إضافة رد 
 
تقييم الموضوع :
  • 1 أصوات - بمعدل 5
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا
الكاتب الموضوع
الفكر الحر غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات : 2,191
الإنتساب : Oct 2009
مشاركات : #1
Rainbow أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا
أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا / محمد منير ادلبي
نـبذه عن الكتاب :
حقيقة مفهوم الجن - ما هو المفهوم الصحيح للشيطان ؟ وما هو المفهوم الصحيح لإبليس - ما هو عفريت سليمان ؟ من هي النملة التي كلمت سليمان وإثبات أنها ليست حشرة ؟ من هو هدهد سليمان وإثبات أنه ليس طيراً ؟ وكيف أحضر الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس ؟ ومن هما هاروت وماروت ؟ الكتاب يشرح الدجل المتعلق بتحضير الجن والأرواح ويفسر تفسيراً صحيحاً / حسب مؤلفه / كثيراً من الآيات والأحاديث التي تذكر الجن والشياطين .
http://www.4shared.com/document/T2tIQY4O/_____.htm
رابط اخر من ( مكتبة المصطفى ) :
http://www.al-mostafa.info/data/arabic/d...008945.pdf

العضو / محب الكتاب ... غالي دوت كوم ghaaly.com

نتناول اليوم بإذن الله وعونه قضية من القضايا التي تحتل حيزا كبيرا في عقول وقلوب المسلمين, وهي: حقيقة الجن!
نتناول هذا الموضوع ليس لنثبت بالدرجة الأولى أن الدين الإسلامي بريء من الخرافات, وإنما لننبه إخواننا إلى أن بعضهم يشرك بالله ويعبد الجن, فنريه الجن الذي تحدث القرآن عنه, والذي وقع عامتنا في شراكه!
وكذلك لننزه الله عن العبث والظلم, فالله هو العدل الحكيم, وتعالى الله أن يظلم أو يعبث!
لهذا نتناول ذلك الموضوع الذي سيجعلنا من المتهمين والمفسَقين عند فريق, ومن المكفَرين عند آخر, ولكنها الأمانة والعلم, الذي لا يجوز كتمه!
إذا سألت أي مسلم: أتؤمن بوجود الجن؟
لقال لك: نعم وكيف لا أومن بوجوده وقد ذكر في القرآن؟!
وبداهة, لا يمكن لأي إنسان مسلم أن ينكر وجود شيء ذكره القرآن!
لذا فالسؤال هنا: ما هو المقصود ب "الجن"؟
الإجابة الجاهزة عند الأكثرية الساحقة من البشر –مسلمين كانوا أو نصارى أو غيرهم-: هو مخلوق من النار, مكلف مثلنا يطيع ويعصى, ولا يظهر لنا, وله قدرات خارقة بالنسبة للبشر, فهو يقدر مثلا على التشكل بهيئة البشر أو الحيوان.

ويدعي أصحاب هذا القول أن الدليل العقلي والمشاهدة والدليل النقلي يؤيدهم فيما يقولون!
ونحن نقولها في أول ردنا عليهم:
لا يوجد مانع عقلا من وجود كائن غير الإنسان, له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان, ولكن أن نقول أن هناك الدليل العقلي على تصديقه, فهذا ما لا دليل عليه! وأن ندعي أن المشاهدة دلت عليه, فليس أقوال المرضى والمخابيل بدليل, وأن ندعي أن الدليل النقلي جاء به, فهذا ما سنناقشه بالتفصيل, ولكن قبل أن نناقشه لا بد أن نتوقف مع بعض المسائل العقلية المتعلقة بالجن, طالما أن هناك من يدعي أن الدليل العقلي يقول بوجوده, لنبين أن القول بوجود "عفاريت مكلفة يتنافي مع كمال الله وعدله":

أول ما نبدأ به هو سؤالنا:
إذا كانت العفاريت مخاطبة بالإسلام, فكيف يطبق الجن شرائع الإسلام ؟ فالجن المكلف -كما يرون- مخلوق من النار, يمكن تشبيهه بالأشباح, يقدر على التجسد, إلا أن أصله كالدخان, فهل سيتوضأ بالماء؟ وإذا سرق كيف نقطع يده؟ وإذا زنى كيف نجلده؟ و كيف نعزره بالحبس؟!
إذا قال القائل: إذا تجسد ينفذ كل هذا, فيمكنه الوضوء ويمكن معاقبته.
نقول: إن معنى هذا القول أن الشريعة غير مناسبة للجن بهيئتها الأصلية, وعليها التجسد لتنفذ الشريعة!
وإذا قبلنا بهذا وقلنا أن الجن سيتجسد لينفذ أحكام الشريعة طائعا, فما الذي سيجبره على التجسد ليُجلد مثلا أو لتقطع يده؟!

ثم لماذا وكيف يحاسبه الله عز وجل على شريعة لم تُجعل له وغير مناسبة له؟ لقد رد الله على مطالب المشركين بإرسال ملك بدلا من النبي, فقال:
قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء : 95]
فالرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليه, فلأنهم بشر أرسل الله إليهم بشرا رسولا, ولو كانوا ملائكة لأنزل إليهم ملكاً رسولا, فلماذا يكون رسول الجن من غير جنسهم, وعليهم الإيمان به؟!
لقد قال الرب العليم, أن لنا في رسول الله أسوة حسنة, فهل للجن في الرسول الأسوة الحسنة؟ إن قدرات الرسول أقل بكثير من قدرات الجن, كما أن تكوينه مخالف لتكوينهم, فكيف يكون قدوة حسنة لهم!
وبعض الأخوة الطيبين يظنون أنه يمكن للجن تنفيذ بعض الأحكام وما لا يمكنه فهو غير مخاطب به!
وبغض النظر عن أن الله لم يأمرهم بأي أمر في القرآن كله, ولم يبين لهم ما عليهم الالتزام به وما لا يجب عليهم إتباعه, ومن ثم سيحتاجون إلى رسول, حتى لا يكون لديهم حجة بعد الرسل!
بغض النظر عن هذا كله, فإن هذا السؤال تبطله المسألة القادمة!

لماذا خلق الله الجن؟
سؤال قد لا يخطر بذهن أكثر المسلمين, لأنهم يظنون أنه من البدهيات, فلقد خلقهم الله ليعبدوه, كما قال في الذاريات, ونحن نقر أنه سبحانه ما خلق خلقا إلا ليعبده ويسبحه! ولكن السؤال الذي نطرحه:
ما هو الدور الذي يقوم به الجن في حياته؟
لقد خلق الله الإنسان وجعله خليفة الأرض, وطلب إليه أن يعمرها, فلم يخلقه ليصلي ويسبح ويذكره فقط, وإنما يعمر الأرض ويكتشفها, فيعيش الإنسان طالبا للرزق مصلحا للأرض, يعمل أي عمل, فيتاجر هذا ويزرع ذاك, ويخطط آخر, ويعلم غيره .... وهكذا, وعليهم في أثناء عملهم هذا أن يلتزموا شرع الله العليم! فلا يسرقون ولا يغشون ولا يزنون وأن يعدلوا ... إلخ
وخلق الملائكة وجعل لها أدوارا في تسيير الكون ومساعدة الإنسان ومساندته, وهم يقومون بهذه الأدوار يعبدون الله!
ولم يخلق الله شياطين, فالله لا يخلق الشر, وإنما يخرج شرا مما خلق, وإنما خلق ملائكة وتمرد بعضهم فأصبحوا شياطين, فلعبوا دورا آخر في الكون!
والسؤال هو: ماذا يفعل الجن؟ هل لهم حضارات؟ هل عندهم تطور وتقدم علمي؟! ما هي وظيفتهم؟ لقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض, فما هو دور الجني؟!
هل خلقهم عاطلين؟!
إن الصورة الموجودة للجن في التراث تقول أنه كائن طفيلي!
ليس له أي عمل ولا دور, إلا أن يؤذي الإنسان ويركبه, وعليه أن يؤمن بالأنبياء والرسل الذين يرسلون إلى الإنسان, وعلى الرغم من أنه من النار فإنه يتغذى بنفس المواد التي يتغذى بها الإنسان, بدلا من أن يكون له مصدر طاقة, ولأنهم عاطلون طفيليون, ليس لهم أي عمل أو إنتاج فهم يأكلون فضلات الحيوانات والقمامة التي نرميها, وأحيانا يحاول بعضهم أن يرتقي فيأكل شيئا آخر, فنجده مضطرا للسرقة, -كما جاء في الأثر!-
إن مخترعي هذه الخرافات لم يقولوا أن للجن عالما وحضارة خاصة به, كما لنا, وإنما "حشروه" حشرا معنا في عالمنا ودنيانا, يتصرف كما نتصرف, على رغم من اختلاف طبيعته!
ونحن ننزه الله أن يخلق كائنا عاقلا طفيليا, فإذا خلق كائنا مكلفا كرمه وشرفه, كما أعلنها صراحة أنه كرم بني آدم, فلماذا أهان الجن وجعله عاطلا؟!

كيف يمكن وجود جن كافر ويظل كافرا وهو يرى الملائكة ويستمع إليهم ويلمس السماء كما يعتقد الكثير من الناس؟
إن قبول الناس لهذا القول لمن العجب العجاب, ومن العجب أن كثيرا من الناس يقبل بوجود جن نصراني وجن يهودي ومجوسي .... الخ الأديان الأرضية! ولست أدري كيف يصدقون بوجودها, على الرغم من وصولهم السماء ومعرفتهم بالملائكة وأحوالهم!
ولا عجب من وجود الشياطين, فلقد كانوا ملائكة ثم أصبحوا شياطينا –بدون تغيير, فلم يكونوا بيضا فأصبحوا سودا بقرون وشعر كثيف!- ولأنهم صدر عليهم الحكم بالعقاب, فهم يعملون على إدخال أكبر قدر ممكن من البشر معهم في النار, حتى ينتقموا من البشر الذي عوقبوا بسببه!

ومن العجب أن كثيرا يرون أن الشياطين فريق من الجن! وهذا القول يعني أنهم كان لديهم قدرات ما, فرقّاهم الله وجعلهم قادرين على الوسوسة للبشر! أو أن الله خلقهم أصلا قادرين على الوسوسة للإنسان, ولست أدري لماذا يعطي الله خلقاً أشرارا هذه القدرة ابتداءً ولماذا يخلقهم أصلا؟!

وختاما نقول:
إن القول بوجود جن (عفاريت) بهذه القدرات التي يزعمون, يؤدي إلى التشكيك في آيات الأنبياء, و في كل شيء في هذه الدنيا, فربما تشكل جنٌ و قام بفعل هذه الأشياء, وليس البشر! وربما يكون الأنبياء قاموا بهذه الآيات بواسطة الجن.
أما عند القول بوجود ملائكة وشياطين لا تدخل لهم في دنيانا, لأن لهم عالمهم ولنا عالمنا فلا إشكال ولا لبس على الإطلاق!
وكما ثبت في لسان العرب فإن مدلول هذه الكلمة يدور حول الستر والشدة والهيمنة ولا يراد به الكائن المسمى: الجن, وعلى الرغم من ذلك يكاد ينحصر مدلول هذه الكلمة عند العوام والعلماء! في المخلوق الناري, وعلى الرغم من أنهم يتقبلون وجود شياطين بين البشر, أو بشرٌ شياطين, إلا أنهم لم يتقبلوا وجود: جن بين البشر, أو بشر جن!
ويرجع هذا الرفض إلى أن الآيات تتحدث عن كائنات عاقلة مكلفة وليس عن جمادات, وبما أن العرب كانت تؤمن بوجود مخلوقات عاقلة اسمها الجن –وكذلك عامة الشعوب القديمة والحديثة- وجاء القرآن فتكلم عن الجن وجعلهم مقابلا للإنس, فحتما ولزاما أن يكون التصور الإنساني المقدم لهم تصور صحيح!

وهكذا أصبح على الإنسان المسلم أن يؤمن بوجود الجن (خلق مكلف غير البشر) وإلا فهو خارج عن الملة! وعلى الرغم من أن الله لم يجعل الجن من أسس الإيمان في أي آية, ولم يطلب إلينا الإيمان به مرة واحدة! إلا أن بعض العلماء جعلوا منكر وجود هذا الجن تعنت صريح في فهم الآيات, يخرج من الملة! وذلك لأن الآيات صريحة في هذا المعنى, كما أنه قد ورد العديد من الروايات التي تؤيد هذا الفهم, لذا فلا يمكن العدول عن هذا الفهم إلى أي قول آخر!
ولأن الروايات الواردة عن الجن هي من الكثرة بمكان, فإننا سنتناول أهم هذه الروايات, وهو تلك الروايات المتعلقة بسورة الجن, ليبصر القارئ بأم عينيه كيف حُرفت الروايات وزيد فيها ما أكسبها صبغة خرافية, وكيف أنها دليل لنا فيما نقول, ثم نتناول بعض الروايات الأخرى الغير متعلقة بها, والتي تتناقض معها.
وبعد أن نكون قد نسفنا اليقين المتحصل عند أكثر المؤمنين بالجن, ننتقل إلى القرآن, لنتناول كل الآيات التي ورد فيها ذكر للجن, لنبين له كيف خلط المفسرون بين الجن والشياطين, وكيف أنهم لم يستطيعوا أن يجزموا أو يحددوا الفارق أو العلاقة بين الشيطان والجن!
قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية:

"{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره، (........) واختلف المثبتون على قولين:
فمنهم من زعم أنها ليست أجساماً ولا حالة في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها، قالوا: ولا يلزم من هذا أن يقال: إنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساماً ولا جسمانية سلوب والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية ، قالوا: ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذا السلب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها كريمة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله، قالوا : وكونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخبريات قادرة على الأفعال، فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الأحوال الخبرية وتفعل الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لم يبعد أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة تعجز عنها قدر البشر، (..........)
ومن الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن، فسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما لهذا البدن، وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فإن الجنسية علة الضم ، فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة.
والقول الثاني في الجن: أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين: منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها، إنما المشترك بينها صفة واحدة، وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد.

اختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام هل رأى الجن أم لا؟
فالقول الأول: وهو مذهب ابن عباس أنه عليه السلام ما رآهم، قال: إن الجن كانوا يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة فلما بعث الله محمداً عليه السلام حرست السماء، وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم فرجعوا إلى إبليس وأخبروه بالقصة فقال: لا بد لهذا من سبب فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها واطلبوا السبب فوصل جمع من أولئك الطالبين إلى تهامة فرأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر.
(وهذا أول عجب في الرواية, فتبعا للرواية فإنه لم يكن هناك شياطين في جزيرة العرب, أو على الأقل في مكة وما يجاورها, ولذلك خفي عليهم خبر ظهور النبي! –ربما كانوا في الإجازة السنوية أو القرنية, ولذلك لم يعلموا بظهور النبي!!!!!- ولست أدري كيف هذا, إذا كان لكل إنسان شيطان –حتى الرسول نفسه- كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ
والذي رواه أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الشَّيَاطِينِ. قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ
قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ قُلْنَا وَمِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَمِنِّي وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ
-وبغض النظر عن معنى: فأسلم, والتي نرى أن معناها أن الرسول أصبح يسلم من وسوسته لا أن الشيطان هو الذي أسلم, فإن الشاهد في الروايتين, هو أن الرواة كانوا يستعملون كلمة "الجن" مكان الشياطين! ولا حرج في هذا الاستعمال!-)

ونكمل ما ذكره الإمام الفخر الرازي:
"فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا والله هو الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهناك رجعوا إلى قومهم وقالوا يا قومنا {إنا سمعنا قرآناً عجباً}"
وهذا ثاني ما يناقض النص القرآني, فلقد قال القرآن أنهم آمنوا ونزهوا الله عن الصاحبة والولد, ولم تذكر الرواية هذه الجزئية لأنها تعني إيمان الشياطين! والشيطان لا يؤمن! وبغض النظر عن هذا كله, فإن هذا يعني أن ملة الشياطين هي النصرانية! وضع ما يحلو لك من علامات التعجب!

ونكمل ما ذكره الإمام الفخر الرازي:
"فأخبر الله تعالى محمداً عليه السلام عن ذلك الغيب وقال: {قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ} كذا وكذا، قال: وفي هذا دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن, إذ لو رآهم لما أسند معرفة هذه الواقعة إلى الوحي فإن ما عُرف وجوده بالمشاهدة لا يُسند إثباته إلى الوحي، (..........)
واختلفوا في أن أولئك الجن الذين سمعوا القرآن من هم؟ فروى عاصم عن ذر قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه مكة على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرفوا فذلك قوله: {وَإِذَا صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن} [الأحقاف: 29 ] وقيل: كانوا من الشيصبان, وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم.
القول الثاني: وهو مذهب ابن مسعود أنه أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام، قال ابن مسعود: قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي؟
(وهذا يعني أن الجن موجودة في مكان معينة سيذهب إليها النبي! ولنا أن نتساءل: لماذا لم تأت الجن إلى النبي في داره إذا كانوا هم أصلا غير مرئين! ولا يشغلون حيزا من الفراغ؟! ثم هل يكفي الجن أن يقرأ الرسول عليهم القرآن مرة ليؤمنوا؟! وما حال من لم يحضر هذه الليلة ومن ليس من جن العرب أصلا؟! وهل يعد هؤلاء الجن من الصحابة لأنهم رأوا الرسول؟!)

نواصل ما ذكره الإمام الفخر الرازي:
"فسكتوا، ثم قال الثانية فسكتوا، ثم قال الثالثة، فقال عبد الله: قلت أنا أذهب معك يا رسول الله. قال: فانطلق حتى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي دب، خط علي خطاً فقال: لا تجاوزه،
(ولست أدري لماذا كان النبي الكريم يريد أن يأخذ معه أحدا من أصحابه إذا كان سيخط له في نهاية المطاف خطا لا يتجاوزه, ويذهب معهم بمفرده؟!)

ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل كأنهم رجال الزط يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه، فغاب عن بصري فقمت، فأومأ إلي بيده أن أجلس،
(لن أقول: المفترض أن الرسول بعيد وأنه لا يراه في الظلام, ولا أنه كان لا يراه لأن الجن قد غشيته, وإنما أتساءل: كيف يكون الرسول قد غاب عن بصره, ثم يومأ إليه بيده ليجلس؟! فكيف غاب عن بصره وعلى الرغم من ذلك يرى يده؟!)

ثم تلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى صرت أسمع صوتهم ولا أراهم.
وفي رواية أخرى فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنت؟ قال: أنا نبي الله، قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: هذه الشجرة، تعالي يا شجرة! فجاءت تجر عروقها لها قعاقع حتى انصبت بين يديه، فقال: على ماذا تشهدين لي؟ قالت: أشهد أنك رسول الله، قال: اذهبي، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت.
(وهذه الرواية تبطل الدين تماما, فهي تعني أن الرسول ذهب ليعرض عليهم الدين, وبدلا من أن يقدم لهم القرآن دليلا على نبوته, قدم لهم "آية"! كما أعتقد, فمن المفترض أن الرسول كان قد ذهب ليقرأ عليهم القرآن! فهل لم يكف القرآن فقدم لهم آية حسية؟!)

قال ابن مسعود: فلما عاد إلي، قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحد بعظم ولا بعر.»
(ولن نقول إن الجن لم يكونوا قد ولوا إلى قومهم بعد! ولكن نتساءل:
هل كان ابن مسعود يسمع أما لا؟
فطبقا لما قاله سابقا, فمن المفترض أنه كان يسمعهم ويرى الرسول –على الرغم من أنه كان بعيدا عنه!- ولكن هنا يفترض أنه لم يكن يسمع الرسول فقص عليه الرسول ما حدث بينه وبين الجن!
ومسألة الزاد هذه سنعلق عليها عند تناولنا لروايات الجن في كتب السنة!)

والعجب كل العجب أن يقول الإمام الفخر الرازي –والذي يبدو أنه كان يشعر أن الروايات غير منطقية ومتناقضة-
واعلم أنه لا سبيل إلى تكذيب الروايات، وطريق التوفيق بين مذهب ابن عباس، ومذهب ابن مسعود من وجوه، أحدها:
لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولاً، فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورة، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود.
(إذن فليست لرواية ابن مسعود علاقة بالآية, فلماذا تُذكر عند تأويلها؟!)
وثانيها : أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة، إلا أنه عليه السلام أمر بالذهاب إليهم، وقراءة القرآن عليهم، إلا أنه عليه السلام ما عرف أنهم ماذا قالوا، وأي شيء فعلوا، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وقالوا كذا.
(وهذا يخالف رواية ابن مسعود, والذي كان يسمعهم ويراهم من بعيد, فكيف بالرسول الذي بينهم؟!)
وثالثها: أن الواقعة كانت مرة واحدة، وهو عليه السلام رآهم وسمع كلامهم، وهم آمنوا به، ثم لما رجعوا إلى قومهم قالوا لقومهم على سبيل الحكاية: {إنا سمعنا قرآناً عجباً} وكان كذا وكذا، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم، وإذا كانت هذه الوجوه محتملة فلا سبيل إلى التكذيب.
(وهذا هو القول الوحيد المقبول, إلا أنه يشغب عليه كل التناقضات الموجودة في رواية ابن مسعود نفسها, بغض النظر عن تعارضها مع الرواية الواردة عن ابن عباس, فمن ثم يجب الرد والرفض لا التكذيب!)

وكما رأينا فالروايات التي ذكرها الإمام الفخر الرازي كتفسير للآية روايات متناقضة تهدم نفسها بنفسها, فإذا تركنا هذه الروايات ونظرنا في الروايات الواردة في السنة, وجدنا أنها تؤيد ما نقول به! إذا نحن حذفنا الإضافات التي أضافها الرواة من عند أنفسهم, ونبدأ بما ذكره الإمام مسلم في صحيحه:
"حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ: هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ قَالَ فَقَالَ عَلْقَمَةُ أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ قَالَ لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ فَقُلْنَا اسْتُطِيرَ أَوْ اغْتِيلَ قَالَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلَ حِرَاءٍ قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَقَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ. وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ
و حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُفَصَّلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ و حَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْلِهِ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ." اهـ

أول ما نلحظه في هذه الرواية هو قول ابن مسعود أنه لم يكن مع النبي أحد في ليلة الجن, وهذا يبطل كل ما ذكره الإمام الفخر الرازي سابقا!
ثاني ملحوظة هو أن الرسول أتاه داعي الجن فذهب معه, أي أن الرسول مشى مع داعي الجن حتى ذهب إلى مكان فقرأ عليهم القرآن!
ثالث ملاحظة هو أن لهؤلاء الجن آثار وآثار نيران, أي أنهم كانوا يستعملون نيران للتدفئة و للإضاءة!
والنقطة الأخيرة والفاصلة هي أن الزيادة المتعلقة بالزاد "وسألوه الزاد .... إلخ الحديث" ليس من الثابت أنها من قول الرسول, والراجح أنها من قول الشعبي! ولو كانت من قول الرسول لقيل: وسألوني الزاد, وليس فسألوه الزاد!
ولقد روى الإمام مسلم الحديث نفسه بالزيادة وبدونها, لتردده في نسبتها إلى النبي!

فإذا نظرنا في الترمذي وجدناه يقول:
عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ قَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ وَلَكِنْ قَدْ افْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَقُلْنَا اغْتِيلَ أَوْ اسْتُطِيرَ مَا فُعِلَ بِهِ, فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا أَوْ كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ قَالَ فَذَكَرُوا لَهُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَقَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فَانْطَلَقَ فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ فَقَالَ كُلُّ عَظْمٍ يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ الْجِنِّ." اهـ
وكما رأينا فالإمام الترمذي جعل الزيادة للشعبي ولم ينسبها إلى الرسول!

فإذا نظرنا في مسند أحمد ألفيناه يقول:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنَا دَاوُدُ وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ الْمَعْنَى قَالَا حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ:
قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ فَقَالَ مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ وَلَكِنَّا قَدْ فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُلْنَا اغْتِيلَ اسْتُطِيرَ مَا فَعَلَ قَالَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ أَوْ قَالَ فِي السَّحَرِ إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرُوا الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَقَالَ إِنَّهُ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ قَالَ فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانِي آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ.
قَالَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلُوهُ الزَّادَ قَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ عَامِرٌ: فَسَأَلُوهُ لَيْلَتَئِذٍ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ فَقَالَ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ." اهـ
وكما رأينا فالإمام أحمد يصرح في هذه الرواية أن الزيادة للشعبي!

فإذا نظرنا في السنن الكبرى للبيهقي وجدناه يقول:
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن المثنى هكذا ورواه عن على بن حجر عن إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند بهذا الإسناد إلى قوله وآثار نيرانهم.
قال الشعبى: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلا من حديث عبد الله (أخبرناه) أبو عبد الله الحافظ اخبرني أبو الوليد ثنا محمد بن إسحاق وجعفر بن احمد بن نصر (قالا) نا على ابن حجر فذكره ورواه محمد بن أبى عدى عن داود إلى قوله وآثار نيرانهم. ثم قال: قال داود: ولا أدرى في حديث علقمة أو في حديث عامر أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة الزاد فذكره (أخبرناه) أبو الحسن المقري انا الحسن بن محمد بن إسحاق نا يوسف بن يعقوب نا محمد بن أبي بكر نا محمد بن أبي عدى عن داود فذكره ورواه جماعة عن داود مدرجا في الحديث من غير شك." اهـ
وكما رأينا فالإمام البيهقي قد انتبه هو كذلك إلى هذه الزيادة!
فإذا نظرنا في السنن الكبرى للنسائي, وجدناه يقول:
عن عامر عن علقمة قال: قلنا لعبد الله: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم منكم أحد ليلة الجن؟ قال لم يصحبه منا أحد إلا أنا بتنا بشر ليلة بات بها قوم إنا افتقدناه فقلنا استطير أو اغتيل فتفرقنا في الشعاب والأودية نطلبه فلقيته مقبلا من نحو حراء فقلت بأبي وأمي بتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال إنه أتاني داعي الجن فأجبتهم أقرئهم القرآن وأراني آثارهم وآثار نيرانهم." اهـ
وكما رأينا فالإمام ابن مسعود روى هذه الرواية بدون الزيادة التي ذكرها الشعبي!

فإذا نظرنا في مستخرج أبي عوانة وجدناه يروي الرواية بالشكل التالي:
قال: «إنه أتاني داعي الجن لأقرئهم القرآن» فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، قال: فقال الشعبي: سألوه الزاد، قال: فقال: «كل عظم يقع في أيديكم لم يذكر اسم الله عليه أوفر ما كان لحما، والبعر علف لدوابكم» قال: فقال: «لا تستنجوا بالعظام ولا بالبعر فإنه زاد إخوانكم من الجن» قال داود: فلا أدري هذا في الحديث أو شيء قاله الشعبي؟!!!!
فهؤلاء الجن كذلك لهم دواب! ولست أدري ما حاجة كائن يصعد السماء إلى دابة؟!

وكذلك نجد أن الإمام الدارقطني يرجح في سننه الرواية التي تقول أنه لم يشهد أحد مع النبي ليلة الجن, وكذلك فإن الإمام ابن حبان لا يذكر الزيادة المتعلقة بالزاد في صحيحه, فيروي الرواية بدونها!

فكما رأينا من أكثر كتب الحديث فإن أصحابها كانوا يرجحون أن الزيادة لم تكن من قول النبي!
فإذا تركنا مسألة الزيادة والتفتنا إلى النص نفسه وجدناه يقول بما نقول به, فهؤلاء الجن يرسلون داعياً إلى النبي فيخرج ليقابلهم في مكان خارج مكة, فهذا مرجح أن هؤلاء أناس أتوا متخفين إلى النبي الكريم ليسمعوا القرآن, وللحصار المفروض على النبي أو بسبب المضايقات لم يدخلوا مكة وإنما ظلوا بخارجها وخرج لهم النبي فقرأ عليهم القرآن فآمنوا!
ولو كانوا جنا لم احتاج النبي إلى الخروج إليهم, ولأتوا النبي في بيته لا يراهم أحد!
ثم إن هؤلاء الجن/البشر لهم آثار وآثار نيران, فهذا يعني أنهم يسيرون على الأرض ويوقدون نارا للتدفئة والإضاءة, ولو كانوا جنا كما يتصور الناس لطاروا في الهواء ولما احتاجوا إلى تدفئة, فكيف يؤثر فيهم الريح والبرد أصلا؟!
ثم ما العلاقة بين أن يروا النيران وأن يسألوه الزاد, فبعد أن أرى النبي ابن مسعود نيرانهم, كان من المفترض أن يسأله كيف هم هؤلاء الجن, كيف يبدون؟ إن العجب كل العجب أن يعرف الصحابة أن الرسول قد التقي جنا فلا يسألونه عن شكلهم ولا أحوالهم, وإنما يخبرهم النبي أنهم سألوه الزاد؟
إن الواضح من الرواية أن النبي الكريم لم ير في ليلة الجن حادثا خارقا, وإنما مقابلة لوفد من الوفود أتى متخفيا, وفي هذا الوفد نصرة للإسلام ليس أكثر ولا أقل!
والعجيب أن القول بالزاد (بغض النظر عن نوعه) مصدق لنا فيما نقول, فإن هذا يعني أنهم بشر يسيرون على الأرض, يرتحلون بدواب, ويحتاجون إلى زاد في رحلتهم, لذلك سألوا النبي الزاد! أما أن يكونوا جنا يطير في الهواء بسرعة هائلة فلماذا الاحتياج إلى الزاد, إذا كان سيصل إلى موطنه في ثوان معدودة؟!

