله لم ياخذ حقه من البحث والنقد. السبب انه لم يتحول الى سوبر ستار في عالم الادب والصحافة. لكنه شخص مبدع وكتاباته ذات مستوى دلالي عال يسرد من خلاله جزءا من التاريخ الفلسطيني في قالب روائي مدهش تمتزج فيه عوالم عدة من التراث العربي الى تقنيات السرد الحديثة, والفن السينمائي. بحق السماء ابراهيم نصر جدير بالاحتفاء والقراءة.الان دهمني الليل اذ انتصف قبل قليل علي ان انام مبكرا لاستيقظ مبكرا الم تسمعوا قول العرب نام بكير بتصح بكير انا لا اؤمن بهذه الحكمة انا انام متاخر واصحو متاخرا ولله في خلقه شؤون.

قضية الكتابة تعود وتطرق الوجدان من جديد , الى اين المسير من حيث الكتابة, متى ساكتب قصة قصيرة او مقالا جيدا, هل امتلك ادوات تمكنني من ذلك اعتقد ان الاجابة سلبية في هذه المرحلة علي التحسن, علي القراءة اكثر, والتجريب , والسير ورواء حكمة "اكتب ومزق ما تكتبه" حتى تتضح معالم الطريق وتتعرى الاشياء واسلك طريقي الادبي واجرد ادواتي الكتابية لاخطو في طريق الابداع والفن, هل سيحدث هذا ام ساظل اكرر الكليشهات الى ما لا نهاية
اليوم صباحا تلقيت تاكيدا لامر اعاد الي شيئا من وهج الحياة والقها واعاد الروح الى التالق من جديد. بعد اسابيع سابدا التدريس في احدى الكليات, سامرر دورة او اكثر في موضوع الادب العربي والفكر العربي الحديث. اذا انفرج حيز صغير من الصخرة التي تطبق على باب الغار الذي اقبع فيه منذ ميلادي. عدا عن ذلك سافرت الى المستشفى.. احدى اخواتي انجبت بنتا صغير ورقيقة, مكثت بجوارها بعض الوقت واتجهت الى الجامعة وتناولت قهوتي برفقة احد الاصدقاء, عندما حل المساء تابطت قنينة الماء والمنشفة ويممت وجهي شطر الملعب الذي يقبع في ظلام دامس في الطرف الشرقي من القرية. بعد الركض وتصبب العرق من جسدي الفتي (احمد الله ..لا حسد) قمت ببعض تمارين الليونة وعدت الى الدار, قبل ساعة كتبت صفحة اخرى من رسالة الماجستير, اقتربت من النهاية سانهي الامر قبل بداية رمضان.
الان وبعد ان انتصف الليل وسكنت الكائنات وخلد جميع ابناء الدار الى النوم اجلس قبالة رفيقي الابدي ..حاسوبي , اكتب هذه اليوميات واستمع الى سيدة الغناء في الزمان كله ينبعث صوتها من احدى الاذاعات التي تبث على شبكة النت, ينساب الغناء جميلا مرطبا لجو ليل هذا الصيف الحار.

انه حلم ليلة صيف, ان انتقل الى مصير اخر اكثر بهاء, الابتعاد عن الشقاء الذي يحيق بهذا العالم هو ما اصبو اليه, لا ارغب في ان اصبح غنيا مترفا, ولكن القليل القليل من الصفاء, الهدوء, والعذوبة, زهور وشموع (اريد) كما تردد ام كلثوم

الان, صديقي وطن تزوج ورحل عن دنيا الثقافة ولو الى حين, لا ادري الى اين ستاخذه الدنيا والعروس . هل سيدخل دنيا ويزهد في جلساتنا ونقاشاتنا الصاخبة, ام انها سحابة صيف وستعود الامور الى نصابه, ستخبرنا الايام عما كنا به جاهلين , اه عدنا الى الرطانة الزائدة,عن حدها اريد طرح الكثير من المواضيع التي تشغلني. كيف انظم وقتي كيف افطم نفسي من النت والصحافة وقراءة الروايات واركز على البحث الذي اكتب. علي ان اركز هذه كلمة السر, اتذكر الان رائعة المرحوم الكاتب حسين البرغوثي الضوء الازرق (كانت هناك في الكتاب جملة "ركز معي" كررها بري احدى شخصيات القصة وهو صوفي تركي للراوي اكثر من مرة) "الضوء الزرق" يا له من كتاب.. انه عبارة عن سيرة ذاتية للكاتب سيرة مخطوطة بفنية عالية.. اه حسين البرغوثي معلم جيل كامل.. منظر رائع, كاتب متالق ,وشاعر خرافي ..ماذا تبقى لنا كلهم رحلوا ونحن نتخبط في الظلام .. ظلام اني متعب لا اكاد ارى الحروف,, ظلام ظلام... انا مرهق ساغادر الى فراشي
كتبت نصف صفحة.. قرات خمسا وستين صفحة من رواية زيتون الشوارع لابراهيم نصر الله, انهيت قراءة الرواية. تمتعت كثيرا وحزنت اكثر اثناء القراءة, انها رواية ذات حس ملحمي, من النوع الذي يقرا دفعة واحدة, تبدو اكثر كفلم سينمائي. يشدك من اوله الى اخره, لله درك يا ابراهيم نصر الله.