وكما رأينا فهذه الرواية جزء منها سليم يتحدث عن أناس من خارج مكة وجوارها أتوا للنبي متخفين (جنا) فآمنوا ثم انصرفوا, فلمّا تنوقلت الرواية ظنها بعض الرواة تتحدث عن كائنات خارقة فأضاف إليها من عنده, وهكذا صُبغت الرواية كلها بصبغة خرافية, فرفضها فريق لمخالفتها العقل والمنطق, وقبلها فريق آخر بفهمها المعوج على الرغم مما فيها!
أما نحن فأخذنا الثابت عن النبي ورفضنا الزيادة وفهمناها فهما يلغي أي تناقض أو تعارض فيها, بعيدا عن الأفهام الأعجمية للسان العربي!

وبعد أن رأينا من الرواية أنها تتحدث عن بشر متخفين –وليس كائنا غير الإنسان- نقول له أن باقي الروايات التي ورد فيها ذكر عفاريت أو جن مكلف فهي بين روايات ضعيفة –بحكم أهل الحديث أنفسهم, نجزم نحن بوضعها!- وبين محمولة على أن المراد منها المعنى اللغوي وأريد بها الإنسان, ولكنه حدث لبس في فهمها أو أن الرواة تلاعبوا بها, فجعلوها في ذلك الكائن الخرافي, واستخدمت كدليل على ما يقولون به.

وقبل أن ننظر في كتاب الله الحكيم لنبصر هل كان يتحدث عن البشر أم عن كائن آخر؟ نقدم للقارئ الأقوال المطروحة بشأن الجن ثم نعرج بعدها إلى كتاب الله:

إذا نظرنا في الأقوال المطروحة في حقيقة الجن, وجدناها ثلاثة أقوال, وهي:
القول الأول: الجن كائن عاقل غير مرئي للبشر مخلوق من النار، أمره الله تعالى بعبادته، و هو مطالب بإتباع القرآن الكريم وبالإيمان برسالته (ص)، -وهناك من يرى أن للجن القدرة على أن يتلبس بالإنسان و على التأثير عليه[1]-، وللجن قدرات هائلة لا نعلم حدودها.
القول الثاني: الجن كائن عاقل غير مرئي لنا ولا نعرف عنه شيئًا، له عالم مختلف عن عالمنا, وهو يستطيع الولوج إلى عالمنا إلا أنه لا يتلبس بالإنسان البتة.
القول الثالث: الجن هو كل ما استتر في العادة، أو هو ما كان في عنفوانه، حسب المعنى اللغوي، وهو ليس عالمًا قائما بذاته، بل يطلق على الكبراء من الناس لأنهم مستترون عادة، كما يطلق على المحترفين في عمل معين، ويطلق على الكائنات الدقيقة غير المرئية, فالجن صفة وليس اسما لكائن حي.
إذا يمكننا أن نخرج من تقليبات هذه الآراء بالتالي:
1- هناك كائن مكلف عاقل اسمه الجن
2- لا نعرف ما هي طبيعة الجن,
3- الجن معنى لغوي ويراد به أشياء عدة ولكن لا يوجد ما يسمى بالجن الشبحي ولا شياطين شبحية, بل كل هذا في البشر, فهناك شياطين الإنس وهناك نزاعات النفس[2] التي تقوده إلى المعصية,
4- الجن معنى لغوي ويصدق على أشياء عدة منها الملائكة والشياطين والبشر.

والآفة الكبرى عند تناولنا مثل هذه الكلمات هي عملية "الانزياح الدلالي" فبعد أن كانت الكلمة تُستعمل بشكل ما, يتوارى هذا الاستعمال ويظهر استعمال آخر, ويصبح هو الأعم الغالب, وهذا ما حدث مع "الجن" فلا تُذكر إلا وفهم لها فهم محدود, على الرغم من أنها تحتمل معان كثيرة!
وبسبب هذا الإزاحة الدلالية المقيِّدة, حدث لبس كبير بين الشياطين والجن والملائكة والإنسان, فأصبحنا نجد كثيرا –في أقوال العلماء- تداخلا بين الجن والشياطين, ولا يستطيعون أن يفرقوا بينهما!
كما أصبح من المستغرب إطلاق كلمة "الجن" أو "الجنة" على الملائكة, وأكثر استغرابا ورفضا أن تُطلق على البشر! على الرغم من أننا لا نزال نستعملها, فنقول: فلان جن! وفي السودان الشقيق وجدنا كلمة "جنجاويد > جن جاويد" –والتي اشتهرت بسبب أزمة دارفور- والتي تعني: رجلا يقاتل أو ينهب راكبا جوادا!
فنجد أن الكلمة استعملت مع إنسان متمرد!

والنقطة الفاصلة هي تسمية هذه الكلمة, فهم يرون أنها اسم ونحن نرى أنها نعت, يصدق على ما يوافق مدلوله, فالشياطين تُنعت بأنها جن, والملائكة كذلك تُنعت بأنها جن, والبشر فيهم جن وشياطين.
وكما يظهر من جل آيات القرآن فإن الإنسان هو الكائن الوحيد المكلف [3]و الملائكة تساعده وتهديه بأمر الله , والشياطين –الذين كانوا في الأصل ملائكة ثم تشيطنوا– تغويهم وتضلهم وليس هناك أي تداخل مادي بين هذه العوالم, إلا في أقل القليل ويكون هذا بإذن الله.
وبسبب عمومية الكلمة حدث تداخل بين هذا الأصناف, ولم يميز من ضاعت سليقتهم العربية بينها, فنتج عن ذلك وجود صنف زائد و هو الجن المكلف, أو ما يتعارف عليه الناس "بالعفاريت", -تمييزا عن الشياطين-.
وهذا القول شهير ومنتشر بين المسلمين, ويُعد من عقيدة المسلم!!
وعلى الرغم مع أن القرآن نفى نفيا قطعيا وجود خلق كهذا وعلى أقل تقدير لم يتحدث عنه, فإن هذا القول ساد وانتشر, بسبب تقبل كل ما نُقل عن العرب, على الرغم من أن اللغة بها الاعتباطي و ما لا أصل له وما اختُلق!
وكان من بين ما نُقل عن العرب وجود كائن اسمه جن, له عالم عجيب! ولو وُضع القرآن مقياسا للمسلمين في كل المجالات وأولها اللغة, لما ظهر هذا الرأي وانتشر, ثم تكلم القرآن عن الجن, فقالوا أن هذا هو ذاكولربي إن بينهما بون كبير, ولكنها آفة تقديم كل شيء على القرآن, و هذا القول واضح البطلان, أما الدلائل على أن القرآن نفي هذا الرأي نفيا قاطعا مبرما فكثيرة جدا وطافحة في القرآن, ولو قرأ الناس القرآن بدون أي دلالات مسبقة في الذهن عن مدلولاته يحاولون إسقاط ألفاظ القرآن عليها, لعلمنا علم اليقين أن هذا الرأي السائد من وجود جن (عفاريت) مكلف, سواء كان له القدرة على التلبس أم لا رأي باطل مجتث ما له من قرار.

لذا فإننا سنتناول كل الآية التي تحدثت عن الجن, لنبين أنها إما كانت تتحدث عن شياطين أو عن بشر أو عن كبار, ولم تكن تتحدث قط عن كائن مستقل:

أول ذكر للجن في كتاب الله العظيم كان في سورة الأنعام, وذُكر في أكثر من آية, ونذكر للقارئ الكريم السياق الذي وردت فيه الآيات:
"وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ........ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)
كما هو جلي, فإن الآيات تتحدث عن أن الظالمين جعلوا لله شركاء, وهؤلاء الذين جُعلوا شركاء هم الجن! ثم تتواصل الآيات إلى أن تقول أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين بشأن تحريم بعض المطعومات, وأن المؤمنين إن أطاعوهم أصبحوا مشركين!
أي أن المؤمن إذا أطاع ولي الشيطان جعله شريكا لله! فيكون هذا دليلا على أن المقصود من الجن هم أولياء الشياطين من البشر, الذين يجادلون في آيات الله, والذين جعلهم فريق من الناس شركاء لله بطاعتهم وهجرهم أمر الله! فعندما أطيع مشرع يشرع بغير شرع الله يكون هذا شركا بالله!

وتستكمل الآيات الحديث لتبين لنا من هم الجن:

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)"


وكما نرى, فالله تعالى يتحدث عن وجود أكابر مجرمين وأن هؤلاء لا يؤمنون ويريدون أن يُؤتوا هم الرسالات, ويوم يحشرهم جميعا, أي أكابر المجرمين والناس العاديين, الذين كانوا تبعا لهم (أولياءهم) والمؤمنين, فيخاطب الله أكابر المجرمين ب: معشر الجن, ويعترف أولياءهم من المستضعفين أنهم انتفع بعضهم ببعض –وليس تلذذ- وبلغوا الأجل الذي جعله الله لهم لإهلاكهم.
والسؤال الذي نطرحه كيف انتفع الجن بالناس وكيف انتفع الناس بالجن, وكيف استكثر الجن من الإنس؟ (تبعا للفهم المألوف) فلهؤلاء عالم ولنا عالم؟!
الفهم السطحي جعل الاستمتاع بمعنى التلذذ, وفهموه على أنه زواج الجن من الإنس! على الرغم من أن المتعة لا علاقة لها بالتلذذ!


أما نحن فنقول أنهم ككبار انتفعوا بالصغار, فهم الذين كانوا يقضون لهم مصالحهم, ويساعدونهم على بسط سلطانهم على الآخرين, وفي المقابل كان هؤلاء الصغار يتلقون الفتات من الكبار ويرضون به غنيمة!
وهكذا استمر التعاون بين الكبار المجرمين وبين الصغار المعاونين حتى وصلت الأمة إلى الأجل الذي أجله الله فهلكت الأمة بسبب هذا التعاون الآثم! ولو حدث أن كبار المجرمين لم يجدوا أتباعا نعالا لهم, لما استمر لهم بقاء في المجتمع!
ويبين الله تعالى أن الولاية تكون بين من هم على شاكلة واحدة, فهم وإن كانوا صغارا إلا أنهم ظالمون, لذلك تولوا هؤلاء المجرمين الكبار, ولم يتبعوا سبيل الله!

ثم يعاتب الله تعالى الإنس والجن على أنهم أتاهم رسل منهم, إلا أنهم لم يؤمنوا, وهذه الآية حاسمة للمسألة, فالرسل ما أرسلوا إلا من البشر العاديين:
" وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يوسف : 109]"
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل : 43]
وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان : 20]"
فالرسول رجالا من أهل القرى يوحى إليهم, وهم يعيشون حياتهم العادية, فهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويموتون فلا يخلدون!

وهنا في الأنعام يقول الله تعالى للإنس والجن أنهم جاءهم رسول منهم, وهذا يعني أنهم جنس واحد "بشر", ولو كان الجن جنسا غير الإنسان, لكانت الآية غير صحيحة ولقالوا أنهم لم يأتهم منهم أحد؟!
ثم إن الله تعالى يتحدث بعد ذلك عن إهلاك القرى وأنه لا يهلك الغافلين, وإنما يهلك من أرسل إليهم الرسل فكذبوا –كما في آية يوسف- فهل كان الجن يهلكون مع البشر عند نزول العذاب؟! فهل تهلك الريح أو المياه الجن؟!
أما نحن فنقول أن كل أهل القرى –لأنهم بشر- يهلكون بعذاب الله!
ثم يبين الله أن لكل درجات وأن الله ليس بغافل, ثم يقول أنه غني وأنه لو شاء لأذهبنا نحن البشر واستخلف بعدنا أي كائن آخر, فلماذا يُذهب البشر ولا يفعل المماثل مع الجن؟
ثم يبين الله لنا أن ما نوعد آت وأننا لن نعجزه (تذكر آية الجن: وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض)

وكما رأينا فإن هذه الآيات التي تحدثت في هذه السورة عن الجن كانت تقصد بهم "الأكابر" (المترفين) والذين يتصدون للدعوة, ويستكثرون حولهم من الأتباع نصرة, وليظهروا بمظهر من هو على الحق, وبيّنت أنه عند نزول العذاب في الدنيا والآخرة فإنه ينزل بالجميع
فإذا تركنا سورة الأنعام وانتقلنا إلى سورة الأعراف, وجدنا الله العليم يقول:
"َلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)"

أن السورة تبدأ بالحديث عن آدم وخروجه من الجنة ثم تخاطب بني آدم, وبعد عدة آيات تقول أن لكل أمة أجل, ثم تعود فتخاطب بني آدم أنه من يتقي ويصلح عندما يأتيهم رسول منهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون! أي أن الرسول الذي يأتي سيكون من البشر, وفي الآيات السابقة قال الله أنه لم يرسل إلا بشرا, فيكون للجن حجة على الله, لأنه لم يرسل إليهم رسولا منهم بشرعة تناسبهم!
أما نحن فنقول أن الله تعالى يتحدث عن أمة تهلك عن مجيء أجلها وعندما تدخل النار فإنها تنضم إلى أمم سابقة –مكونة- من الجن والإنس, ولنا أن نتساءل: متى كوّن الجن (العفاريت) والإنس أمة واحدة؟
لم يحدث هذا عبر التاريخ كله, أما على فهمنا أن الجن هم الأكابر –والذين يكونون غالبا مترفين مفسدين- فتكون الأمم من الجن والإنس, فالله يقول أن القادة والأتباع المخالفين سيكونون في النار! كلما دخلت أمة لعنت أختها.

والمفسرون فهموا قول الله تعالى بالشكل التالي: ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم, أمم من الجن وأمم من الإنس! أي أن الله تعالى يخاطب البشر لينضموا إلى مثلهم من البشر وغيرهم من الجن!
وبغض النظر عن أن الآية لم تقل إلا "أمم .... من الجن والإنس" أي أنه من المفترض أنها مكونة منهم[1], فإن الآية تقول أن هذه الأمم "قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم", وأن الأمة اللاحقة تلعن السابقة, فهل عرف البشر أمم الجن ورأوا مهلكم ولم يتعظوا به, أم أنهم رأوا مهلك السابقين لهم ولم يتعظوا به وساروا على دربهم حتى هلكوا مثلهم, لذلك فاللاحق يلعن السابق, والسابق يرى أن اللاحق لم يكن له عليه فضل وأنه يستحق العذاب بما كسب!
(وعلى قولنا فإن كل أمة بإنسها وجنها تلعن أختها, أم على قولهم فإن كل أمة تلعن أختها, ولنا أن نسأل لماذا تلعن أمم الجن أمم الإنس؟ هل أغووهم وأضلوهم أم ماذا فعلوا بهم؟! لا مبرر للعن أمم الجن أمم الإنس!