في ساعات الصباح سافرت الى مدينة مجاورة حيث تسوقت والدتي واعدت العدة لرمضان. حيث جلبت كميات لا باس بها من المواد الغذائية, لكنها لم تشتري قمر الدين . مما اغضبني , فقمر الدين له نوستالجيا خاصة يذكرك برمضان الحقيقي في الماضي الجميل,اثناء تسوق والدتي في احد المجمعات قضيت بعض الوقت في احد المقاهي اذ احتسيت القهوة بالحليب وبرفقتي رواية نصر الله, قرات في المقهى ما يزيد عن عشرين من الصفحات, انجاز طيب. انا دائم الترحال ودائما اصطحب معي كتابا.. عند دخولي الى مقهى اجالس كتابي لبعض الوقت, ينظر الي رواد المقهى شزرا فانا غريب في الوسط الذي اعيش فيه من حيث المطالعة لم ار في حياتي شخصا يقرا في مقهى او باص او مكان عام (ما عدا الطلاب الذين يراجعون للامتحان والذين نادرا ما يقراون في الباص) في هذا الوسط يستغرب محيطي تابطي للكتب اينما رحت وغدوت, مع ان الكثير من اصدقائي معتادون على ذلك ويتندرون على حسابي عن علاقتي الحميمية مع الكتب, اصبحت مشهورا بصحبة الكتب.طبعا لقلة القراء في البلد وليس مديحا لحضرتي كقارىء خرافي.
بعد مغيب الشمس قررت ان امارس رياضتي اليومية مارست تمارين خفيفة من جري وتمطيط للارجل وشعرت بدوار غريب, وتعب والم في الراس, عدت الى البيت بعد جولة رياضية مسائية مختصرة. اردت ان اكتب شيئا لكنني تقاعست وجلست جاثما في المكتبة. لكنني قاومت نفسي وكتبت نصف صفحة. بعدها اتيت على ما تبقى من الرواية المذكورة.اعلاه.. اشعر الان بالراحة. كتبت وقرات ومارست شيئا من الرياضة, وكتبت ماتيسر من يوميات الان ساغوص بين ثنايا النوم متمنيا نوما هادئا خاليا من الكوابيس الفلسطينية اليومية !!هل يوجد فلسطيني واحد بدون كوابيس ليلية مرعبة , هل يوجد عربي يستطيع الى الحياة سبيلا بدون ضيوف كابوسية غليظة؟ اشك في ذلك,؟ ارجو ذلك على الاقل
ها هو يوم اخر قد افلت من بين يدي, بقيت ايام قليلة وتطوي عطلة الصيف صفحاتها, احاول ان اركز في هذه الايام في الكتابة, ولكن محصولي غير بعيد عن محاصيل فلاحي فلسطين في السنة الاخيرة, جدب ما بعده جدب. هل ضاعت العطلة الصيفية هباء منثورا؟.
اليوم رافقت زوجتي الى طبيبة الاسنان حيث نذهب الى هناك مرة كل اسبوعين, ثم تجولنا في بعض الحوانيت في احد المجمعات المرعبة العملاقة, كما دائما اجلت الكتابة الى ما بعد الظهر بعد القيلولة لكن الضوضاء التي احدثها الاولاد حالت دون ذلك, اخر مرة نجحت فيها باغماض عيني لمدة دقيقة دق وليد على الباب فصرخت عليه ان يحل عني ويذهب فذهب عني النوم الى غير رجعة اما وليد فانطلق يعدو الى الصالون لكي لا تلحقه تبعات الجريمة النكراء ايقاظي من النوم الذي لم اصل الى تخومه بل حمت حول قلاعه وتراجعت عنها متقهقرا الى الوراء على صدى نقرات وليد على الباب.