فإذا تركنا هذا الموضع وجدنا أن الله قد ذكر الجن مرة أخرى في نفس هذه السورة, وذلك في قوله:
"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف : 179]
وأول ما يلحظه الناظر في هذه الآية هو اتحاد تشريح الجن والإنس, فلكليهما قلوب وأعين وآذان, فإذا قلنا أن كليهما كائن واحد "بشر", ينقسم إلى كبار وصغار (قادة وأتباع) كانت الآية مستندا لنا!
أما على قولهم أن الجن كائن غير البشر فعجيب, فإذا كان الجن (العفريت) كائن هوائي ناري فكيف يكون له هذه الأعضاء؟!
لا بد أن تختلف أعضاء الجن عن أعضاء البشر حتى تستطيع أن تقوم بالوظائف المنوطة بها! فكيف يجمعهما الله مع بعضهما كأنه لا فارق بينهما؟


والناظر في السياق الذي وردت فيه الآيات يجد أنها كذلك تتحدث عن بني آدم:
"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)"

فالآيات تتحدث عن بني آدم ثم عن الذي آتاه الله آيات فانسلخ منها, وكيف أن من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فهو الخاسر, وكيف أن كثيرا من القادة والأتباع هم من أصحاب النار –وليس هذا مكتوبا عليهم- وإنما لأن لهم قلوب لا يعقلون بها وأذان لا يسمعون بها وأعين لا يبصرون بها, فهم أضل من الأنعام!

فإذا تركنا سورة الأعراف وانتقلنا إلى الموضع التالي في سورة الكهف قابلتنا الآية الشهيرة:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف : 50]
والتي يستدل بها المستدلون على أن إبليس لم يكن من الملائكة, ولأن الآية محورية في تناولنا فسنذكر ما قاله الإمام الرازي في تناوله لها:
" بيّن في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه . الأول: أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً} [ الصافات: 158 ] {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن} [ الأنعام : 100 ] .
والثاني: أن الجن سموا جناً للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن.
الثالث: أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري, وعن سعيد بن جبير: أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا, رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير.
والقول الثاني: أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم. والقول الثالث: قول من قال كان من الملائكة فمُسخ وغير." اهـ

المشتهر عن إبليس أنه أبو الجن/الشياطين, وهناك من يقول أنه كان واحداً منهم! وهذان القولان يوجدان إشكالين كبيرين:
فإذا قلنا أن إبليس هو أبو الشياطين, فإن الآية تقول: "كان من الجن" وهذا يعني أن هناك غيره, فكيف يكون أصلهم؟!
وإذا قلنا أنه كان من الجن فلماذا خوطب مع الملائكة؟! هناك من يقول أنه اجتهد في العبادة حتى التحق بهم وأصبح معهم!
ولكن هذه الأقوال لا دليل عليها, فلم يُذكر هذا في موضع واحد من المواضع الكثيرة التي جاءت فيها القصة, وإبليس نفسه لم يقل أنه غير مخاطب بالأمر, وإنما قال أنه أفضل منه!!
فإذا قال قائل أن هذه الآية دليل على أنه لم يكن من الملائكة, فلقد قالت أنه من الجن!
نقول: لاحظ أن الآية لم تقل: "إلا إبليس من الجن" وإنما قالت: "إلا إبليس كان من الجن" ورتبت على ذلك فسقه عن أمر ربه!
والعجب كل العجب أن بعض المفسرين جعل "كان" بمعنى "صار" أي أنه أصبح شيطانا بعد المعصية! ومنهم من ألغاها بتاتا فجعلها كأن لم تكن, كأن الآية "إبليس من الجن"!! مع أن الآية تقول أنه "كان من الجن" أي أن هذا كان السبب, كما أنه لم يعد كذلك الآن!

أما نحن فنقول أن إبليس كان واحدا من كبار الملائكة البارزين, فلما خوطبت الملائكة بالأمر أبى واستكبر, فلم يعد كذلك وطُرد وأصبح شيطانا!
ونقدم للقارئ مثالين, الأول مشابه لما يقولون به من أن إبليس لم يكن من الملائكة, ويظهر أن الكلام على قولهم غير مترابط, والثاني يبين كيف أن قولنا يلغي كل الإشكاليات المتعلقة بالآية:

"قلت للموظفين اكتبوا الملفات فكتبوا إلافلانا -كان من البائعين- فلم يكتب!"
(فلان غير مخاطب بالأمر أصلا, وعند توجيه الأمر للموظفين كان بائعا, أما الآن فلم يعد كذلك! –بدليل استعمالي: "كان", ولو أنه لا يزال حتى الآن بائعا لقلت: إلا فلان البائع, ولا حاجة لقولي: "كان"!)

"قلت للموظفين اكتبوا الملفات فكتبوا إلا فلانا –كان من المديرين- فلم يكتب"
(فالكلام هنا مترابط, فلقد خاطبت حشدا من العاملين تحتي بأمر, فنفذوا إلا فلانا, استكبر أن يكتب لأنه كان مديرا –ولذلك طردته فلم يعد الآن كذلك-)
فكما رأينا فقولنا بأن المراد من الجن هو "القادة الكبار" قد ألغى جميع الإشكاليات, فهو كان ملكا, لذلك خوطب بالأمر, ولأنه كان قائدا بارزا استكبر, فلم يعد كذلك!
ولا يعني قولنا أنه أصبح شيطانا أنه أصبح أسودا قبيح الشكل! بعد أن كان أبيضا جميلا!! وإنما فقد المرتبة "ملك" واكتسب دورا آخر "شيطان"
قد يقول قائل: كيف تقول أنه ملك والله يقول أن له ذرية, والملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون؟!
نقول: هذا السؤال ينبغي أن يوجه أولا لمن قال أن إبليس أبو الجن, فيجب أن يُسأل: لماذا خلق الله جنا واحدا وألحقه بالملائكة؟!
وكيف تكاثر إبليس فأنجب ذرية؟ من أين له بالأنثى, إذا كان قد خُلق وحيدا؟!
هل تكاثر بالانقسام الذاتي, أم أنه نكح نفسه -كما جاء في الروايات- فباض عددا من البيضات, في داخل كل واحدة منها "شوشو" صغير!!!

أما نحن فنقول: نعم, الملائكة لا يأكلون ولا يشربون غذاء الدنيا, ولكن ما الدليل على أنهم لا يحتاجون إلى مصدر تغذية/طاقة؟!
إن الملائكة ككائن مخلوق يجب أن يكون متغيرا, ولو قلنا أنهم لا يحتاجون, لكان معنى هذا أنهم أصبحوا آلهة ولساوينهم بالله تعالى!
وإذا سلمنا باحتياجهم, فما المانع من تكاثرهم بشكل ما يختلف عن كل الأشكال الأرضية, فلن نقول بالانقسام الذاتي ولن نقول بزوج, فالله أعلم كيف يكون ذلك!
هذا وإن كنت أميل إلى أن المراد من "ذريته" في الآية هو كبار المجرمين الذين يتبعونه, والذين يتبعهم عامة الناس, ويتخذونهم أولياء من دون الله!
فالذي يجب أن نلاحظه هو أن الله تعالى لم يقل: أفتتخذونه وأبناءه أولياء من دوني, وإنما قال "ذريته", والذرية لا يراد منها الأبناء فقط, فهي أصلا تدل على البذر والزرع –كما جاء في معجم مقاييس اللغة-, فهؤلاء الذين نسميهم "نبتة شيطانية" الذين هم غرس الشيطان, ينهانا الله عن اتباعهم!

فإذا تركنا سورة الكهف وانتقلنا إلى سورة النمل, وجدنا أن "الجن" قد ذُكر فيها في موضعين اثنين, هما قوله تعالى:
" وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل : 17]"
" قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل : 39]"

وهؤلاء الجن الذين حشروا لسيدنا سليمان عليه السلام كانوا شياطين, كما جاء في قوله تعالى:
" قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ص : 35- 38]"
فلم يكونوا جنا (عاديين) وإنما كانوا شياطين, ونحن نقر بوجود الشياطين, ونقول أنهم كانوا ملائكة وتشيطنوا, لذلك فلديهم هذه القدرات.

فإذا تركنا سورة النمل وانتقلنا إلى سورة سبأ, وجدنا أنه قد ذُكر "الجن" ثلاث مرات, مرتين مع سيدنا سليمان, وهما قوله تعالى:
" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ : 12-14]"
وكما قلنا سابقا فإن هذا الجن المذكور هم الشياطين وليسوا (عفاريت)!
(ولقد تناولنا سورة سبأ بتفصيل جيد, وأظهرنا الوحدة الموضوعية لها, على صفحات الموقع فليُرجع إليها)

فإذا انتقلنا إلى الموطن الثالث, وجدنا أنه يحتمل أن يكون المراد منهم "الشياطين" كذلك, أو يراد منهم كبار المجرمين من البشر (السادة المترفون) أو كلاهما معا, ونذكر للقارئ الكريم السياق الذي وردت فيه الآية:
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)

وكما رأينا في الآيات, فهي تحكي تنازع المستضعفين المستكبرين وكيف أنهم هم السبب في عدم إيمانهم, وتبرأ المستكبرين منهم, وكيف أن المستكبرين هم من يتصدون للدين ويسعون لإبطاله, وأنهم يربطون الرزق بصحة المسلك, وفي هذا اليوم يُحشر المستضعفون والمستكبرون ويسأل الله الملائكة: هل كانوا يعبدونكم فقط؟ فيتبرأ منهم الملائكة ويقولون أنهم كانوا يعبدون الجن! أي أنهم كانوا يطيعونهم فيما يأمرونهم به, سواء كان المراد من الجن الشياطين أو كبار القوم المترفين (وإن كنا نرجح أن المراد من الجن هنا كبار القوم الذي أمروهم فأطاعوا!)

فإذا انتقلنا إلى سورة فصلت, وجدنا أن "الجن" ذُكر في موضعين متتالين, وهما قوله تعالى:
"وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)"

فالله تعالى يقول أنه قُيض لأعداء الله قرناء من الشياطين, -كما جاء في قوله: "وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف : 36]"-
فحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس (ونفس ما قيل في الأعراف بشأن "أمم ... من" يقال هنا)
فالحديث عن أمم قد خلت قبل المكذبين بالقرآن, فكذبوا برسلهم وكتب ربهم فحق عليهم العذاب, والناس لا يعلمون إلا بتاريخ الناس, وليس عندهم أي دراية بتاريخ الجن!! وعندما يدخل الذين كفروا النار يودون أن يريهم الله الذين أضلوهم من "القادة ومن الأتباع العوام" ليجعلونهم تحت أقدامهم!

فإذا انتقلنا إلى سورة الأحقاف وجدنا أنها تؤيد أن المراد من "أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس" هو أمم البشر ولا علاقة بالعفاريت بها!
والناظر في السورة يجدها تجادل الذين يعبدون من دون الله (أسيادهم/رجال دينهم/ عيسى ... الخ, والحديث هنا عن عبادة عاقلين وليس جمادات) فيسألهم الله أين ما خلقوا أم لهم شرك في السماوات, وتبين أنهم على ضلال مبين وأن من عبدوهم سيكفرون بعبادتهم:
"قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) (...........)"

فإذا وصلنا لأول موطن ذُكر فيه "الجن" نجد أنه قد جاء بنفس التركيبة التي جاءت في سورة فصلت والأعراف "في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس", ونفس ما قيل هناك يقال هنا, إلا أنه يضاف إليه أن الآية السابقة قد أكدت هذا المدلول, فالله تعالى يقول:
"وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)"
فالذي يستبعد أن يُخرج يستدل على والديه بأن القرون قد خلت من قبله ولم يُخرج أحد, -والقرون هم الأجيال وليست السنين الزمنية-, فيقول الله أن أولئك المكذبين حق عليهم القول وخلوا كما خلى السابقون!
فنلاحظ أنه يستدل على والديه بخلو القرون, -الأجيال والأمم السابقة-, فقال الله أن المكذبين حق عليهم القول في أمم قد خلت قبلهم من الجن والإنس.

فإذا انتقلنا إلى الموضع الثاني وجدنا أنه جاء في سياق الحديث عن نصرة الله لأوليائه وإهلاكه لأعدائه, فالله تعالى يقول:
"وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَبِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِوَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) ..... فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)"
فلقد أنذر هود عادا بالأحقاف فلم يؤمنوا فأهلكوا فلم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم, ولقد أهلك الله القرى المحيطة بمكة وصرف الله لهم الآيات, فلم تنفعهم آلهتهم التي اتخذوها ولم ترفع عنهم العذاب.
وإذا كنتم يا أهل مكة لم تؤمنوا بمحمد فإن من نصرة الله له أنه صرف إليه نفرا من الجن يستمعون القرآن, ولما استمعوا آمنوا وولوا إلى قومهم منذرين.
والدليل القاطع على أن هؤلاء الجن كانوا بشرا متخفين من قبائل أخرى أتوا ليستمعوا النبي قولهم لقومهم: " فَلَيْسَبِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ"
فهم ينتمون إلى قوم يعيشون في الأرض, فهذا دليل على أنهم بشر عاديون وليس جنا يطير ويصعد السماء! ولو كانوا يطيرون في السماء لما كان للكلمة معنى!
والدليل الثاني قولهم: "وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ"
فإذا كان البشر يتولون الجن ويستقوون بهم ويعوذون بهم –كما يدعي أصحاب الفهم التقليدي- فمن يتولاهم الجن؟!

أما نحن فنقول أن هؤلاء ينذرون قومهم أن عليهم الإيمان بالرسول ليغفر الله من ذنوبهم ولكي يجيرهم الله من العذاب في الدنيا فلا يهلكون, (لاحظ أنه قال: عذاب أليم, ولم يقل: العذاب الأليم)
ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض, فمهما فعل وأينما ذهب فسينزل به العذاب في الدنيا, وليس له أولياء ينصرونهم, أو يرفعون عنهم العذاب, ثم يأمر الله النبي بالصبر على قومه ولا يستعجل لهم العذاب, فكأنهم يوم يرون ما يوعدون –وهو العذاب نازلا بهم- لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.


فإذا تركنا سورة الأحقاف وانتقلنا إلى سورة الذاريات, وجدنا أن "الجن" ذُكر كذلك في معرض التوعد, فالله تعالى يقول:
"فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)"
فالله تعالى يأمر النبي بالتذكير, وأنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه, فهو لا يريد منهم رزق ولا إطعام, فالله هو الرزاق, وعلى الظالمين ألا يستعجلوا العذاب, فويل لهم من يومهم الذي يوعدون!