في ساعات الاصيل لم افعل شيئا سوى مشوار قصير لاسلم على صديقي المثقف اثناء مزاولته عمله كطبيب مداو للجراح في المركز الطبي في حارتنا التي ليس لها باب مثل تلك الحارة حارة معتز وابا عصام وتلك المراة التي تضرب زوجها بعصا المكنسة الطويلة (المقصود هو مسلسل باب الحارة الشهير والذي اصبح جزءا من طقوس رمضان في هذا الزمان). عندما جاء المساء يتمختر ببهاء وتكبر ناثرا نسماته الباردة على شعري الذي اخذ يتلاشى طرديا مع صعود احزاني وهمومي في فترة ما قبل العودة الى المدرسة وما تعد به من عذابات يومية مارست رياضة المشي لمدت ساعة طفت على غير هدى في شوارع القرية المقفرة والخالية الا من بعض الرواد الاراجيل والذين يتثاءبون على مقاعدهم المجاورة لرصيف الشارع وهم يطالعون القمر القادم من معابد الشرق القمر ذلك الرب الرخامي المعلق وهم يدخنون ويمتصون اوساخ الاراجيل ويمضغون القات هنيئا لهم ليتني استسيغ الاراجيل وادخنها حتى اتلاشى مع الدخان المتصاعد مع كل مصة من ذلك الانبوب العجائبي الذي ورثناه من مجاسل السلاطين وحكايات الف ليلة ولية التي لم تنته بعد عند اولئك الحالمين التائهين الذين يتثاءبون بمحاذاة الرصيف اما انا فاقبع في غرفتي واتامل الفراش الذي يناديني لارتمي بين احضانه لقد هدني التعب فاحلاما سعيدة يا سمير
كيف اتحول الى انسان اخر, انسا يستغل ساعات فراغه للكتابة الجادة والقراءة الموظفة في خدمة الهدف المقدس الذي وضعته نصب عيني (كتابة دراسة اكاديمية).
ان اصبح انسانا ينفض غبار الكسل والياس عن كاهله وينهض واقفا علي رجليه, متصديا لكل الصعوبات والهموم ونائبات الدهر التي تعصف بكيانه وكانه يتارجح تحت سياط ريح عاتية في هذا الصيف , امارس الرياضة بقوة لاقوي عزيمتي لانمي ذلك الشخص الذي يظهر احيانا ويطل براسه من داخلي ذلك المستاسد الذي يصول ويجول في تدريبات القتال بالايدي المجردة, يركض بجنون اثناء التمارين ويمارس الحركات بفنية عالية.
ذلك الاكاديمي الذي يناطح المجلدات ومن اجل الحصول ولو على اضافة بسيطة لدراسته .
ذلك الرجل الباحث عن مستقبل افضل لاولاده الصغار المحيطين به يضحكون ويعبثون بلحيته وشعره. لا يريد ان يتخيل ذلك المشهد ان يطلب احدهم ثوبا جديدا فيلتفت يمينا ويسارا ولا يجد شيئا يسد به رمق السؤال ( يا بابا بدي مصاري ؟ يا بابا بدي كندرة) هذا هو الموت الحقيقي اذا ما حدث.
لهذا احاول ان اطرد الشخص الاخر الذي يسكنني , اليائس الكسير, المتالم, الحزين, معوز الحال وقليل الحيلة او هكذا يخيل له, انا بين هذين الشخصين اتارجح على السلم !مرة ارقص طربا على انغام المساء عندما اركض في الملعب, اضج مرحا وحيوية ومرة اخرى ارفرف بجناحي كطائر حزين اضاع الطريق ولم يعد الى عشه وفارق صغاره الى الابد, اشعر احيانا انني مالك الحزين .
عندما اقرا او اكتب او امارس الرياضة اعبر عن فعل المقاومة في داخلي هذا هي نظريتي!, مقاومة السقوط المريع في غيابة الياس وجب الاحزان والاحلام الهاوية, اثأر من اثار الزمن ومن غدر الايام.

محاولاتي اليومية للكتابة والخروج من مازق الحياة ومن العدم .
الوجود في نظري يحتاج الى فعل المقاومة الذي ذكرت مقاومة هوى النفس مجاهدة النفس التغلب على الكسل, العبث. تضييع الوقت, الانكسار والتقهقر الى الوراء, احتاج الى نفس طويل الى جهد اكبر في الكتابة والرياضة اه اتوكا على الرياضة من اجل النهوض بالامل وتغذية الاحلام البعيدة السعيدة.. النجاح والتقدم في المجال الاكاديمي والتوغل اكثر في عالم الادب والحصول على نصيب اكبر في مجال الابداع .
غدا هو اول ايام شهر رمضان انا اصوم منذ الطفولة , كيف سيكون حال المطالعة والكتابة في هذا الشهر؟ ستخبرنا الايام القادمة عما نجهل في هذه اللحظات سارقد الان حتى يتناهي الى مسامعي صوت المسحراتي الافتراضي ..طبعا لم ار في حياتي مسحراتي عدا عن رؤياه في التلفاز.
ثمة بوادر انفراج تلوح في الافق, هل هي بركات رمضان؟
هل اثرت النفحات الايمانية على مزاجي وعدلته ولو بعض الشيء؟ اليوم وصلتني رسالة الكترونية من الجامعة تخبرني بموعد اجتماع هام للمحاضرين في تلك الكلية التي سادرس فيها, هكذا اذا ستتعدل الاحوال سافرح قليلا بهذا التقدم الذي حققت بكد وجهد وعرق ولكل مجتهد نصيب, هل ستحن علي الاقدار, وستهب علي بعض نسمات الامل الرقراقة وستعبث بخصلات شعري هبات مسائية باردة المسماة مجازا الامل ,ربما او هكذا تبدو الامور , ليتها تكون.