أما على فهمنا نحن فنقول:
يأمرنا الله تعالى بالفرار إليه وألا نجعل معه إلها آخر, (ولأن أكثر الناس يعبدون سادتهم وكبراءهم) يقول الله تعالى لهم أنه ما خلق السادة ولا الأتباع إلا ليعبدوه, فهو لا يريد منهم رزقا, ويذكر الأتباع الذين يعبدون السادة بسبب ظنهم أنهم يرزقونهم, بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين, وأن للذين ظلموا ذنوبا من العذاب مثل ذنوب أصحابهم, فلا يستعجلون نزوله, فويل لهم من يومهم الذي يوعدون.


فإذا انتقلنا إلى سورة الرحمن, وجدنا فيها دليلا قاطعا آخر على أن الإنس والجن هما "إنسان/بشر", فالله تعالى يخاطب الإنسان في أول السورة, ويأمرهم بإقامة الوزن وعدم تخسير الميزان, ثم يقول لهم بعد ذلك: فبأي آلاء ربكما تكذبان! ولله الحمد فلم يكن هناك أي مذكور يعاد عليه ضمير المثنى من أول السورة إلى الآية الثالثة عشر إلا الإنسان!
فإذا قلنا أن الله تعالى خاطب البشر بصيغة الجمع, ثم عاد وقسمهم إلى قسمين –سيبينهما بعد آيات- فلا إشكال, وهذا هو المنطقي:
الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)

أما أن نقرأ هذه الآيات ثم نقول أن الله تعالى يخاطب البشر وكائنا آخر, فما الدليل على هذا؟ إن هذا الكائن لم يسبق له ذكر, وليس هذا من المفهوم بداهة, مما لا يختلف عليه اثنان!!

وبعد ذلك يقول الله تعالى:
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) ....... سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)

فالله يتحدث عن مادة خلق الإنسان ومادة خلق "الجان" (وليس الجن), ثم يخاطب معشر الجن والإنس –وهذا يعني أنهم قوم يتعاشرون يعيشون مع بعضهم, لا أن هذا يعيش في عالم والآخر في عالم آخر!- بأنهم إن استطاعوا أن ينفذوا .... الخ

فإذا واصلنا قراءة الآيات تأكد أن الإنس والجن جنس واحد, وأن "الجان" غيرهما فالله العليم يقول:
"يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40)"
فالإنس والجن يرسل عليهما شواظ من نار ونحاس, وهذا يعني أنهم يعيشون مع بعض, وأن العذاب ينزل بهما سويا!


ونلاحظ أنه عند حديثه عن الآخرة لم يقل: "فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جن", وإنما قال: "إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ", وذلك لأن الإنس جنس , والجان جنس آخر.
وفي الآيتين الأخريين اللتين ذكر فيهما الطمث, نجد أن الله تعالى يذكر "الجان" وليس "الجن", فيقول: "لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ"

وبهذا نكون قد أنهينا كل الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر "الجن", وكما رأينا فالآيات تتحدث عن صنف من البشر, وليس عن صنف آخر!
أما الآيات التي تتحدث عن "الجان" و"الجنة" فهي تتحدث عن صنف آخر غير البشر, ف: "الجان" مقابل "الإنسان", و: "الجنة" مقابل "الناس".


فإذا نظرنا في الآيات السبعة التي ذُكر فيها "الجان" في القرآن وجدنا الله يقول:
"وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: 27]"
فبعد أن ذكر أن الإنسان مخلوق من صلصال من حمأ مسنون, يعرفنا بمادة خلق الجان وأنه خُلق من نار السموم.
وكذلك في سورة الرحمن, فبعد أن ذكر أن الإنسان مخلوق من صلصال كالفخار يقول أن الجان مخلوق من مارج من نار:
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [الرحمن : 15]

وفي سورة النمل والقصص يقول أن سيدنا موسى لما رأى العصا تهتز كأنها جان (ثعبان كبير كما قال المفسرون) ولى مدبرا ولم يعقب:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل : 10]
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [القصص : 31]

والثلاث آيات الباقيات ذُكرت في سورة الرحمن:
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ [الرحمن : 39]
فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن : 56]
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن : 74]

والناظر في القرآن يجد أن الله عز وجل لم يذكر "الجن" مع "الناس" قط, فلم يقل: "الجن والناس" ولو قالها مرة واحدة, لكان معنى هذا أن الجن غير الناس, وإنما يذكره مع ال "إنس", فيقول: "الجن والإنس", وكذلك قال "إنس وجان" أما مع "الناس" فيذكر "الجنة". وذلك لأن الجان مفرد الجنة, كما أن الإنسان مفرد الناس!
ولأن الله تعالى عطف الناس على الجنة "من الجنة والناس", فلا يمكن أن يكون الجنة من البشر وإنما هم خلق آخر, وهذا الخلق هو الملائكة أو الشياطين (الذين كانوا ملائكة ثم تشيطنوا)

فإذا نظرنا في المواطن التي ذكر الجِنة, وجدنا أنها تتحدث صراحة عن جنس منفصل عن البشر:
والدليل قوله تعالى " وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات : 158] "
فالآية تتكلم عن جعل المشركين نسبا بين الله والملائكة, فلقد قالوا أن الملائكة بنات الله: " وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ [النحل : 57]"
وهو قول فاسد, تعالى الله عما يصفون.

وكذلك قوله تعالى: "إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود : 119]",
وقوله جل وعلا: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة : 13]"
فالآيات تتحدث عن تحقق كلمة الله أنه سيملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين, تلك الكلمة التي قالها الله له في مبتدأ البشرية:
"قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)"
فمن يتبع إبليس من الملائكة (فيصبح شيطانا مثله) ومن يتبعه من الناس, فسيملأ الله عز وجل جهنم منهم أجمعين.

والموطن الأخير الذي جاء فيه ذكر الجنة قوله تعالى:
"مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس : 6]"
فالإنسان يستعيذ بالله من شر الوسواس الخناس سواء كان من الجنة أم من الناس!
وبما أننا نتكلم عن الجِنة, فلا بد أن نلفت انتباه القارئ إلى أن المراد من تعبير "به جنة" أو "مجنون" الواردان في القرآن, لا يعنيان أنه مخبول لا يعقل ولا يعي ويتصرف بطيش, وإنما العكس تماما, فالعرب كانت تنسب كل فعل غير مألوف وخارق للعادة وعظيم الإتقان إلى الجن! وكانوا يسمون صاحبه بأنه "عبقري" نسبة إلى وادي عبقر, والذي كانوا يدعون أن الجن تسكنه, فلما جاءهم الرسول الكريم وقرأ عليهم القرآن, راعهم هذا النص العجيب, فقالوا أن الرسول به جنة, أي يأتيه صاحب من الجن فيملي عليه القرآن:
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون : 25]
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون : 70]
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأعراف : 184]
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ [سبأ : 8]
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ : 46]

فلم يكن أهل قريش بعظيمي الحمق حتى يقولوا أن من يأتي بمثل هذا القرآن مخبول, فإذا كان من يختلق هذا مخبولا, فما هو حال الباقين؟! وإنما كانوا يريدون التعريض به والقول أنه شاعر عظيم أو معلم شديد التعلم, غريب الأطوار والأقوال, يسجع كما يسجع الكهان! إلا أنهم لم يعنوا أبدا ب "مجنون" أو "به جنة" الاستعمال المتأخر الذي أصبحت الكلمة تستعمل به!
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات : 36]
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ [الدخان : 14]
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات : 39]
فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور : 29]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر : 9]

نخرج من هذا المبحث الطويل بأن الناس/البشر يتكونون من "إنس وجن", وأن الجنة خلق مستقل عن البشر, وهم الملائكة والشياطين.
وإذا فهمنا أن "الجنة" تُطلق على الشياطين, وأن "الجن" يصدق عليهم, وعلى غيرهم من سادات وكبار البشر الذين يعملون في السر والخفاء, فإنه يحل إشكالية كبرى, وهي: أين يذهب الجن الطائع؟
فإذا نحن نظرنا في القرآن وجدنا أنه يذكر الجن أو الجنة – الصنفين- دوما في النار ولم يذكرهم قط في الجنة, فسبّب هذا مشكلة للسادة القائلين بوجود جن طائع, فلماذا لم يذكره الله تعالى في الجنة مع المؤمنين, وإنما يذكره دوما في النار؟
فإذا كان قد كُلف بنفس التكليف الذي كُلفه البشر, فلماذا يثاب البشر بالجنة ولا يدخلونها مثلهم؟!
لو كانوا لا يدخلون الجنة ولا جهنم لقلنا أن هذا قد يكون مقبولا –بدرجة ما- أما أن يُعاقب عاصيهم ولا يثاب مطيعهم, فهذا من العجب العجاب!
ولقد حاول بعض العلماء تفادي هذه الإشكالية, فقالوا أن الجن يكونون في مكان يراهم البشر من حيث لا يرونهم عكس ما كانوا في الدنيا, و أقوال أخرى لا دليل عليها إلا الظن. فاليقين أن الله لم يذكر لهم حال في الجنة!

ولمّا لم يكن لهذا الصنف الرابع (العفاريت) – بعد البشر والشياطين والملائكة– وجود فلم يجر له ذكر في القرآن, أما الشياطين والسادة الكبار أصحاب الأعمال الشريرة فإنهم سيدخلون النار ولا مأوى غيرها لهم, فذكر القرآن حالهم, و ذكر حال المتقين من الإنس في الجنة.

فهذه هي الأدلة التي يستدلون بها على وجود صنف رابع وهي أدلة تؤدي إلى التناقض والتضارب حتى أنهم لم يجدوا مكانا للطائع من جنهم المظنون هذا.

خطاب للإنسان
وبعد أن ناقشنا الآيات التي ورد فيه "الجن", وبيّنا الفرق بينه وبين الجنة, نبيّن له بالأدلة القاطعة, كيف أن الله لم يخاطب العفاريت في كتابه أبدا, ومن ثم –فحتى على فرض وجودهم بالشكل الخرافي- فإنهم غير مخاطبين بالقرآن:
(وإحقاقا للحق فإن هذه الأدلة مأخوذة عن الجماعة الأحمدية)

1- ما خاطب القرآن إلا الناس, فلم يخاطب الجن قط, فالناظر يجد أن الله عز وجل قال في كتابه: "يا أيها الناس" في عشرين موضعا, و ما قال في موضع واحد "يا أيها الجن", فلم؟ وقال "يا أيها الإنسان" مرتين, فلماذا لم يقل "يا أيها الجان"؟
2- أنزل الله كل الكتب لتحكم بين الناس, "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة : 213] , فلم لم ينزل الله العليم كتبا لتحكم بين الجن؟
3- خاطب الله بني آدم في القرآن أربع مرات في الدنيا ومرة في الآخرة, ولم نجد أنه خاطب بني الجن أو بني النار قط.
4- يضرب الله الأمثال للناس فقط, "وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور : 35]", فلم لا يضرب أمثالاً للجن؟
5- بيّن الله آياته للناس فقط, " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 187]" , فلم لم يبينها للجن؟
6- أنزل الله القرآن والكتب نوراً وهدى للناس, "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ [البقرة : 185], "قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ ....[الأنعام : 91] , فلم لم ينزل كتباً هدى للجن؟
7- الأنبياء والرسل أرسلوا من الناس للناس فقط, "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف : 109] , " وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان : 20] " , فلم لم يرسل الله رسلا إلى الجن؟
8- سيحاسب الله الناس فقط, "اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [الأنبياء : 1]", ألن يحاسب الجن؟
9- أين كان هذا الجن المؤمن في مواقف الشدة, التي كان يحتاجه المسلمون فيها؟ ولماذا لم يتدخل الجن الكافر كذلك نصرةً للكافرين؟
نحن لم نجد أي ذكر في هذه المواقف إلا للملائكة أو الشيطان! فمثلا:
" ِإذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ ...... [الأنفال : 12] "
"وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال : 48]"
فأين هؤلاء الجن المؤمن أو الكافر ؟
10- قوله تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب : 72] "
فهذه الآية تصرح بأن الإنسان هو الذي حمل الأمانة, فلو كان الجن -كما يدعون- خلق مستقل مخاطب بالقرآن, فهذا يعني أنها نست الجن!! أما إذا رأينا أن من البشر من هو جن, فلا تعارض ولا خلاف.
11- قوله تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم : 30] "
فالله تعالى جعل الدين الفطرة التي فطر الناس عليها, و لم يقل أنه فطر الجن عليها, أفلا يكون من التكليف بما لا يُطاق, أن نطالب الجن بالإيمان بما هو غير مفطور عليه؟

فهذه أدلة كثيرة على أن الجن غير مخاطب بالقرآن , فلا يمكن لأحد – ممن يقول بأن الجن خلق مستقل- أن يدعي أن الله يخاطب الإنس ويعتبر الجن مخاطبا بالجملة, فالإيمان والكفر والأوامر من الله لا توجه إلى الخلق بالإشارة والتضمن والتلميح, بل تكون صريحة لا وجه لأي لبس فيها.
فالسادة العلماء قالوا: هناك خلق مختلف مكلف ومخاطب بالقرآن اسمه الجن, ولكنا لم نجد الله يذكر هذا التكليف أبدا, فالله يخاطبنا نحن ثم نصر على أن هناك خلق آخر داخل معنا في هذا الخطاب, فما دليلنا على هذا الإدعاء؟
العفاريت, كخلق مستقل عن الإنسان
دخول الجن في الإنسان

وبعد أن أظهرنا كيف أن الله العليم لم يخاطب بكتابه إلا البشر, نتوقف مع المسألة الشهيرة والتي نسمع بها كثيرا, وهي مسألة دخول الجن في الإنسان! وكيف أنه يمكن إخراجه بالقرآن!
وعلى الرغم من أنها مسخرة واستخفاف بعقول الناس, ولم يرد لها أي ذكر في كتاب الله, إلا أن كثير من المسلمين يؤمنون بها, ويتجادل المثبت مع النافي جدالاً عقيماً, ويظل كل منهما على موقفه, وذلك لتقبلهم لوجود العفاريت, كخلق مستقل عن الإنسان!
وعلى الرغم من أننا قد أثبتنا عدم وجود ذلك الصنف المزعوم, فإننا سنذكر الأدلة على استحالة دخول الشياطين, فربما انتقل الجدل إلى الشياطين بعد نفي وجود العفاريت, أو دخول الجن –إذا وجدوا– في الإنسان, ليجد المصدق بما نقول الأدلة الكثيرة, والأدلة على ذلك أظهر ما يكون, وبغض النظر عن الروايات الواردة في هذا الشأن و التي هي كلها ضعيفة[1] , ننظر في القرآن لنر كيف ينفي القرآن هذه الخرافات:
1- يقول الله العليم: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُممِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ...... [إبراهيم : 22]"
فإذا كان الشيطان الأكبر ليس له على الإنسان أي سلطان إلا الدعوة, فما بالنا بالشياطين الأخرى, و من باب أولى فلا سلطان للعفاريت المزعومة.

2- يقول الله تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً [الإسراء : 82] " ,
ويقول " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [يونس : 57] " ,
و يقول " وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف : 154] "
فالكتب كلها هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور, والذي لا يتبعها يكون من الخاسرين, فبالله عليكم كيف يؤذي القرآن الجن؟
وإذا كان القرآن يؤذيه لدرجة أنه قد يحرقه!!, فكيف نطالبه بالإيمان به والاستماع إليه حتى يدخل في الإسلام؟, و كيف استمع الجن المزعوم إلى القرآن أيام الرسول و لم يحترقوا؟
والقرآن كما يقول عن نفسه: " ...... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ... [فصلت : 44]"
وهذا معناه أنه لا يجدي معهم ولكن لا يمكن أن يعني أنه يحرقهم!!

3- يقول تعالى: "و َلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء : 141]"
فإذا كان الجن –الكافر طبعا- يركب الإنسان ويسيطر على عقله, فقد سيطر عليه وأسقط عنه التكليف, والله ينفي أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا, فهل هناك سبيلٌ أقوى من هذا؟

4- القرآن يُتلى في كل مكان في العالم الإسلامي, في البيوت وفي المساجد وفي الطرق وفي وسائل المواصلات, أفلم يسمع الجن الموجود حولنا القرآن؟
بداهةً هو يسمعه شاء أم أبى, ولا يؤثر فيه بتاتا, فلماذا يؤذيه إذا كان فقط من الشيخ الذي سيخرجه؟ (ربما لقبح صوته!)

5- عقلا: لم لا يخرج الجان عند مجيء الشيخ العبقري البركة, ويدعه يضرب المسكين حتى يكاد يهلكه ثم يعود مرة أخرى بعد انصراف الشيخ؟

6- ما الحكم إذا مات المضروب تأثراً بضرب الشيخ؟ هل نطبق على الشيخ حكم القتل العمد, أم نطبقه على أهله أم على كليهما؟ لأنه لا دليل على أن الجن يتأثر بالضرب المادي, الذي ينزل على جسم البشري؟

7- لماذا لا يركب الجن إلا الشرقيين, لم لا يركب الغربيين أم أن الشرقيين لهم مذاق خاص؟

هذه هي أهم الأدلة على أن الشيطان ليس له أي سلطان على الإنسان إلا الدعاء!

نخرج من هذا المبحث الطويل إلى أن القول الذي نقول به هو الوحيد, الذي ألغى جميع الإشكاليات والتعارضات التي ألصقها الآخرون بالنص القرآني! والذي هو وربه منها براء!
وكما رأينا فقد أدى النظر الغير دقيق في كتاب الله وإتباع المنهج الاعتباطي في فهم آياته إلى ظهور خرافة كبيرة أثرت في حياة الكثير من المسلمين تأثيراً كبيرا, فلقد تحكم الجن فيهم, وأصبحوا يعبدونهم وهم لا يشعرون, وهذا أخطر من النقطة الأخرى, والتي هي سيادة الفكر الخرافي وتحكمه في المسلمين وبعدهم عن الفكر العلمي و منهجه.

فلقد سيطر الجن (المترفون/كبار رجال الدين/السياسيون) على مجتمعاتنا, وأصبحوا يتحكمون فيها كما يحلو لهم, يشرعون على خلاف شرع الله, ويسنون القوانين التي تخدم مصالحهم, وأصبح العوام عبيداً لهم, يعبدونهم ويدعونهم ويتوسلون إليهم ويرجون منهم الرزق! ونسوا أن الله هو الذي يرزق, وأنه يرزقهم كما يرزق أسيادهم, فهو الرزاق ذو القوة المتين!
أصبح أكثر العوام عابداً لهم وللشياطين, وهو لا يشعر ولا يدري! ويظن أنه عابدٌ لله! سائر على هداه!!
لذا فإننا ندعو الناس إلى أن يفيقوا وينتبهوا من غفلتهم, وألا يخشوا الجن الخرافي, فليس له وجود ولا تأثير في حياتهم, وإنما كل التأثير من المترفين, الذين يفسدون في الأرض! فمع هؤلاء يجب أن تكون المعركة الحقيقة!

ندعوهم إلى أن يدركوا العالم حولهم, ودورهم فيه! فلقد خلقهم الله بشرا, وجعلهم خلفاء الأرض, وأمدهم بوحيه ليعرفهم طريقه, ولهذه المنزلة العظيمة انحرف عدد من الملائكة, الذي كان يفترض فيهم مساعدتنا في حياتنا, فأصبحوا يغووننا, ولا يتدخل الهداة في دنيانا إلا بقدر بسيط بإذن الله! أما الغواة فلم يأذن الله تعالى لهم في التدخل فيها إلا مرة واحدة –مسخرين لنا كذلك- مع سيدنا سليمان, وما عدا ذلك فالإنسان يشق طريقه معتمدا على نفسه, متبعا لنور الله!

أنا أعلم أن هذا الرأي سيسبب صدمة كبيرة للقارئ, وفي الغالب لن يتقبله .. بسهولة!, ولكني أدعوه إلى أن يقارن بين ما قلنا به وبين ما قاله الآخرون بمنطق العقل, ندعوه أن لا يحمله إلف القديم على رفض الجديد, فليس القديم دوما هو الصواب! ونحن لا نتعجل فما سيرفضه القارئ اليوم سيسلم به غدا بإذن الله .

لقد آن الوقت ليكون عندنا الجرأة والشجاعة لنبذ الخرافة, وإعلان تبرأنا منها, ولفهم معركتنا الحقيقة والاستعداد لها ... وأول خطواتها أن نبرأ من كل شرك ونخلص عبادتنا لله .... فلا نعبد ... الجن!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[صورة مرفقة: red-angel-starry-sky.gif]
01-01-2011 05:32 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الفكر الحر غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات : 2,191
الإنتساب : Oct 2009
مشاركات : #2
الرد على: أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا
كتاب الجن في القرآن الكريم / هاني طاهر 700KB
http://islamweb.jimdo.com/app/download/2...1256179623
VIDEO حقيقة الجن / هاني طاهر
http://www.youtube.com/watch?v=g8Z05p4rq...D2&index=1
http://www.youtube.com/watch?v=g8Z05p4rq...D2&index=1
الأحمدية > أسئلة وأجوبة > الجن :
http://www.islamahmadiyya.com/qa.asp?cat...t=0&page=1
http://www.islamahmadiyya.com/qa.asp?cat...t=8&page=2

[صورة مرفقة: red-angel-starry-sky.gif]
(آخر تعديل لهذه المشاركة : 01-02-2011 12:01 AM بواسطة الفكر الحر.)
01-01-2011 11:52 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الفكر الحر غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات : 2,191
الإنتساب : Oct 2009
مشاركات : #3
الرد على: أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا
3 كتب ( حقيقة الجن ) رابط واحد 10mb
http://www.box.net/shared/h080l1sb3d
http://www.4shared.com/file/zY7E00ag/__online.html
مقدمة كتاب :::: الجن حقيقة أم خيال؟:::::
قال الله تعالى في الآيات 192/193/194/195 من سورة الشعراء (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ.نزل به الرّوح الأمين.على قلبك لِتكون من المنذرين.بلسانٍ عربيّ مبين.) فقول اللّه تعالى بحقّ كتابه العزيز أنّه أنزله (بلسانٍ عربيٍّ مبين) يعني أنّ اللّه تعالى قد أنزل كتابه العزيز بلغةٍ عربيّةٍ لها نسبٌ صحيحٌ في تاريخ الأمة العربيّة (محيط المحيط)
فماذا نقصد من قولنا (بلغةٍ لها نسبٌ صحيحٌ) ؟
القصد هو أنّ اللّغة العربيّة التي أنزل اللّه العزيز هذا القرآن العظيم بها تتميّز عن بقيّة لُغات العالم بأنّها لغةٌ علميّةٌ قائمةٌ على قوانين وأصول لذلك فإنّ مفرداتها تشكّلُ مجموعات وتدور كلّ مجموعة منها حول مصدرٍ ثلاثيّ الأحرف ويحافظ كلّ لفظٍ من كلّ مجموعة على أصله ونسبه المتّصل بالمصدر الذي اشتقّ منه.وإلى هذا النّسب وحقيقته يستند أعضاء مجامع اللّغة العربيّة في عمليّة وضعهم ترجماتٍ لألفاظ أجنبية.

وما دام بحثنا هذا يتعلّقُ بكلمة (جنّ) فقد كان من واجب الباحث أن يتحرّى عن نسب هذه الكلمة في معاجم اللّغة.وليس أن يأخذ لها معنى متداولاً بين الناس المعاصرين ولمجرّد التّقليد.هذا إن كان يريد وجه اللّه تعالى وخدمة كتابه العزيز.خصوصاً وأنّ كلمة (جنّ) هذه قد وردت ضمن آيات هذا القرآن العربيّ اللسان أكثر من ثلاثين مرّة.ولا يُعقلُ أنّ يكون اللّه تعالى استعمل هذا اللّفظ تقليداً ومن دون اشتقاقٍ ونسب.

وانطلاقاً مما ذكرناه فإنه كان من واجبنا التّعرّف إلى مجموعة نسب هذه الكلمة المؤلّفة من ثلاثة أحرف وهي كلمة (جنّ) وليس أن نُعطي هذه الكلمة معناها المتداول بين عامّة النّاس خطأ أولئك الذين يُسيئون إلى كتاب اللّه العزيز ويكسبون غضب اللّه تعالى عليهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون و بما يفهمونه من معنى تقليديّ متوارث عن المفهوم الوثنيّ الجاهليّ الذي يتنافى ومُعطيات النسب العربيّ لهذه الكلمة الواردة في هذا القرآن الكريم.
والذي يتبيّن من معاجم اللّغة العربيّة هو أنّ الفعل من كلمة (جنّ) هو(جَنَّ أو جُنّ) فنقول :جنَّ الليل على فلانٍ ومعناه أنّه أظلم عليه و ستره.والرباعي من هذا الفعل أجنّ حيث تقول :أجنّه اللّيلُ معناه ستره وأخفاه.أو تقول أجنّ فلانٌ الميّت والمعنى أنه كفّنَ الميّت.وجَنانُ النّاس مِعظمهم ودهماؤهم والجُنان هو تُرس المحارب.والجانّ اسم فاعل واسم جمعٍ للجنّ ويُقصد بالجان حيّةً بيضاء كحلاء العين لا تؤذي وتختبئ في الدّور.والجنان أيضاً هو اللّيل ومن كلّ شيءٍ جوفه والقلب أو روعه والروح جمعه أجنان .والعرب يقولون :لا جِنّ في هذا الأمر أي لا خفاء فيه.والجنَن: هو القبر والميّت والكفن وهو مأخوذٌ من معنى الستر جمعه أجنان.
وخلاصة هذه المعاني كلّها هو أنّ كلمة (جنّ) اشتقت إمّا من قولك جنّ الشيء ومعناه هيمن وستر. وإمّا من قولك جُنّ الشيء بمعنى استتر واختفى عن الأنظار. وهكذا نكون قد تعرّفنا من خلال مراجعتنا لمعاجم اللّغة العربيّة على اشتقاق ونسب هذه الكلمة (جنّ). ولا يجوز لنا بالتّالي أن نأخذ بما ذكره أبو وهب من أنّ الجنّ هم مخلوق منهم مَن يولد لهم ويأكلون ويشربون ومنهم من هو بمنزلة الرّيح .ولا أن نأخذ بأقوال غيره ممَّن اعتقدوا هذا الاعتقاد وهم الذين أوردوا كلمة (جنّ) اسم جنس.على حين أنها صفة وليست باسم جنس ويوصف بها كثيرٌ من الأشياء.
وعلى هذه الصورة واستناداً إلى مُعطيات نسب هذه الكلمة (جنّ) فقد كان من واجب الباحث أن يتقصّى كلّ كلمةٍ من كلمات الجنّ التي أوردها كتاب اللّه العزيز وأن يتحرّى معناها بدلالتها الوصفيّة وليس باعتبارها اسم جنس.
الدليل على أنّها وردت صفة
ويسألني القارئ العزيز هنا:ولمَ ترفض أن يكون القرآن الكريم قد استعمل كلمة (جنّ) دلالةً على اسم جنسٍ وعلى وجود مخلوقٍ غير الإنسان ؟

وهو سؤالٌ وجيهٌ حقّا.إذ ما هو دليلي القاطع على أنّ هذه الكلمة (جنّ) لم ترد في هذا القرآن الكريم دلالةً على مخلوقٍ آخر غير الإنسان يتوالد ويأكل ويشرب وكيانه العضوي مخلوقٌ من مارجٍ من نار وعلى حسب ما ورد هذا التّعبير في هذا القرآن الكريم نفسه.؟
ولا يسعُني في هذه المقدّمة أن أمرّ على هذا السؤال مرور الكرام.بل أرى أنّ من واجبي تقديم الدّليل المُقنع على ما زعمته.وما دمت سأقدّم للقارئ الكريم هذا الدّليل فلا بأس من أن أقدّم له أكثر من دليلٍ لإثبات مصداقيّة ما ذكرته ولأدخلَ إلى فؤاد قارئ العزيز مزيداً من الطمأنينة إلى ما أردت بحثه من أجله في هذا المجال.
لكني قبل ذلك أرى أن ألفت نظر القارئ إلى الآية 100 من سورة الأنعام تلك التي نفى اللّه عز وجلّ من خلال مضمونها وجود مخلوق اسمه (جن) كان قد زعم المشركون وجوده ظنّاً وعن غير علم.
فلقد قال اللّه تعالى في الآية المذكورة من سورة الأنعام (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ.) فهذه الآية الكريمة وردت بصدد نفي ما اعتقده المشركون بدليل أنّه تعالى أنهاها بقوله (سبحانه وتعالى عمّا يصفون).
أفلا تلاحظ يا عزيزي القارئ كيف أنّ اللّه تعالى استهلّ هذه الآية الكريمة بقوله (وجعلوا للّه شركاء الجن وخلقهم) ؟ فلو أنّه تعالى كان قدقال (وجعلوا الجنّ شركاء للّه) لكان اللّه تعالى قد أقرّ بوجود مخلوق اسمه (الجن) لكن ما دام اللّه تعالى قد قال (وجعلوا للّه) فالجعل في اللّغة العربيّة يعني التصيير. وكأنّه تعالى قد قال بألفاظ أخرى : إنّ المشركين في الجاهليّة قبل الإسلام اعتقدوا بوجود مخلوق اسمه (الجن) وزعموا أنّ اللّه تعالى خلق هؤلاء الجنّ أيضاً فتخيّلوا أنّ لهذا الجنّ الموهوم قدرات هي أعظم من قدرات الإنسان وبذلك صّيروا (الجنّ) الذي زعموا وجوده في الوقت نفسه شريكاً للّه تعالى فيما يحمله من صفاتٍ مزعومة.
ولقد أضاف اللّه تعالى وقال (وخرقوا له بنين وبناتٍ بغيرِ علم) أي وبالإضافة إلى هذا الزعم فقد افتعل المشركون زعما آخر وهو وجود بنين وبنات للّه تعالى ظنّاً من عند أنفسهم و(بغير علم) أنّ للّه بنين وبنات توهّموا وجودهم عنده قياساً على أنفسهم.وهنا نفى اللّه تعالى مزاعم المشركين هذه جميعها وقال في الفقرة الأخيرة من هذه الآية الكريمة (فسبحانه وتعالى عمّا يصفون) أي تنزّه اللّه أن يكون قد خلق هذا المخلوق الذي زعم المشركون أنّ اسمه جنّ وتنزّه اللّه عن أن يكون له بنين وبنات .
فهذه الآية الكريمة يا عزيزي القارئ تبدو لي صريحة الدّلالة. فهي تنفي وجود مخلوق اسمه (جن) وتنسب الزعم بوجوده إلى عقائد المشركين.وكأنّها تدفع بالقارئ الكريم ليأخذ من كلمة (جن) الواردة أكثر من ثلاثين مرة في كتاب اللّه العزيز بمعناها الوصفيّ وليس لتدلّ على أنّها اسم جنس لمخلوق موهوم. فهذا منطلقٌ وضعه اللّه تعالى بين أيدي المفكّرين والمفسّرين المسلمين لينطلقوا على أساسه لفهم كلمة (الجن)الواردة في كتاب اللّه العزيز.وبالرّغم من وجود هذا المنطلق القرآنيّ الذي بيّنّاه فقد تجاهله المفشسّرون القدماء رحمهم اللّ وذهبوا في موضوع فهم كلمة الجنّ بنفس المفهوم الجاهليّ الذي نفاه اللّه عز وجلّ. وأقدّم الآن عدّة أدلّة مستنبطةٍ من كتاب اللّه العزيز تنفي وجود الجنّ بالمفهوم الوثني الجاهليّ .