رمضان يلقي بظلاله على نفسي في اليومين السابقين, الصيام يمنعني من الحركة, شبه عجز تام, لا كتابة, ولا قراءة ولا اي امر اخر سوى الاستلقاء وانتظار سماع مدفع الافطار, هل ستستمر الاوضاع الى نهاية الشهر بهذا الشكل انه لامر عسير..
اليوم ومنذ الصباح شعرت بدوار غريب, ارهاق وتعب يرفدهما الجوع والعطش, احيانا اعزي النفس انني في سبيل القيام بتادية فرض ما. او احاول ان ازج بنفسي في جو روحاني واتخيل نفسي زاهدا متعبدا متقشفا احيانا اخر.
بعد تناول ما تيسر من الطعام والشراب عند الافطار قليل من الفرح يرفرف على القلب , احتسي ما لذ وطاب من المشروبات خاصة الشاي بالنعناع والقهوة المرة مصحوبة بحبات التمر الحلوة وكانها العجوة.
اقرأ في اطراف الليل قراءات متفرقة وغير محددة, انام قليلا حتى يدهمني رنين المنبه الصادر عن هاتفي النقال لابدا نهارا جديدا ينطلق من السحور حيث الجنبة والالبان وكؤوس من الشاي وحبات التمر رفيقة الدرب في هذا الشهر.
هكذا تمضي الامور ..هل سيكون شهر رمضان شهر بطالة بالنسبة لي ؟لا ادري ستجيب الايام القادمة عن هذا السؤال بقيت ثلاث ساعات على موعد السحور ..ساخذ سنة من النوم الان ولنرى ما تخبىء لنا الايام ..قليل من الامل في هذه الليلة لا يفسد للود قضية
اليوم نمت حتى الحادية عشرة صباحا, ليس لدي ما افعله بدون شاي او قهوة ...
رمضان يحكم سيطرنه على الاجواء. عندما انتصف النهار سافرت الى احدى المدن المجاورة وقصدت المكتبة العامة ففي بلدتي الناس لا يقراون ولا اعتقد ان ثمة مكتبة عامة ستفتح ابوابها فيها في الالفية الحالية. في بلادي الناس لا يقراون انهم جارحون كالصقور (رحمك الله يا صلاح عبد الصبور) هؤلاء الناس لا يطيقون الكتب ومن غير المستبعد ان يجرحوها باظافرهم او يحولها الى ملاذ امن لشطائر الفلافل والفول في احسن حال.

جلست في المكتبة نسيت نفسي تماما عندما هممت بقراءة رواية لكاتب ارجنيتني نسيت اسمه الان, نسيت جوع النهار وعطشه والصوم وبقيت حتى الثالثة غارقا بين صفحات الكتاب التي تنضح حكمة وفكاهة سوادء تشبه الحياة قرات ما يزيد عن ثلاثين صفحة. اعدت الكتاب على امل العودة للابحار بين ثناياه من جديد. واتجهت الى السوق لشراء بعض الخضروات التي اوصتني والدتي بجلبها,

عدت الى الدار قبل الرابعة بقليل , عاودني شوق عتيق للنوم فالقيت بنفسي على قارعة الفراش وغرقت في نوم ما بعد القيلولة ( على وزن مابعد الحداثة , وما بعد الاستعمار وما بعد الملوخية والمجدرة ووو) وكانت هنالك ثمة يقظة قبل تمام الخامسة, تجولت في الدار قليلا.. سمعت صراخ الاولاد اثناء اعداد وجبة الافطار, هدات من روعهم.. كانت النساء يتعثرن بالاولاد اثناء الهرج والمرج الذي ساد المكان... فاخذت دوري قابضا على معصم وليد المثير الاكبر للشغب في المملكة واجلسته بجانبي بالقرب من الحاسوب طلبت من ان يلعب فيما اخذت اراجع بعض الاوراق والمراجع حتى حان موعد اذان المغرب والانقضاض على المائدة العامرة بالسمك المقلي والغارق في الصلصة , والسلطات على انواعها والشوربة وغيرها من المقبلات هكذا حسم امر نهاري وتوارت احلامي في انقاذ ما تبقى من العطلة وراء صخب الجلسة العائلية التي اعقبت الافطار بصحبة خالي الذي زارنا وقضينا بمعيته امسية صاخبة حتى منتصف الليل
الصفحات : 1 2 3
Reference URL's