[أدلّة تنفي وجود (الجن) بالمفهوم الجاهلي]
الدليل الأوّل – دليل الفطرة البشريّة
وأبدأ الآن بتقديم دليلي الأوّل وهو الذي تضمنته الآيات الثلاث 30 /31/32 من سورة الروم والتي قال اللّه تعالى فيها (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرةَ اللّه التي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلقِ اللّه ذلك الدّين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.مُنيبين إليه واتّقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون.) فلقد نبّهت هذه الآيات أذهاننا إلى أنّ تعاليم الدين الإسلامي الحنيف قد أنزلها اللّه تعالى موافقة للفطرة البشريّة وليس موافقة لفطرة مخلوق آخر أطلقوا عليه اسم (جن).
فلقد قال اللّه عز وجلّ في هذه الآية الكريمة (فطرة اللّه التي فطر الناّس عليها).والذي يستفاد من هذه الحقيقة هو أنّ تعاليم الإسلام لا تتلاءم مع فطرة الملائكة ولا مع فطرة غيرهم من المخلوقات.ولذلك لا يكلّفون بالإيمان بالدّين الإسلاميّ ولا بالعمل على فرائضه.وبالتالي فإنّ هذه الحقيقة تدفعنا لنرفض المفهوم الوثني الجاهلي الذي زعم وجود مخلوق اسمه (جن) .ونحاول فهم كلمة (جن) حيثما وردت في الآيات القرآنيّة لنفهمها بمعناها الوصفي وليس بدلالتها على مخلوق آخر غير الإنسان.وبسبب أنّ القرآن الكريم أورد أنّ (نفراً من الجنّ) قد آمنوا برسول اللّه (ص) . فلو كانوا مخلوقاً آخر غير الإنسان وكانت فطرتهم تختلف عن فطرة الإنسان فما كان عليهم فرض الإيمان برسول اللّه (ص) لأنّ تعاليم دينه لا تتلاءم مع تكوين فطرتهم.فتعاليم الإسلام أنزلها اللّه تعالى ملائمة للفطرة البشريّة وحدها.وغير ملائمة لأيّة فطرة غيرها. وهذا يعني أنّ الذين استعمل اللّه تعالى لهم كلمة (جن) قد وصفهم ربّهم بهذه الصفة (جن) وليس على سبيل تسميتهم بهذه الكلمة.
فهذا الدّليل الأوّل بالإمكان أن يُصطلح له اسم (دليل الفطرة البشريّة). ويستنتج من هذا الدليل أنّ تعاليم الدين الإسلامي الحنيف تتناسب مع ما آتى اللّه عز وجلّ هذا الإنسان من قوى وملكات وميولٍ وأهواء وحسب.هذا وإنّ جميع مفسّري أمتنا الإسلاميّة وعلى اختلاف مذاهبهم متفقون على حقيقة أنّ تعاليم الإسلام قد أنزلها ربّنا عز وجلّ وفق مقتضيات الفطرة البشرية خاصّة.كما أنّهم متّفقون على أنّ فطرة غير هذا الإنسان تختلف عن فطرته.فلقد قال اللّه تعالى بحقّ فطرة ملائكة السماء وعلى سبيل المثال أنه تعالى فطرهم (يفعلون ما يؤمرون). أي أنّ ملائكة السماء لا يعصون الله ربّهم أبداً.ولذلك لم يأمر اللّه عزّ وجلّ ملائكته أن يؤمنوا بمحمّد (ص) بل أمرهم بتأييده. على حين أنّ هناك من البشر مَن يصدر عنهم عُصيان تعاليم وأوامر ربّهم جلّ شأنه.
وتأكيداً لهذه الحقيقة التي ذكرناها فإنّ الباحث الذي يحصي الخطب التي خطبها محمّدٍ (ص) والذي خاطب فيها البشر أمثاله والمبعوث من أجل هدايتهم فلا يُلاحظ أنّ محمّدا (ص) قد خاطب غير الناس في يوم من الأيام.فلو وُجد أيّ خطاب لرسول اللّه يأمر فيه الجنّ بشيء من الأشياء لبطل هذا الدليل ولتناقضت الآيات بعضها مع بعضها الآخر.أمّا في كتاب اللّه العزيز فإن قرأنا خطابا موجّها إلى (الجنّ والإنس) فتكون كلمة (الجن) قد وردت فيه وصفا وليس تسمية كما ذكرت ذلك من قبل.
والمهمّ هو أنّ محمدا (ص) قد خاطب الناس وحدهم ولم يخاطب في أيٍّ من مخاطباته مخلوقاً آخر يسمّونه (الجن).وعلى حسب ما ورد ذلك في الآية 158 من سورة الأعراف. فقد أمر اللّه محمّداً أن يقول (قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يُحيي ويميت فآمنوا باللّه ورسوله النبيّ الأمّي الذي يؤمن باللّه وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون.) فهذا الخطاب قد خصّ رسالة محمّد بن عبد اللّه (ص) بالناس وحدهم وإلا لكان اللّه عز وجل قد أمر رسوله أن يقول (يا أيها الناس والجنّ إني رسول اللّه إليكم جميعا)وقد حدّد اللهّ عز وجلّ إطار رسالة محمّدٍ رسوله الكريم أيضاً وذلك في سورة النّساء حيث قال (وأرسلناك للنّاس رسولاً وكفى باللّه شهيداً.) وهذا هو السببُ في أنّ رسول اللّه (ص) لم يخاطب (الجنّ) بحالٍ من الأحوال. فإن ورد خطابٌ موجّهٌ إلى (الجنّ) فيكون مصدره ذات اللّه تعالى وليس ذات رسوله الكريم. وعليه فإنّ الآيات التي ورد فيها اسم (الجن) فلا تعني وجود مخلوق آخر غير الإنسان بل تعني وجود شرائح من الناس قد وُصفت بتلك الصفة التي تعنيها كلمة (جن). ثمّ إنّه لو كان هناك مخلوق غير الإنسان اسمه (جن) لكان من واجب اللّه تعالى أن يبعث إليهم رسولاً من أنفس الجنّ وليس رسولاً من البشر وذلك لقوله تعالى في الآية 47 من سورة يونس (ولكلّ أمةٍ رسولٌ فإذا جاء رسولهم قُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون.) فهذا هو دليلي الأوّل الذي أقدّمه لإثبات مصداقيّة ما ذكرته للقارئ الكريم.

الدليل الثاني – دليل الأمانة المعروضة
والدليل الثاني الذي يؤكّد فهمي سالف الذكر هو قوله تعالى في الآية 72 من سورة الأحزاب (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولاً.) ولقد فهم سلفنا الصالح من المفسرين رحمهم اللّه تعالى أنّ المقصود بالأمانة هو (الدّين الذي يتضمّن شريعة اللّه عز وجلّ) وما دام اللّه تعالى قد عرض هذه الأمانة على (السماوات والأرض والجبال) فلا يكون قد قصد من هذه الكلمات (السماوات والأرض والجبال) بل يكون قد قصد أهلها وسكّانها وإلاّ فالمادّة لا تُكلّف بأوامر شرعيّة.وهذا القول ورد على شاكلة قوله تعالى في سورة الكهف بحقّ الجدار (فوجدا جداراً يريد أن ينقضّ) ومعلوم أنّ الجدار لا إرادة له .فهذا أسلوب استعارة بلاغيّ.ثمّ إن كلمة (الأمانة) وردت معرّفة بأداة التّعريف لتشيرَ إلى هذه الشريعة السماويّة المعهودة في أذهان المسلمين .
والذي قصدته من تقديم الآية القرآنيّة المذكورة أعلاه هو أنّه إن كان (الجنّ) مخلوق يقطن باطن الأرض كما يزعمون فالآية الكريمة قد صرّحت بإبائه حمل (الأمانة) لعدم قدرته على العمل على أحكامها من جهة ولعدم ملاءمتها لفطرته التي فطره اللّه تعالى عليها من جهة أخرى. وهذه الحقيقة تدعونا إذن لنفهم كلمة (جن) الواردة في مختلف سور القرآن الكريم على أنّه لم يُقصد بهذه الكلمة (جن) اسم جنس المخلوق المزعوم وجوده تحت الأرض ولكنّه قُصدَ بكلمة (جنّ) شريحةً معيّنةً من الناس وصفهم اللّه تعالى بهذه الصفة لملاءمة معنى ًمن معاني هذه الكلمة لأوضاعهم وأحوالهم التي اتّصفوا بها في حياتهم الدنيا.
ثمّ إنّه لو صدق زعم هؤلاء المعتقدين بوجود مخلوق آخر غير الإنسان واسمه (جن) وأنه كان من هؤلاء الجن من أسلم واعتنق رسالة الإسلام فكان ينبغي ذكر هذا المخلوق المزعوم في هذه الآية 72 من سورة الأحزاب.
فإن قيل إنّ الجنّ هم من نارٍ وهم غير مكلّفين أصلاً بالعمل على شريعة الإسلام فإنّ هذا القول يدعونا لنفهم الآيات التي ورد فيها أنه قد أسلم بعضّ (الجن) على أنّ تلك الآيات الكريمة قد تكلّمت عن شريحة من الناس أنفسهم ممّن وصفهم اللّه تعالى بكلمة (جنّ) ليس إلاّ.هذا الاعتراض يؤكّد مصداقيّة ما ادّعيناه وإلا فلو كان اللّه تعالى قد قصد من هذه الكلمة في تلك المواضع مخلوقاً آخر غير الإنسان لكانت الآيات قد ناقض بعضها البعض الآخر أعاذنا اللّه أن يصدر عن اللّه تعالى مثل ذلك.
وبفرض أنّ نفراً من (الجنّ) الذي هو مخلوق آخر غير الإنسان قد أسلموا فإنّ إسلامهم هذا يرتّب عليهم مسؤوليّات تطبيق أحكام هذا القرآن المجيد وعلى شاكلة المسؤوليات الملقاة على كواهل فئة المؤمنين برسول اللّه (ص) والتي تضمّنتها مختلف الآيات القرآنيّة ومن تلك المسؤوليات خاصّة ما نصّ عليها قول اللهّ عز وجلّ في سورة الفتح (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً.لتؤمنوا باللّه ورسوله وتعّروه وتوقّروه وتسبّحوه بكرةً وأصيلاً . إنّ الذين يبايعونك يد اللّه فوق أيديهم..) فهذه الآيات الكريمة قد طالبت المؤمنين بمحمّد رسول اللّه (ص) أن ينصروه ويؤازروه وأن يدفعوا إليه بزكاة أموالهم وتبرّعاتهم وأن يؤدّوا ما أوجبه الإسلام عليهم من فرائض دينية كالجهاد في سبيل اللّه تعالى وكالصلاة على سبيل المثال وأداؤها جماعةً وراءه (ص) ووراء أئمّتهم.فأرجو من كلّ إنسانٍ لا يتّفق معي فيما أطرحه في هذا البحث أن يدلّني على مرجعٍ تراثيّ واحدٍ ورد فيه أنّ النفر من الجنّ الذين آمنوا برسول اللّه (ص) قد التزموا بتلك المسؤوليات التي ذكرناها ولا أذهب بعيداً فهذه قضيّة فلسطين في أيامنا هذه التي تستصرخ العرب والمسلمين في جميع أقطار العالم فلم نسمع أنّ أحداً من (الجنّ) قد خدم هذه القضيّة العربية الإسلاميّة في هذه الأيام.وهل يعني ذلك أنّه لا يوجد في عصرنا هذا أيّ (جنّي) مسلمٍ من نسل ذاك النفر من الجنّ الذين أسلموا زمن بعثة محمّدٍ رسول اللّه (ص) والمذكورين في هذا القرآن الكريم؟
فهذا هو الدليل الثاني الذي قدّمته لإثبات مصداقيّة ما توصّلت إليه في هذا البحث بالإمكان أن نصطلح على تسميته باسم دليل (الأمانة المعروضة على السماوات والأرض والجبال) هذا الدليل الذي يثبت منه بُطلان هذا المفهوم الوثنيّ الذي يرد على ألسنة العامّة لكلمة (جنّ) في جميع الأقطار العربيّة والإسلاميّة والذي لا أساس له في آي الذّكر الحكيم.

الدليل الثالث – دليل استكثار الجنّ من الإنس
وأقدّم إلى القارئ الكريم دليلاً ثالثاً يثبت مصداقيّة ما ذهبت إليه في هذا البحث وأستنبط هذا الدليل من مُعطيات الآيات الكريمة التي تكلّمت عن يوم الحساب.فإن راجع القارئ الكريم الآيتين 128/129 من سورة الأنعام يلاحظ بأنّ اللّه تعالى تكلّم فيهما عن يوم الحساب وقال (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربّنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجّلتَ لنا قال النّار مثواكم خالدين فيها إلاّ ما شاء اللّه إنّ ربّك حكيمٌ عليم.وكذلك نُولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون.) .
والآن أتوجّه نحو القارئ الكريم بعد أن تلوت عليه الآيتين المذكورتين فأسأله: أولم يُلفت نظرك قول اللّه تعالى في الآية الأولى (يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس) فما هي دلالة استكثار الجنّ من الإنس في مفهومنا الدينيّ ؟ علماً بأنّ اللّه تعالى قد أجاب على هذا السؤال في نفس هذه الآية الكريمة وقال (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون). فإن نحن تفحّصنا ألفاظ هذه الإجابة فإن كلمة (كذلك) مركّبة من كاف التشبيه ومن ذا الإشارة ومن لام البُعد ومن كاف الخطاب (محيط المحيط) وأما كلمة (نولّي) فمشتقّةٌ من قولك ولي فلان الشيء وعليه معناه ملك أمره وقام به. وعليه فكأنّ اللّه تعالى قد شبّه في قوله هذا استكثار الجنّ من الإنس بالظالمين من الجنّ الذين يملكون أمور الظالمين من الإنس ويسيّرونهم وفق إرادتهم وأهواءهم.
فالسؤال هنا هو: كيف تبدو حقيقة ذلك على بساط الواقع ؟ وهل سمعنا في عصرنا هذا نبأً يقول بأنّ الجنّ في مكان ما من هذه الأرض قد استكثروا من الإنس فهيمنوا عليهم وملكوا عليهم أمرهم ؟ ولنعُد بأذهاننا إلى زمن رسول اللّه (ص) فهل ورد في كتابٍ من كتب التّراث أنَ الجنّ في ذاك الزمان قد استكثروا من الإنس بمعنى أنّهم هيمنوا على الإنس وملكوا زمام أمرهم ؟ فهذا بفرض أننا سلّمنا بوجود مخلوقٍ آخر غير الإنسان يسمّونه (جنّ).
والمهمّ في الأمر هو أنّه لا يوجد أحدٌ من الناس يجيبُ على هذه التساؤلات بكلمة: نعم. والسببُ في ذلك هو أنّ هذا القول (قد استكثرتم من الإنس) ما حدث على بساط الواقع بمعناه الذي تبادر لأذهاننا أو لأذهان المفسرين القدماء مّمن زعموا وجود مخلوق اسمه (جن) واستكثر من مخلوق اسمه (إنس) فلا وجود لهذا الذي تقوّلوه بهذا المعنى في شتّى أزمنة تاريخ هذا الإنسان.
هذا وإنّ هذه الحقيقة التاريخيّة التي توصّلنا إليها تشكّل قرينةً لغويّةً تحوّل معنى هذا القول المشار إليه من مفهومه المتبادر لذهن الإنسان والنابع من هذا المفهوم الوثنيّ لكلمة (جن) والشائع بين عامّة الناس، تنقله إلى معنى يتلاءم مع مفهوم كلمة (جن) على أنّها وصفٌ لشريحة من الناس وليس اسما لمخلوق آخر غير الإنسان.
فإن سألني القارئ الكريم عن دلالة قوله تعالى (يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس) فأجيبه وأقول: هذه الألفاظ تفسّر ما يحدث في العالم من ظواهر سيطرة أشخاصٍ على أشخاص باسم العشائريّة تارةً وباسم الحزبيّة تارة أخرى والتي تأتي بزعماء يهيمنون على جماهير الإنس من عامّة النّاس. فقد وصف اللّه تعالى زعماء العشائر وزعماء الأحزاب بصفة (الجن) هذه المشتقّة من قولك جنّ الليل علينا أي هيمن وسيطر علينا فما عدنا نرى نوراً.ويكون تعالى قد استعار كلمة (الجن) ليصف ما ذكرناه وبأسلوبٍ بلاغيّ إنشائيّ.وإنّ معنى هيمنة السادة على المسودين من الناس يعدّ أحد معاني كلمة (جنّ) وكما سأثبت ذلك في هذا البحث الذي يتضمّنه هذا الكتاب. والذي نشرته صحيفة (الاتجاه الآخر) الأسبوعية على مدى خمسة عشرة حلقة.
فإن اعترض أحد الناس وقال:يوجد في حيّنا شخصٌ له صلةٌ بهذا المخلوق المسمّى (جن) وهو مستعدّ لتهييج هؤلاء الجنّ عليك ليسحروك أو ليؤذوك أفلا تخشى حدوث مثل ذلك ؟ فأجيب على هذا المعترض وأقول له: لقد مرّ علينا في حياتنا كثيرا من أمثال هؤلاء المشعوزين الذين فرّوا من أمامنا عندما تبيّن لهم أننا لسنا من طبقة عوام الناس السطحيين الذين يسهل التسلّط على عقولهم. فإن كنت يا عزيزي على ثقةٍ ممّا تقول هيّا فابعث بواحد من هؤلاء نحونا ولكن عليك أن تحذّره من خطر انكشاف حقيقته.
وعليه تكون يا قارئ العزيز قد تسلّحت بدليلٍ ثالثٍ مستمدّ من الآيات التي تكلّمت عن يوم الحساب وبإمكاننا أن نصطلح لهذا الدّليل اسم دليل (استكثار الجن من الإنس).

الدليل الرابع – دليل وقود جهنّم
وأستنبط للقارئ دليلاً آخر رابعاً من نفس هذا القسم من الآيات الكريمة المتعلّقة بيوم الحساب فإن أنت راجعت يا عزيزي الآيتين 178/179 من سورة الأعراف اللتين قال اللّه عز وجلّ فيهما (مَن يهد اللّه فهو المهتدي ومَن يُضلل فأولئك هم الخاسرون.ولقد ذرأنا لجهنّم كثيراً من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ أولئك هم الغافلون.) فإن أنت تلوت هاتين الآيتين الكريمتين فإنّ كلامهما لا يُشعرك بوجود أيّ فرقٍ فرّقتا فيه ما بين فريقي (الجنّ والإنس) المشار إليهما في هاتين الآيتين الكريمتين.فلو كان الجنّ مخلوقٌ من (مارج من نار) من حيث تكوينه العضويّ وليس النفسيّ وأنّ الإنس مخلوقين من ترابٍ أو من طين فإنّ هذا الفرق في تكوين تركيب كيانهما العضوي يقتضي بالضرورة ظهور فرق في أداة تعذيب كلّ منهما.وما داما يعذّبان بنار واحدة فلا بدّ أن يكونا بالتالي من مادّة واحدة وهو المطلوب .وتكون كلمة (الجنّ) حينئذٍ قد وردت وصفاً لشريحة من الناس ولم ترد بمعنى اسم جنس.

وإنّ ما يؤكّد هذا المعنى الذي توصّلنا إليه هو مضمون الآية 24 من سورة البقرة التي قال اللّه تعالى فيها مخاطباً النّاس: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتّقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعِدَّت للكافرين.) فالمعلوم من هذه الآية الكريمة هو أنّ وقود جهنّم يشتمل على الناس والحجارة ولا يشتمل على (الجن).فهل نسي اللّه تعالى أن يذكر (الجن) في هذه الآية الكريمة ؟ إلاّ أن تكون كلمة (الجن) الواردة في الآية السابقة قد استعملت هنا وصفاً لشريحة من الناس يهيمنون على سواهم من عامة الناس. ولم تستعمل كلمة (الجن) هذه للتّعبير بها عن مخلوق آخر غير الناس وأنّه موجود واسمه (جن) .
وعلى كلّ حال فإنّ اللّه تعالى حين قال (ولقد ذرأنا لجهنّم كثيراً من الجنّ والإنس) فهو تعالى يعني بألفاظ أخرى أنّ جهنّم تشتمل على الكافرين والظالمين من (الجنّ والإنس) معاً على حين أنّ هذه الآية من سورة البقرة التي أوردناها لم تؤيّد وجود الجنّ في جهنّم.وهذه الحقيقة تعني بألفاظٍ أخرى أنّ (الجن) ليسوا مخلوقا آخر مستقلاّ عن الإنسان بل وردت هذه الكلمة وصفاً لشريحةٍ من الناس .
وعليه فقد ثبت من خلال هاتين الآيتين سالفتي الذكر أنّ كلمة (الجن) الواردة في كتاب اللّه العزيز لا تعني مخلوقاً مستقلاّ عن الإنسان .بل وصفا لشريحة من الناس وبإمكاننا أن نصطلح لهذا الدليل الرابع اسم دليل (وقود جهنّم) .
وعلى هذه الصورة أكون قد أدليت للقارئ الكريم بأربعة أدلّة من مُعطيات الآيات القرآنيّة نفسها إلى جانب تقديم آية قرآنية كريمة نفى اللّه عز وجل من خلالها وجود هذا المفهوم الوثنيّ الجاهلي الذي اختلقه المشركون قبل ظهور الإسلام ظنّاً من عند أنفسهم أنّه موجود وإنّ اعتقادهم هذا لم يستند إلى أيّ سندٍ علميّ.وأرى أن أكتفي بما قدّمته من هذه الأدلّة القاطعة استجابة من طرفي للإجابة على سؤال السائل والتي تنفي وجود مخلوق مستقلٍّ عن الإنسان واسمه (جنّ) لذلك:
أعود إلى أصل موضوع مقدّمة هذا البحث فأقول:لقد تابعتُ المواقع التي وردت فيها كلمة (جنّ) وتدبّرت الآيات الكريمة التي تضمّنتها من مُنطلق ما بيّنته حتى الآن في هذه المقدّمة من بيان نسب هذه الكلمة (جنّ) ومن كونها قد استعملت في كتاب اللّه العزيز بدلالتها الوصفيّة وعدم استعمالها للدلالة على اسم جنسٍ معيّنٍ يمثّل مخلوقاً غير الإنسان .هذه الحقيقة التي قدّمت لإثبات مصداقيّتها دليلاً قرآنيّاً ينفي وجود هذا المخلوق المزعوم وأربعة أدلّة متنوّعةٍ يثبت من خلالها أنّ آي الذّكر الحكيم كان يورد كلمة (جنّ) على الدّوام بدلالتها الوصفيّة وعلى سبيل الاستعارة أيضا.

وهنا قد يسألني القارئ الكريم: وهل تبيّن لك أنّ جميع الآيات القرآنيّة قد أوردت هذه الكلمة المشار إليها بمعنى وصفيٍّ واحدٍ أو بأكثر من معنى واحد ؟
فأجيب وأقول: بل تبيّن لي أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أوردها بأكثر من معنى وصفي واحد.حيث وصف اللّه جلّ شأنه بكلمة (جنّ) سادة الأقوام وزعماء العشائر والأحزاب والطغاة المتجبّرين في الأرض لاتّصاف هؤلاء بصفة الهيمنة على شعوبهم وأتباعهم في كلّ مكان.كما وصف بكلمة (جنّ) المواطنين الأجانب عن شبه جزيرة العرب لاستتارهم عن أعين العرب ولعدم اختلاطهم بهم إلاّ لمماً.كذلك وصف القرآن الكريم إنسان ما قبل التّاريخ بهذه الصفة لكونه قد أمضى حياته مستتراً في أعماق الكهوف ولعدم خروجه منها إلاّ للصّيد ولجلب ما يكفيه من الماء وغيره من الحاجات الضروريّة وما كان يكفيه منها لبقائه حيّاً.ولقد دأب كتاب اللّه العزيز على استعمال كلمة (جنّ) هذه في مقابل كلمة (إنس) بسبب أنّ عوام الناس يجوز إطلاق هذه الكلمة (إنس) عليهم لكون طبيعتهم أنيسةً ومُنقادة غير متمرّدة.أمّا المتمرّدون منهم والمكذّبون من الناس للرسالات السماويّة فقد استعمل القرآن الكريم لهم مصطلح (شياطين الإنس والجنّ) فوصفهم بهذا الوصف استناداً إلى النتائج المترتّبة على ما يقومون به من أعمال شرّيرة.وعلى هذه الصورة يكون اللّه عز وجلّ قد أضفى بذلك التّنوّع المذكور هالةً من البديع والبيان ولإعطاء كلامه المقدّس منزلةً ليس من السهل أن يرقى إليها إنسان.
وقد عمدت في حلقات هذا البحث إلى شرح الآيات القرآنيّة التي وردت فيها هذه الكلمة (جنّ) فلم أعمد إلى الأسلوب التّقليديّ في كتابة المؤلّفات بل عمدت إلى الأسلوب الصحفيّ الذي يتميّز بمخاطبة القارئ مباشرةً ويبسّط له الأمور.

وأخيراً أرجو أن أكون قد خدمت كتاب اللّه العزيز وأبعدت عنه ما ألصقه به الذين لم تنكشف عليهم هذه الحقيقة التي كشفها ربّي على شخصي الضعيف ممّن ألصقوا بهذه الكلمة (جنّ) الواردة في كتاب اللّه العزيز من معاني لم تكن مقصودة منها بحالٍ من الأحوال وإنما الأعمال بالنّيات وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
ســليم الجـابي

[صورة مرفقة: red-angel-starry-sky.gif]
(آخر تعديل لهذه المشاركة : 01-11-2011 05:02 AM بواسطة الفكر الحر.)
01-11-2011 04:21 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الفكر الحر غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات : 2,191
الإنتساب : Oct 2009
مشاركات : #4
Brick RE: أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا
( والجان خلقناه من قبل من نار السموم )( وخلق الجان من مارج من نار )
http://www.islamahmadiyya.com/pdf/rvl_part5_03.pdf

[صورة مرفقة: red-angel-starry-sky.gif]
03-18-2011 04:12 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
فخر الصادق غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 63
الإنتساب : Apr 2011
مشاركات : #5
RE: أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا
تحياتي أيها الفكر الحُر:
هذا العالم لا يعرف الكثير عن ماضيه, ولذلك حاولوا تفسير ظاهرات معينة حسب مفهوم ديني محض.
لا يضير أن ألفت نظركم إلى ما ورد في "الكشف الخامس لكوكب الأرض" , حيث هناك تفسير آخر أُعطي لنا عن هذه المخلوقات.
انظر الرابط التالي:

http://www.urantia.info/ar/xrfddoc.077.doc
06-19-2011 12:16 AM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
الفكر الحر غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات : 2,191
الإنتساب : Oct 2009
مشاركات : #6
الرد على: أبناء آدم من الجن والشياطين ليسوا أشباحاً ولا أرواحاً، بل بشر مثلنا
كتاب الجن حقيقة أم خيال ؟ http://www.saleemaljabi.com/saleem/pdf/jin.pdf
1mb
وشكراً ...,

[صورة مرفقة: red-angel-starry-sky.gif]
11-11-2011 09:03 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  ديوان ديك الجن الحمصي الحوت الأبيض 0 2,847 07-05-2011 11:25 PM
آخر رد: الحوت الأبيض
  **** كتب عن ولـ أبناء الطائفة النصيرية****** إبراهيم 37 19,500 04-17-2011 01:19 AM
آخر رد: احمد منتصر (ابن الوحدة)
  ابناء الجن/ مارغريت كاي تيامت 7 1,271 08-23-2007 01:47 PM
آخر رد: تيامت

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف